< حفرة الموت في حلوان.. تقرير أثري ينفي وجود آثار والدفاع يتمسك بالبراءة والتحقيقات مستمرة
النبأ
رئيس التحرير
خالد مهران

حفرة الموت في حلوان.. تقرير أثري ينفي وجود آثار والدفاع يتمسك بالبراءة والتحقيقات مستمرة

حفرة الموت في العزبة
حفرة الموت في العزبة البحرية

في الساعات الأولى من صباح الثالث والعشرين من يونيو 2026، استيقظت منطقة العزبة البحرية بحلوان على واحدة من أكثر الوقائع مأساوية، بعدما انتهت رحلة حفر سرية داخل أحد المنازل بوفاة عاملين اختناقًا داخل حفرة عميقة، بينما ألقت أجهزة الأمن القبض على المتهم الرئيسي وعدد من المشاركين في أعمال الحفر، لتبدأ النيابة العامة تحقيقًا موسعًا كشف تفاصيل دقيقة عن موقع الواقعة، والأدوات المستخدمة، وظروف الوفاة، وحقيقة الادعاء بأن الحفر كان بغرض البحث عن الآثار.

التحقيقات الرسمية، التي امتدت بين معاينات النيابة العامة، وتقارير اللجنة الأثرية، ومحاضر الشرطة، رسمت صورة متكاملة لواقعة تجمع بين الطمع، والمخاطرة، والعمل السري داخل منطقة سكنية مكتظة، لتنتهي بكارثة إنسانية قبل أن يعثر المشاركون على أي شيء.

بداية البلاغ.. استغاثة تكشف المستور

حسب محضر قسم شرطة حلوان، تلقت الأجهزة الأمنية بلاغًا يفيد بقيام مجموعة من الأشخاص بأعمال حفر داخل منزل بشارع عبد الشافي خليفة بالعزبة البحرية، مع وجود شخصين متوفيين داخل الحفرة.

وعلى الفور انتقلت قوات الشرطة إلى موقع البلاغ، حيث تبين أن العقار عبارة عن منزل من طابق أرضي تبلغ مساحته نحو أربعين مترًا تقريبًا، وداخله حفرة عميقة أُعدت بطريقة احترافية نسبيًا، فيما جرى ضبط نجل مالكة العقار، الذي أقر خلال مناقشته بأنه استعان بعدد من العمال للحفر داخل المنزل بحثًا عن آثار، وأن العاملين لقيا مصرعهما نتيجة تعرضهما للاختناق داخل قاع الحفرة.

كما تمكنت الشرطة من ضبط اثنين آخرين من العمال، واللذين أقرا بأنهما يعملان مقابل أجر يومي في أعمال الحفر التي كلفهما بها المتهم الرئيسي.

النيابة العامة تنتقل إلى موقع الحادث

باشرت نيابة حلوان الجزئية التحقيق فور إخطارها بالواقعة، وانتقل أحد أعضاء النيابة إلى مكان الحادث لإجراء المعاينة بنفسه.

وكشفت المعاينة أن موقع الحفر يقع داخل ممر ضيق يؤدي إلى عدة غرف صغيرة، بينما احتلت الحفرة الجزء الأكبر من المكان، وكانت محاطة بعدد كبير من المعدات والأدوات المستخدمة في عمليات الحفر وسحب المياه.

كما لاحظت النيابة وجود كمبروسر هواء، وموتور لشفط المياه، وجهازي حفر كهربائي "هيلتي"، وحبال طويلة، بالإضافة إلى غليون زجاجي، وقناع واقٍ للغازات، وقطعة قماش مزودة بخرطوم قصير تستخدم في أعمال التنفس داخل الأماكن المغلقة.

وأمرت النيابة بالتحفظ على جميع المضبوطات باعتبارها أحرازًا على ذمة القضية، مع تكليف الحماية المدنية بانتشال الجثمانين، وفرض حراسة على المنزل لحين انتهاء التحقيقات.

حفرة بعمق يقارب 18 مترًا

أحد أهم ما كشفته المعاينات الرسمية هو طبيعة الحفرة نفسها، فوفقًا لتقرير اللجنة الأثرية، بلغ عرض الحفرة نحو مترين وعشرين سنتيمترًا، بينما وصل طولها إلى قرابة مترين وسبعين سنتيمترًا، وامتد عمقها إلى حوالي ثمانية عشر مترًا تحت سطح الأرض.

وأوضح التقرير أن الحفرة كانت مبطنة بالكامل بالطوب الأحمر من الداخل، بما يشير إلى محاولة تدعيم الجوانب لمنع انهيار التربة أثناء استمرار أعمال الحفر.

كما وُجد أعلى الحفرة نظام بدائي للرفع يعتمد على بكرة مثبتة في السقف الخشبي، مع وجود سلم من الحبال والأخشاب، وخراطيم لسحب المياه، وقناع واقٍ من الغازات، وهو ما يعكس إدراك القائمين على الحفر لاحتمال نقص الأكسجين أو تراكم الغازات داخل الأعماق.

الرديم يكشف طبيعة الأرض

أثناء المعاينة، عثرت اللجنة الأثرية على عشرات الشكاير المعبأة بالرديم الناتج عن الحفر داخل الغرف والممرات وخلف المنزل.

وبفحصها تبين أنها تتكون من الحجر الجيري الناتج عن طبيعة التربة بالمنطقة، دون العثور على أي شواهد تشير إلى وجود مبانٍ أثرية أو طبقات أثرية أو قطع تاريخية.

كما لم ترصد اللجنة أي مؤشرات معمارية أو أثرية يمكن أن تدعم فرضية وجود مقبرة أو سرداب أثري أسفل العقار.

اللجنة الأثرية تحسم الجدل

أكد التقرير الفني الصادر عن لجنة آثار حلوان والمعصرة عدم وجود أي شواهد أثرية داخل موقع الحفر.

وأوضح التقرير أن أقرب منطقة أثرية معروفة تبعد عن موقع الواقعة بنحو خمسة كيلومترات تقريبًا، وهي منطقة عزبة الوالدة.

كما انتهت اللجنة إلى أن الأدوات المضبوطة لا تُستخدم في الأصل بغرض التنقيب عن الآثار، وهو ما اعتبرته من أبرز النتائج الفنية في القضية، باعتبارها صادرة عن الجهة المختصة بتقييم المواقع الأثرية.

تحريات تطرح فرضية مختلفة

في المقابل، ذكرت التحريات الأولية للإدارة العامة لمباحث السياحة والآثار أن المتهم الرئيسي كان يجري أعمال الحفر بقصد البحث عن الآثار تمهيدًا لحيازتها والاتجار بها، مستعينًا بعدد من العمال الذين يعملون مقابل أجر يومي.

وأكدت التحريات أن باقي المتهمين شاركوا في أعمال الحفر تحت إشرافه، مع وجود آخرين لم يتم ضبطهم وقت تحرير المحضر.

وتظل هذه التحريات أحد عناصر الاستدلال التي تخضع لتقدير النيابة العامة والمحكمة إلى جانب باقي الأدلة الفنية والشهادات.

الأحراز المضبوطة

أثبتت محاضر الشرطة والنيابة التحفظ على مجموعة كبيرة من الأدوات الموجودة داخل موقع الحفر.

وضمت الأحراز كمبروسر هواء، وموتور شفط مياه، وجهازي هيلتي، وماسكًا واقيًا، ومتعلقات شخصية، إلى جانب غليون زجاجي، وأدوات أخرى استخدمت في أعمال الحفر والرفع والشفط، وجميعها تخضع للفحص الفني ضمن التحقيقات.

وفاة بسبب الاختناق

تشير وقائع التحقيق إلى أن العاملين نزلا إلى قاع الحفرة لاستكمال أعمال الحفر، إلا أنهما تعرضا للاختناق داخل العمق الكبير، ما أدى إلى وفاتهما قبل تمكن باقي الموجودين من إنقاذهما.

وأمرت النيابة بانتشال الجثمانين واستكمال الإجراءات الطبية والقانونية اللازمة لبيان السبب النهائي للوفاة، مع استمرار التحقيقات في مدى توافر أوجه المسؤولية الجنائية بحق المتهمين.

وتعيد هذه الواقعة إلى الأذهان مخاطر الحفر العشوائي داخل الأماكن المغلقة، حيث يؤدي انخفاض نسبة الأكسجين أو تراكم الغازات إلى فقدان الوعي خلال دقائق، خاصة في الحفر العميقة غير المجهزة بوسائل تهوية وإنقاذ مناسبة.

دفاع المتهمين.. لا دليل على وجود آثار

ومن جانبه، قال الأستاذ وليد موسى، محامي الدفاع عن المتهمين، إن ما ورد في التحقيقات لا يزال محل نظر أمام جهات التحقيق، مؤكدًا أن الأصل في المتهمين البراءة حتى تثبت إدانتهم بحكم قضائي نهائي.

وأضاف أن التقرير الرسمي الصادر عن اللجنة الأثرية انتهى بشكل واضح إلى عدم وجود أي شواهد أو دلائل أثرية بموقع الحفر، كما أكد أن الأدوات المضبوطة ليست من الأدوات المخصصة لأعمال التنقيب عن الآثار، وهو ما يراه الدفاع دليلًا فنيًا مهمًا يجب أخذه في الاعتبار عند تقييم الواقعة.

وأشار الدفاع إلى أن توصيف الواقعة والاتهامات المنسوبة إلى المتهمين لا يزال خاضعًا لسلطة النيابة العامة والمحكمة، وأن جميع المتهمين يتمتعون بكامل حقوقهم القانونية في إبداء دفاعهم ومناقشة الأدلة الفنية وتحريات المباحث خلال مراحل التحقيق والمحاكمة.

قرارات النيابة

أصدرت النيابة العامة سلسلة من القرارات العاجلة عقب المعاينة، شملت انتداب الحماية المدنية لاستخراج الجثمانين، والتحفظ على جميع الأدوات المضبوطة، وتعيين حراسة على موقع الواقعة، وإرفاق محاضر المعاينة بملف التحقيق، إلى جانب تكليف أجهزة البحث الجنائي بإجراء تحريات موسعة حول ملابسات الواقعة، وبيان ما إذا كانت هناك شبهة جنائية في وفاة العاملين، وتحديد دور كل متهم في أعمال الحفر.

كما استمرت التحقيقات مع المتهمين لسماع أقوالهم ومواجهتهم بما أسفرت عنه التحريات والتقارير الفنية.

مأساة صنعتها الأوهام

تكشف هذه القضية كيف يمكن أن تتحول الشائعات المرتبطة بوجود كنوز أو آثار مدفونة أسفل المنازل إلى مغامرات غير محسوبة العواقب، يدفع ثمنها عمال بسطاء يعملون مقابل أجور يومية، بينما تنتهي المحاولات في كثير من الأحيان بكوارث إنسانية أو انهيارات أو حالات اختناق.

وفي واقعة العزبة البحرية، لم تسفر أعمال الحفر التي وصلت إلى عمق يقارب ثمانية عشر مترًا عن أي دليل أثري، وفق التقرير الرسمي للجنة المختصة، لكنها خلفت ضحيتين وعددًا من المتهمين، وتحقيقات جنائية لا تزال تستكمل فصولها.

وتبقى القضية نموذجًا واضحًا للمخاطر التي تحيط بأعمال الحفر غير المشروعة داخل الكتل السكنية، سواء من الناحية الجنائية أو الهندسية أو الإنسانية، حيث قد يتحول السعي وراء وهم الثراء السريع إلى نهاية مأساوية، بينما يبقى الفصل النهائي في المسؤوليات الجنائية مرهونًا بما تنتهي إليه التحقيقات وأحكام القضاء.