< تزوير استمارة تأمينات يُعيد قضية فصل طبيب بيطري إلى الواجهة
النبأ
رئيس التحرير
خالد مهران

تزوير استمارة تأمينات يُعيد قضية فصل طبيب بيطري إلى الواجهة

تزوير استمارة تأمينات
تزوير استمارة تأمينات يُعيد قضية فصل طبيب بيطري إلى الواجهة

أحالت نيابة أكتوبر الكلية موظفًا بإحدى شركات الصناعات الدوائية إلى محكمة الجنايات، بعد اتهامه بالاشتراك في تزوير محرر رسمي واستعماله، وذلك في قضية كشفت عن نزاع عمالي تحول إلى اتهامات جنائية خطيرة تتعلق بتزوير مستندات التأمينات الاجتماعية لإثبات انتهاء خدمة أحد العاملين على غير الحقيقة.

وتكشف أوراق أمر الإحالة الصادر عن المستشار مصطفى بركات، المحامي العام الأول لنيابة أكتوبر الكلية، أن القضية تعود جذورها، عندما اتهمت النيابة العامة المتهم "محمد.ا.م"، البالغ من العمر 53 عامًا ويعمل موظفًا بشركة الوجه القبلي للصناعات الدوائية "سيدكو"، بالاشتراك مع موظف عام حسن النية في تزوير محرر رسمي صادر عن الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي.

بداية القصة.. فصل من العمل ونزاع أمام المحكمة

بدأت القضية عندما تعرض الطبيب البيطري عمرو عثمان سيد أحمد الدمرداش، العامل بشركة الوجه القبلي للصناعات الدوائية، للفصل من عمله، وهو ما اعتبره فصلًا تعسفيًا، فقرر اللجوء إلى القضاء العمالي للمطالبة بحقوقه المالية ومستحقاته القانونية.

وخلال نظر الدعوى فوجئ المجني عليه بقيام الشركة بتقديم مستند رسمي يفيد بأنه هو من أنهى علاقة العمل بإرادته، وليس نتيجة قرار صادر من جهة العمل، وهو ما كان من شأنه التأثير بصورة مباشرة على مركزه القانوني في الدعوى العمالية وحرمانه من الحقوق التي يطالب بها.

استمارة رقم 6 في قلب الاتهامات

حسب الأوراق، فإن المستند محل الاتهام هو "استمارة إنهاء خدمة عامل" المعروفة داخل منظومة التأمينات الاجتماعية باسم "النموذج رقم 6"، وهي من أهم المستندات الرسمية التي تعتمد عليها الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي في إثبات انتهاء علاقة العمل بين العامل وصاحب العمل.

واتهمت النيابة المتهم بأنه قام بملء بيانات الاستمارة على خلاف الحقيقة، وأثبت بها أن سبب انتهاء خدمة المجني عليه هو "انتهاء التعاقد"، كما ذيلها بتوقيع نسبه زورًا إلى العامل، قبل أن يعتمدها الموظف المختص بحسن نية، معتقدًا صحة البيانات الواردة بها.

وترى النيابة أن تلك الإجراءات أسهمت في إتمام جريمة التزوير، إذ استند الموظف العام إلى البيانات المزورة دون أن يكون على علم بعدم صحتها.

استعمال المحرر المزور

ولم تتوقف الاتهامات عند حد التزوير، وإنما نسبت النيابة إلى المتهم أيضًا جريمة استعمال المحرر الرسمي المزور، بعدما قدم الاستمارة إلى مكتب تأمينات أكتوبر باعتبارها صحيحة، بهدف إنهاء اشتراك المجني عليه في منظومة التأمينات الاجتماعية، وإثبات انتهاء علاقته بالشركة على غير الحقيقة.

وتشير التحقيقات إلى أن استعمال المستند المزور كان خطوة أساسية لترتيب آثار قانونية تمس حقوق العامل، سواء أمام هيئة التأمينات أو أمام المحكمة التي كانت تنظر النزاع العمالي.

شهادة المجني عليه تكشف تفاصيل الواقعة

أمام النيابة، أكد الطبيب البيطري عمرو عثمان سيد أحمد أنه فوجئ خلال نظر الدعوى العمالية بقيام الشركة بتقديم استمارة رسمية منسوبة للهيئة القومية للتأمين الاجتماعي، تتضمن بيانات تخالف الحقيقة تمامًا.

وأوضح أن الاستمارة تضمنت ما يفيد بأنه تقدم باستقالته من العمل بإرادته، رغم أنه لم يوقع على هذا المستند ولم يتقدم بأي استقالة، مؤكدًا أن التوقيع الموجود عليه لا يمت إليه بصلة.

وأضاف أن هذا المستند تسبب في الإضرار بموقفه القانوني، وأدى إلى حرمانه من مستحقاته التي كان يطالب بها نتيجة فصله من العمل.

تحريات الأموال العامة

دعمت تحريات الإدارة العامة لمكافحة جرائم الأموال العامة الاتهامات الواردة في البلاغ، حيث قرر العقيد عمرو البطران، وكيل الإدارة، أن التحريات السرية أثبتت قيام المتهم بتزوير الاستمارة الرسمية واستعمالها أمام الجهة المختصة، قاصدًا من ذلك إنهاء خدمة المجني عليه تعسفيًا وإضفاء المشروعية على هذا الإجراء.

وأشارت التحريات إلى أن المتهم كان يعلم بعدم صحة البيانات المثبتة بالمحرر الرسمي، وأنه تعمد استخدامها لتحقيق الغرض الذي أعدت من أجله.

تقرير الطب الشرعي يحسم الجدل

اعتمدت النيابة بصورة أساسية على تقرير الإدارة العامة لأبحاث التزييف والتزوير بمصلحة الطب الشرعي، والذي جاء حاسمًا في تحديد محرر التوقيع محل النزاع.

وأوضح التقرير أن المجني عليه لم يحرر التوقيع الموجود بخانة توقيع المؤمن عليه في استمارة إنهاء الاشتراك.

كما انتهى التقرير إلى أن المتهم هو من قام بتحرير التوقيع المنسوب زورًا إلى المجني عليه، وهو ما اعتبرته النيابة دليلًا فنيًا مباشرًا يدعم الاتهامات المنسوبة إليه.

شركة مساهمة وقطاع أعمال عام

وكشفت التحقيقات أيضًا، من خلال بيانات السجل التجاري رقم 71676، أن شركة الوجه القبلي للصناعات الدوائية "سيدكو" تعد شركة مساهمة مصرية، وتشارك في رأسمالها جهات تابعة لقطاع الأعمال العام، من بينها الشركة القابضة للأدوية والكيماويات، وشركة مصر للتأمين، وشركة مصر لتأمينات الحياة.

وتكتسب هذه المعلومة أهمية قانونية في ضوء طبيعة المستندات الرسمية المستخدمة في الواقعة، وما يرتبط بها من تعاملات مع الجهات الحكومية والهيئات العامة.

الاتهامات القانونية

أسندت النيابة العامة إلى المتهم الاشتراك بطريق المساعدة مع موظف عام حسن النية في ارتكاب جريمة تزوير محرر رسمي، ثم استعمال هذا المحرر مع علمه بتزويره، وهي الجرائم المعاقب عليها بموجب المواد من قانون العقوبات.

ورأت النيابة أن عناصر الجريمة توافرت في حق المتهم، سواء من خلال الأدلة القولية المتمثلة في أقوال الشهود، أو الأدلة الفنية التي تضمنها تقرير الطب الشرعي، فضلًا عن التحريات الأمنية.

الإحالة إلى محكمة الجنايات

وفي ختام التحقيقات، أصدرت نيابة أكتوبر الكلية أمرًا بإحالة المتهم، الهارب، إلى محكمة الجنايات المختصة لمحاكمته عما نسب إليه، مع إصدار أمر بضبطه وإحضاره وحبسه احتياطيًا على ذمة القضية فور ضبطه، وإعلانه بأمر الإحالة، وإرفاق صحيفة حالته الجنائية، مع ندب محام للدفاع عنه أمام المحكمة.

وتبقى الكلمة الأخيرة لمحكمة الجنايات، التي ستفصل في الاتهامات المنسوبة إلى المتهم بعد نظر أدلة الإثبات وسماع دفاعه، وذلك وفقًا لمبدأ أن المتهم يظل بريئًا حتى تثبت إدانته بحكم قضائي بات.