< من محراب المسجد إلى قاعة الجنايات.. قصة القضية التي انتهت بإحالة أوراق إمام مسجد إلى المفتي
النبأ
رئيس التحرير
خالد مهران

من محراب المسجد إلى قاعة الجنايات.. قصة القضية التي انتهت بإحالة أوراق إمام مسجد إلى المفتي

محكمة جنايات الجيزة
محكمة جنايات الجيزة

في أحد مساجد منطقة العمرانية بمحافظة الجيزة، بدأت علاقة بين أسرة بسيطة وإمام مسجد اشتهر بين المصلين بحسن تلاوته للقرآن الكريم. كان الأب يصطحب نجله الصغير لأداء صلاة التراويح خلال شهر رمضان، وهناك تعرّف على الإمام الذي بدا في نظره رجل دين صالحًا يحرص على تعليم الأطفال وتحفيظهم القرآن الكريم.

ومع تكرار اللقاءات توثقت الصلة بين الطرفين، حتى أصبح الطفل يلازم الإمام بعد الصلاة في بعض الأحيان، بينما اطمأن الأب إلى أن نجله يقضي وقته في حفظ القرآن وتعلم أمور الدين.

طلب بدا عاديًا

حسب ما ورد في تحقيقات النيابة العامة، طلب الإمام من والد الطفل أن يسمح له ببقاء الصغير معه عقب صلاة التراويح لتحفيظه القرآن، مع تعهده بإعادته إلى المنزل. لم يكن الطلب غريبًا بالنسبة للأب الذي رأى في الإمام شخصًا موضع ثقة، فوافق على ذلك في أكثر من مناسبة.

لكن تلك الثقة، وفقًا لما انتهت إليه التحقيقات، تحولت لاحقًا إلى محور واحدة من أخطر القضايا التي شهدتها محكمة جنايات الجيزة خلال عام 2026.

تغير مفاجئ في سلوك الطفل

بعد انتهاء شهر رمضان، لاحظ الأب أن سلوك نجله قد تبدل بصورة لافتة. أصبح الطفل منطويًا وكثير القلق، وبدأت تظهر عليه تصرفات غير معتادة دفعت والده إلى سؤاله عن السبب.

في تلك اللحظة، كشف الطفل لوالده عن رواية صادمة، قال فيها إن الإمام اصطحبه إلى مسكنه في بعض المرات، كما انفرد به داخل دورة مياه المسجد بعد انصراف المصلين، وإنه تعرض هناك لاعتداءات متكررة.

بلاغ وتحقيقات موسعة

لم يتردد الأب في التوجه إلى قسم الشرطة وتقديم بلاغ بما رواه نجله. وباشرت النيابة العامة تحقيقاتها، فاستمعت إلى أقوال الطفل ووالده وعدد من الشهود الذين أكد بعضهم أنهم شاهدوا المتهم يصطحب الطفل بصورة متكررة وينفرد به داخل المسجد في أوقات متأخرة.

كما أجرت أجهزة البحث الجنائي تحرياتها، وانتهت إلى تأييد ما جاء بأقوال المجني عليه ووالده، وفق ما أثبتته أوراق القضية.

اعترافات منسوبة إلى المتهم

تضمنت التحقيقات أقوالًا منسوبة إلى المتهم أقر فيها بأنه كان يصطحب الطفل إلى منزله بعد الحصول على إذن من والده، كما تضمنت اعترافات بوقوع اعتداءات جنسية على الطفل، وأثبتت النيابة أنه كرر تلك الأقوال خلال إحدى جلسات تجديد حبسه.

وفي المقابل، يبقى تقدير قيمة هذه الاعترافات ومدى حجيتها القانونية أمرًا متروكًا لمحكمة الموضوع وفقًا لما تقضي به قواعد الإثبات في القانون المصري.

معاينة المسجد وتقارير الطب الشرعي

انتقلت النيابة العامة إلى المسجد محل الواقعة وأجرت معاينة له، كما أُحيل الطفل إلى مصلحة الطب الشرعي لتوقيع الكشف الطبي عليه.

وأوضح تقرير الطب الشرعي أنه لم يتبين وجود إصابات ظاهرة أو آثار تشريحية تدل على حدوث إيلاج في زمن قديم أو حديث، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن بعض صور الاحتكاك الجنسي أو استخدام المزلقات والكريمات قد لا تترك آثارًا يمكن رصدها بالفحص الطبي.

كما أرفقت النيابة شهادة ميلاد الطفل التي أثبتت أنه من مواليد عام 2016، بما يؤكد أنه كان طفلًا وقت الوقائع محل الاتهام.

أمر الإحالة إلى الجنايات

بعد استكمال التحقيقات، أصدرت نيابة جنوب الجيزة الكلية أمرًا بإحالة المتهم إلى محكمة جنايات الجيزة، وأسندت إليه اتهامات خطف طفل بطريق التحايل، وهتك عرضه، وتعريض حياته وأخلاقه وصحته للخطر، مع استمرار حبسه على ذمة المحاكمة.

واستندت النيابة في قرارها إلى أقوال المجني عليه ووالده والشهود، وتحريات المباحث، والتقارير الفنية والطبية المرفقة بالأوراق.

جلسات المحاكمة

شهدت جلسات المحاكمة تداول القضية أمام دائرة الجنايات، حيث استمعت المحكمة إلى مرافعة النيابة العامة ودفاع المتهم، واطلعت على أوراق التحقيق وما تضمنته من أدلة وشهادات وتقارير فنية.

وخلال الجلسات، ناقشت المحكمة الوقائع المنسوبة إلى المتهم وظروف ارتكابها، وما إذا كانت الأدلة المطروحة تكفي لإدانته وفقًا للقانون.

إحالة الأوراق إلى المفتي

وفي تطور بارز بالقضية، قررت محكمة جنايات الجيزة إحالة أوراق المتهم إلى فضيلة مفتي الجمهورية لإبداء الرأي الشرعي في معاقبته، وحددت جلسة لاحقة للنطق بالحكم بعد ورود رأي المفتي.

ويُعد هذا الإجراء من الإجراءات الواجبة قانونًا في القضايا التي قد تنتهي إلى الحكم بالإعدام، إذ تقوم المحكمة بإرسال أوراق الدعوى إلى المفتي لأخذ الرأي الشرعي قبل إصدار حكمها النهائي.

انتظار الحكم النهائي

وبينما تنتظر أسرة الطفل الفصل النهائي في القضية، يترقب الرأي العام ما ستنتهي إليه المحكمة في جلستها المقبلة. وتبقى الكلمة الأخيرة للقضاء، إذ إن الحكم لا يصبح نهائيًا إلا بعد صدوره من المحكمة وفقًا للإجراءات القانونية المقررة، مع بقاء طرق الطعن المتاحة وفقًا لأحكام القانون المصري.

وهكذا تحولت قصة بدأت داخل مسجد خلال ليالي رمضان، حين ائتمن أبٌ إمامًا على نجله الصغير، إلى قضية جنائية شغلت جهات التحقيق والمحكمة، وانتهت في مرحلتها الحالية بقرار إحالة أوراق المتهم إلى مفتي الجمهورية تمهيدًا لإصدار الحكم النهائي.