< علي الهواري يكتب: الحرب الصفرية بين إيران وأمريكا.. السيناريو الكارثي
النبأ
رئيس التحرير
خالد مهران

علي الهواري يكتب: الحرب الصفرية بين إيران وأمريكا.. السيناريو الكارثي

علي الهواري يكتب:
علي الهواري يكتب: الحرب الصفرية بين إيران وأمريكا

في بعض الحروب لا يكون الهدف مجرد تحقيق مكاسب عسكرية أو انتزاع تنازلات من الخصم، وإنما الوصول إلى مرحلة يصبح فيها انتصار طرف مرهونًا بهزيمة الطرف الآخر، ويصبح أي تنازل، مهما كان محدودًا، بمثابة خسارة استراتيجية وسياسية لا يستطيع أي من الطرفين تحمل تبعاتها، وهنا تتحول الحرب من صراع على المصالح إلى ما يمكن وصفه بـ*«الحرب الصفرية»*، حيث يتمسك كل طرف بأقصى مطالبه، ويرى أن قبول مطالب الطرف الآخر يعني بالضرورة تراجعًا أو هزيمة.

وتزداد خطورة هذا النوع من الحروب عندما تتداخل فيها قضايا الأمن القومي، وبقاء الأنظمة، والسيادة، والقدرات العسكرية، والنفوذ الإقليمي. ففي هذه الحالة لا يعود التفاوض مجرد بحث عن تسوية، وإنما يصبح اختبارًا للقدرة على الصمود، وتتحول كل خطوة إلى الأمام إلى مكسب لطرف، وكل خطوة إلى الوراء إلى خسارة للطرف الآخر.

والحروب الصفرية غالبًا ما تكون من أصعب الحروب إنهاءً؛ لأن المشكلة لا تكمن في غياب الحلول، وإنما في عدم استعداد أي طرف لدفع ثمن التسوية، ومع استمرار القتال، قد يتحول الهدف من تحقيق النصر إلى منع الخصم من تحقيق النصر، فتدخل الحرب في دائرة من الاستنزاف المتبادل، بينما تتزايد تكلفة الصراع على الدول والشعوب المحيطة به.

وهذا تحديدًا ما يجعل المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل واحدة من أخطر نماذج الصراع الصفرية في الشرق الأوسط؛ إذ لم يعد الخلاف محصورًا في البرنامج النووي الإيراني، وإنما امتد إلى البرنامج الصاروخي، والنفوذ الإقليمي، وعلاقة طهران بحلفائها، ومستقبل النظام الإيراني، وأمن الخليج، ومضيق هرمز.

ومع اتساع قائمة المطالب وتراجع مساحة التنازلات، يبرز السؤال الأصعب: كيف يمكن إنهاء حرب يرى كل طرف فيها أن تراجعه أمام خصمه قد يكون أخطر من استمرار الحرب نفسها؟

الحرب الصفرية بين إيران وأمريكا.. إلى أين تتجه المواجهة؟

منذ اندلاع الحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخل الصراع مرحلة شديدة التعقيد، بعدما وضعت واشنطن مجموعة من الأهداف التي أرادت تحقيقها عبر الضغط العسكري والسياسي، في مقدمتها تدمير البرنامج النووي الإيراني بالكامل، ومنع طهران بصورة نهائية من امتلاك سلاح نووي، وتدمير أو تحجيم برنامجها الصاروخي، وفك ارتباطها بأذرعها وحلفائها في المنطقة، وفي مقدمتهم حزب الله في لبنان والحوثيون في اليمن والجماعات المسلحة في العراق.

ومع تعثر تحقيق هذه الأهداف، أضيفت إليها أهداف أخرى أكثر حساسية، من بينها السعي إلى تغيير النظام الإيراني، وإجبار طهران على فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، ومنعها من فرض سيادتها أو نفوذها على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.

في المقابل، ترفض إيران هذه المطالب بصورة قاطعة، وتتمسك بحقها في امتلاك برنامج نووي سلمي وفق التزاماتها الدولية وتحت رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وترفض التخلي عن برنامجها الصاروخي الذي تعتبره جزءًا من منظومة دفاعها وأمنها القومي، كما تتمسك بنفوذها الإقليمي وعلاقاتها مع حلفائها في المنطقة، وترفض أي صيغة ترى فيها انتقاصًا من مصالحها أو نفوذها في مضيق هرمز.

وهنا تكمن جوهر الأزمة: كل طرف يرى أن تقديم التنازل في القضايا الأساسية يمثل تهديدًا مباشرًا لأمنه ومصالحه، بينما يرى الطرف الآخر أن قبول هذه المطالب يعني انتصار خصمه.

مذكرة التفاهم.. اتفاق لم يصمد أمام أزمة هرمز

ورغم نجاح الجهود الدبلوماسية في التوصل إلى مذكرة تفاهم هدفت إلى معالجة عدد من الملفات الخلافية، فإن الخلاف حول تفسير البنود المتعلقة بمضيق هرمز أعاد الأزمة إلى نقطة الصفر.

اتهم كل طرف الآخر بخرق التفاهمات وعدم الالتزام بما تم الاتفاق عليه، فعادت لغة القوة إلى الواجهة، واستؤنفت الضربات المتبادلة، لتتراجع فرص التسوية السياسية مرة أخرى.

وهكذا تحولت مذكرة التفاهم، التي كان يفترض أن تكون خطوة نحو إنهاء الحرب، إلى حلقة جديدة في سلسلة الصراع، وأصبح السؤال لا يتعلق فقط بما إذا كان الطرفان قادرين على التوصل إلى اتفاق، وإنما بما إذا كان أي منهما مستعدًا أصلًا لقبول اتفاق لا يحصل فيه على كل ما يريد.

حرب بلا رابح.. ولا طرف مستعد للخسارة

الولايات المتحدة، رغم تفوقها العسكري الهائل، لم تتمكن حتى الآن من تحقيق جميع أهدافها المعلنة أو فرض تسوية نهائية على إيران. وفي المقابل، ترى طهران أنها تمكنت من الصمود أمام الضغوط العسكرية والسياسية، وأن عدم تحقيق واشنطن وتل أبيب أهدافهما الأساسية يمثل في حد ذاته مكسبًا إيرانيًا.

وهنا نصل إلى مفهوم يمكن وصفه بـ «الحرب الصفرية»؛ أي الحرب التي يتحول فيها الصراع إلى معادلة تبدو فيها مكاسب أحد الطرفين خسارة مباشرة للطرف الآخر، بحيث يصبح التراجع بالنسبة إلى أي طرف بمثابة هزيمة سياسية واستراتيجية.

وفي مثل هذه الحروب، لا تكون المشكلة في غياب الحلول فقط، وإنما في غياب القابلية السياسية لقبول الحلول الوسط.

فالولايات المتحدة تريد ضمانات طويلة الأمد بشأن البرنامج النووي والصاروخي والنفوذ الإقليمي الإيراني، وإيران تريد ضمانات بعدم استهداف نظامها أو تهديد أمنها، والاعتراف بحقوقها ومصالحها الإقليمية.

وبين المطالب الأمريكية والرفض الإيراني، يبدو أن مساحة التسوية تضيق أكثر فأكثر.

كيف يمكن أن تنتهي الحرب؟

إذا استمرت المعادلة الحالية، فإن الحرب قد تتجه إلى واحد من أربعة سيناريوهات رئيسية، وإن كانت احتمالات تحققها ليست متساوية:

السيناريو الأول: الضربة الكبرى وتغيير النظام

قد يقرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تنفيذ ضربة عسكرية واسعة تستهدف إحداث تغيير استراتيجي كبير داخل إيران، وربما تتطور الأمور إلى محاولة إسقاط النظام وإقامة نظام سياسي جديد أكثر قربًا من الولايات المتحدة وإسرائيل.

لكن هذا السيناريو، إذا كان الهدف منه تغيير النظام وليس مجرد إضعاف قدراته العسكرية، لن يكون عملية عسكرية قصيرة وسهلة. فإيران دولة كبيرة، ذات مؤسسات عسكرية وأمنية متماسكة، وسكانها يتجاوزون 90 مليون نسمة، وتمتلك قدرات صاروخية وشبكة واسعة من الحلفاء والنفوذ الإقليمي.

كما أن إسقاط النظام لا يعني بالضرورة القدرة على بناء نظام بديل مستقر وموالٍ للولايات المتحدة. وقد تتحول إيران إلى ساحة صراع داخلي طويل، بما يحمله ذلك من تداعيات تتجاوز حدودها.

السيناريو الثاني: تكرار سيناريو العراق

السيناريو الأكثر خطورة يتمثل في تكرار التجربة العراقية، من خلال إسقاط النظام بالقوة ثم الدخول في مرحلة طويلة من الفوضى وإعادة بناء الدولة.

فإيران ليست العراق، وسقوط النظام الإيراني لن يعني بالضرورة انتهاء الصراع، بل قد يفتح الباب أمام تفكك مؤسسات الدولة، وتصاعد الصراعات الداخلية، وظهور جماعات مسلحة، وتدخل قوى إقليمية ودولية، وربما إعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط بالكامل.

وقد تكون المفارقة أن الولايات المتحدة، إذا نجحت في إسقاط النظام، قد تجد نفسها أمام إيران أكثر فوضى وأقل قابلية للسيطرة، بما يهدد أمن الخليج والعراق وأمن الملاحة في الخليج وبحر العرب.

السيناريو الثالث: العودة إلى الدبلوماسية وتسوية تاريخية

يبقى الحل الدبلوماسي هو السيناريو الأقل تكلفة للجميع، حتى لو كان الأصعب سياسيًا.

وقد يقوم هذا الحل على تسوية مرحلية ومتبادلة، تتنازل فيها واشنطن عن بعض مطالبها القصوى، مقابل تنازلات إيرانية في الملفات النووية والصاروخية والإقليمية.

وقد تشمل التسوية ضمانات دولية بشأن سلمية البرنامج النووي، وآليات تفتيش ورقابة أكثر صرامة، وضمانات أمنية لإيران، وتخفيفًا تدريجيًا للعقوبات، مقابل قيود واضحة وقابلة للتحقق على تخصيب اليورانيوم والأنشطة النووية الحساسة.

أما قضية مضيق هرمز، فقد تكون مفتاح التسوية أو العقبة الأكبر أمامها، خصوصًا أن المضيق لا يمثل بالنسبة إلى إيران مجرد ممر مائي، وإنما ورقة استراتيجية تستخدمها في مواجهة خصومها.

والحل الواقعي قد لا يكون في انتصار طرف على الآخر، وإنما في صياغة معادلة تسمح لكل طرف بحفظ ماء الوجه وتقديم التنازلات على أنها مكاسب سياسية لا هزائم.

السيناريو الرابع: الخيار النووي.. السيناريو الأكثر كارثية

أما السيناريو الأكثر خطورة، فيتمثل في استخدام سلاح نووي ضد إيران لإجبارها على الاستسلام، في تكرار تاريخي لتجربة الولايات المتحدة ضد اليابان في الحرب العالمية الثانية.

لكن المقارنة بين الحالتين شديدة التعقيد، كما أن استخدام السلاح النووي في الشرق الأوسط اليوم سيكون مختلفًا بصورة جوهرية عن عام 1945.

فأي استخدام نووي ضد إيران قد يفتح الباب أمام سباق تسلح نووي إقليمي، ويقوض نظام عدم الانتشار، ويضعف مكانة الولايات المتحدة الدولية، ويخلق كارثة إنسانية وبيئية، وربما يدفع دولًا أخرى إلى البحث بصورة عاجلة عن قدرات نووية باعتبارها الضمان الوحيد لبقائها.

وقد تكون النتيجة عكسية تمامًا؛ فبدلًا من إنهاء الطموح النووي الإيراني، قد يؤدي استخدام السلاح النووي إلى إقناع دول المنطقة بأن امتلاك السلاح النووي أصبح ضرورة للبقاء.

المشكلة ليست في الحرب فقط.. وإنما في اليوم التالي

الخطر الحقيقي في الحرب الحالية لا يكمن فقط في حجم الضربات العسكرية، وإنما في ما سيحدث بعد توقفها.

فإذا تم إسقاط النظام الإيراني، من يضمن استقرار إيران؟

وإذا تفككت مؤسسات الدولة، من يسيطر على الترسانة الصاروخية؟

وإذا اتسعت الفوضى، ماذا سيحدث للعراق وسوريا ولبنان واليمن والخليج؟

وإذا أُغلق مضيق هرمز لفترة طويلة، كيف ستتأثر أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي؟

وإذا تحولت المواجهة إلى صراع مذهبي أو إقليمي مفتوح، من يستطيع السيطرة على تداعياته؟

هذه الأسئلة تجعل فكرة «النصر العسكري» أكثر تعقيدًا من مجرد تدمير منشآت أو إسقاط نظام سياسي.

الشرق الأوسط.. أمام اختبار تاريخي

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تنجح الولايات المتحدة وإسرائيل في تدمير جزء كبير من القدرات الإيرانية، لكنهما تفشلان في بناء ترتيبات أمنية وسياسية جديدة، فتترك المنطقة أمام فراغ استراتيجي وفوضى ممتدة.

وهنا تبرز دروس العراق وأفغانستان. فقد أثبتت التجربتان أن إسقاط نظام بالقوة أسهل كثيرًا من بناء نظام مستقر بعد إسقاطه، وأن الانتصار العسكري لا يضمن بالضرورة تحقيق الأهداف السياسية.

وقد يكون الشرق الأوسط هو الطرف الذي يدفع الثمن الأكبر إذا تحولت الحرب الأمريكية الإيرانية إلى حرب مفتوحة بلا سقف زمني أو سياسي.

فأي اضطراب طويل في مضيق هرمز سيؤثر في أسواق النفط والغاز وحركة التجارة العالمية، وأي اتساع للصراع قد يهدد أمن الخليج والعراق ولبنان واليمن وسوريا، ويزيد الضغوط الاقتصادية والأمنية على الدول العربية، بما فيها مصر، التي ترتبط مصالحها بصورة مباشرة بأمن الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس واستقرار أسواق الطاقة.

بين الحرب والتسوية.. من يتراجع أولًا؟

في النهاية، تبدو الأزمة الأمريكية الإيرانية وكأنها دخلت مرحلة «لا غالب ولا مغلوب»؛ واشنطن لا تريد الخروج من الحرب دون تحقيق مكاسب استراتيجية يمكن تقديمها للرأي العام الأمريكي، وطهران لا تريد تقديم تنازلات تحت ضغط القوة، لأنها تدرك أن أي تراجع كبير قد يُفسر داخليًا على أنه هزيمة، وقد يشجع خصومها على مواصلة الضغط عليها.

لكن استمرار هذه المعادلة يعني أن الحرب قد تتحول من صراع بين دولتين إلى أزمة إقليمية ودولية مفتوحة.

ولهذا فإن السؤال الأهم لم يعد: من يستطيع توجيه الضربة الأقوى؟

بل أصبح: من يستطيع إنهاء الحرب دون أن يخسر ما يعتبره جوهر أمنه القومي؟

فالولايات المتحدة أمام اختبار حقيقي: هل تريد تحقيق أهدافها مهما كانت تكلفة ذلك على المنطقة، أم أنها تدرك أن إسقاط النظام الإيراني أو إضعافه دون وجود بديل مستقر قد يؤدي إلى نتائج أسوأ مما تسعى إلى منعه؟

وإيران أيضًا أمام اختبار صعب: هل تستطيع الاستمرار في سياسة الصمود والمواجهة إلى ما لا نهاية، أم أن استمرار الحرب سيجبرها في النهاية على قبول تسوية لم تكن مستعدة لقبولها في البداية؟

وبينما يتمسك كل طرف بمطالبه، يبقى الشرق الأوسط هو الرهان الأكبر.

فإما أن تنتهي الحرب بتسوية تحفظ مصالح الطرفين، وإما أن تتحول إلى حرب استنزاف طويلة، أو إلى فوضى إقليمية قد لا يعرف أحد أين تبدأ، ولا أين تنتهي.

والتاريخ يقول إن القوى الكبرى تستطيع أن تشعل الحروب، لكنها لا تستطيع دائمًا التحكم في نتائجها.

والسؤال الذي يجب أن يُطرح قبل أي ضربة جديدة هو: إذا كانت الولايات المتحدة ستشعل المنطقة لإسقاط إيران أو إخضاعها، فهل تملك خطة حقيقية لليوم التالي؟ أم أن الشرق الأوسط سيدفع مرة أخرى ثمن حرب تبدأها القوى الكبرى، ثم تترك شعوب المنطقة وحدها لمواجهة نتائجها؟