عادل توماس يكتب: الصحافة ليست لكل من يحمل هاتفًا... بل لمن يحمل أمانة الكلمة
أعادت واقعة القبض على شاب متهم بانتحال صفة قاضٍ إلى الواجهة سؤالًا بالغ الأهمية: إلى متى ستظل بعض المهن عرضة لانتحال الصفة دون وجود ردع كافٍ يحفظ هيبتها ويحمي المجتمع من آثار هذا السلوك؟
لقد تعامل القانون بجدية مع واقعة انتحال صفة القاضي، لأن القضاء ليس مجرد لقب، بل سلطة ومسؤولية وثقة يمنحها المجتمع لمن يستحقها وفقًا للقانون، لكن إذا كان الجميع قد أدرك خطورة انتحال صفة القاضي، فلماذا لا نطرح السؤال نفسه بشأن مهنة الصحافة؟ وهل أصبحت الصحافة مهنة متاحة لكل من يمتلك هاتفًا محمولًا وصفحة على مواقع التواصل الاجتماعي؟
خلال السنوات الأخيرة، شهدنا انتشار صفحات إخبارية وحسابات رقمية يديرها أشخاص يطلقون على أنفسهم ألقابًا مثل "صحفي" و"رئيس تحرير" و"إعلامي"، رغم أن استخدام هذه الألقاب في بعض الحالات قد لا يستند إلى صفة مهنية أو قانونية، وفي المقابل، هناك صحفيون قضوا سنوات في الدراسة والتدريب والعمل المهني، والتزموا بالقوانين ومواثيق الشرف، وتحملوا مسؤولية الكلمة أمام المجتمع والقانون.
الصحافة ليست صورة تُلتقط، ولا خبرًا يُنسخ، ولا بثًا مباشرًا يبحث عن المشاهدات، الصحافة رسالة، والرسالة لها قواعد، ولها مسؤولية، ولها ثمن يدفعه الصحفي الحقيقي كل يوم وهو يبحث عن الحقيقة، ويتحقق من المعلومات، ويحترم حقوق الناس وكرامتهم.
ولا أحد يعترض على حق المواطنين في التعبير عن آرائهم أو إنشاء منصات رقمية أو تقديم محتوى، فهذا حق يكفله الدستور، لكن هناك فرقًا واضحًا بين ممارسة حرية التعبير، وبين الادعاء بممارسة مهنة منظمة أو استخدام لقب مهني دون استحقاق، فليس كل من يحمل كاميرا صحفيًا، وليس كل من يقدم برنامجًا أو بثًا مباشرًا مذيعًا أو إعلاميًا بالضرورة، تمامًا كما أن ارتداء معطف الطبيب لا يجعل صاحبه طبيبًا، وارتداء روب القضاء لا يجعل صاحبه قاضيًا.
إن خطورة انتحال صفة الصحفي أو الإعلامي لا تكمن في اللقب وحده، بل فيما قد يترتب عليه من تضليل للرأي العام، أو نشر معلومات غير دقيقة، أو الإساءة إلى سمعة الأبرياء، أو استغلال اسم الصحافة والإعلام لتحقيق مصالح شخصية أو الحصول على امتيازات لا يملكها صاحبها.
ولم تعد الأزمة مهنية فقط، بل أصبحت اقتصادية أيضًا، فالصحافة المصرية تعاني منذ سنوات من تراجع الموارد، وكان الإعلان يمثل أحد أهم مصادر دخل المؤسسات الصحفية والصحفيين. ومع التحول إلى المنصات الرقمية، اتجه جانب من الإنفاق الإعلاني إلى صناع المحتوى والمؤثرين، وهو تطور فرضته طبيعة السوق. لكن الإشكالية تبرز عندما تستفيد صفحات أو حسابات تنتحل صفة الصحافة أو الإعلام من هذا الإنفاق، بما يراه كثيرون داخل الوسط الصحفي عاملًا يزيد الضغوط على المؤسسات والصحفيين، ويهدد استدامة العمل الصحفي المهني القائم على الالتزام والتحقق والمسؤولية.
ويبقى السؤال الذي ينتظر إجابة من المشرع والجهات المعنية: متى يتم وضع آليات قانونية أكثر فاعلية لمواجهة انتحال صفة الصحفي أو المذيع أو الإعلامي؟ ومتى يصبح استخدام هذه الألقاب مقصورًا على من يملك الصفة المهنية التي يحددها القانون؟ ومتى تحصل نقابة الصحفيين على صلاحيات قانونية أوسع تمكنها من المبادرة باتخاذ الإجراءات القانونية وتحريك الدعاوى في حالات انتحال صفة الصحفي، حفاظًا على هيبة المهنة وحقوق أعضائها؟
إن هذه الدعوة ليست موجهة ضد صناع المحتوى أو أصحاب الرأي أو المواطنين الذين يمارسون حقهم في التعبير، فحرية الرأي والتعبير حق دستوري لا خلاف عليه، وإنما هي دعوة إلى الفصل بين حرية التعبير وبين استخدام الألقاب المهنية المنظمة قانونًا، حتى لا تختلط الأدوار، ولا تضيع هيبة المهن، ولا يصبح من السهل على أي شخص أن يقدم نفسه للجمهور بصفة لم يحصل عليها.
إن حماية الصحافة ليست دفاعًا عن فئة بعينها، بل دفاع عن حق المجتمع في الحصول على معلومة دقيقة من مصدر مسؤول، فكلما ضعفت المؤسسات الصحفية المهنية، وازدادت مساحة الادعاء وانتحال الصفة، أصبح المواطن هو الخاسر الأول، لأن الحقيقة تختلط بالشائعة، والخبر بالرأي، والصحفي بمن يدعي أنه صحفي.
فالصحافة لم تكن يومًا لكل من يحمل هاتفًا محمولًا، بل كانت وستظل لمن يحمل أمانة الكلمة، ويحترم الحقيقة، ويؤمن بأن القلم مسؤولية قبل أن يكون وسيلة للنشر.