< لماذا احتفل مئات الملايين اليوم بالحزب الشيوعي الصيني؟
النبأ
رئيس التحرير
خالد مهران

لماذا احتفل مئات الملايين اليوم بالحزب الشيوعي الصيني؟

الصين
الصين

اليوم، احتفل الحزب الشيوعي الصيني بالذكرى الخامسة بعد المائة لتأسيسه، وهي مناسبة لا تقرأ في الصين على ما يبدو باعتبارها ذكرى تنظيم سياسي، بل باعتبارها محطة يستحضر فيها كثير من الصينيين مسيرة أمة كاملة انتقلت، في نظرهم، من الضعف إلى القوة، ومن الفقر إلى التنمية، ومن العزلة إلى الحضور العالمي.

في قاعة الشعب الكبرى ببكين، ترأس الرئيس الصيني والأمين العام للحزب، شي جين بينغ، الاحتفال الرسمي، الذي بدأ بتقليد عدد من الشخصيات الحزبية "وسام الأول من يوليو"، أعلى وسام يمنحه الحزب، تقديرا لإسهاماتهم في خدمة الدولة والمجتمع.

ولم يكن المشهد مجرد مراسم احتفالية، بل حمل رسالة تؤكد ارتباط تاريخ الحزب، في الوعي الصيني، بمسيرة بناء الدولة الحديثة.
وفي خطابه الذي استمر قرابة أربعين دقيقة، أكد شي جين بينغ أن الحزب، الذي يضم اليوم أكثر من 101 مليون عضو ويعد أكبر حزب حاكم في العالم، استطاع عبر مسيرته الممتدة لأكثر من قرن أن يقود الصين نحو نهضة شاملة، وأن يسهم في إعادة تشكيل مسار التنمية العالمية.

كما دعا كوادر الحزب إلى الاستعداد للتعامل مع عالم يشهد اضطرابات اقتصادية وجيوسياسية متزايدة، ومواصلة مكافحة الفساد، وتعزيز الابتكار، وتسريع تحديث جيش التحرير الشعبي، مع التأكيد على ثوابت السياسة الصينية تجاه تايوان، والاستمرار في تطبيق مبدأ "دولة واحدة ونظامان" في هونغ كونغ وماكاو.

وتأتي هذه الرسائل في وقت تستعد فيه الصين لتنفيذ خطتها الخمسية الخامسة عشرة، التي تضع الابتكار العلمي، والاعتماد الذاتي في التكنولوجيا، والتنمية عالية الجودة في مقدمة أولوياتها خلال السنوات المقبلة.

لكن لفهم سبب احتفال مئات الملايين من الصينيين بهذه المناسبة، لا يكفي الاستماع إلى الخطابات، بل ينبغي النظر إلى الماضي والحاضر.

قبل أقل من قرن، كانت الصين تعيش واحدة من أكثر مراحلها صعوبة. فقد أنهكتها الحروب الداخلية، وأثقلتها المجاعات والفقر، وخضعت لتدخلات أجنبية متكررة، حتى ارتبط اسمها في بعض الأدبيات الغربية بوصف "رجل آسيا المريض".

أما اليوم، فيتحدث الصيني عن أكبر شبكة للقطارات فائقة السرعة في العالم، ومدن ذكية، وموانئ عالمية، واقتصاد يعد من الأكبر عالميا، ومحطة فضاء وطنية، ومختبرات تقود أبحاث الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة.

وبين هاتين الصورتين، يرى كثير من الصينيين أن الحزب الشيوعي هو صاحب المشروع الذي قاد هذا التحول.

عندما تتجول في المدن والقرى الصينية، لا تسمع الناس يتحدثون كثيرا عن النظريات السياسية، بقدر ما يتحدثون عن الفارق بين حياة آبائهم وحياتهم اليوم.

في قرى كانت معزولة بين الجبال لعقود طويلة، أصبحت الطرق المعبدة تصل إلى كل منزل، ودخلت خدمات الإنترنت إلى الحياة اليومية، وأصبح المزارعون يبيعون الشاي والفواكه والعسل والحرف التقليدية مباشرة عبر منصات التجارة الإلكترونية والبث المباشر إلى ملايين المستهلكين داخل الصين، دون أن يغادروا قراهم.

ولم يكن ذلك مجرد تطوير للبنية التحتية، بل تغييرا في نمط الحياة وفرص العمل ومستوى الدخل.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن التنمية لم تتركز في المدن الكبرى وحدها، بل امتدت إلى المناطق الريفية والنائية، حيث انتشرت المدارس والمستشفيات وشبكات النقل والخدمات العامة، في إطار برنامج واسع للتخفيف الموجه من حدة الفقر.

وفي مناطق مثل ليانغشان وغويتشو، التي كانت تعد من أكثر المناطق حرمانا، تحولت القرى من تجمعات تفتقر إلى الخدمات الأساسية إلى مجتمعات حديثة ترتبط بشبكات الطرق والاتصالات، وأصبح سكانها جزءا من الاقتصاد الرقمي، بما يتوافق مع رؤية بناء مجتمع "شياوكانغ"، أي المجتمع رغيد العيش باعتدال.
وفي الوقت نفسه، تغيرت صورة الاقتصاد الصيني.

فبعد أن ارتبط اسم الصين لسنوات طويلة بأنها "مصنع العالم"، أصبحت اليوم تنافس في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدمة. ويعمل ملايين الشباب في الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمية، والروبوتات، والمركبات الكهربائية، والطائرات المسيرة، والتكنولوجيا الحيوية، بينما تواصل الجامعات تخريج أعداد كبيرة من المهندسين والباحثين الذين يقودون هذا التحول.

النهضة هنا ليست مجرد مؤشرات اقتصادية، بل تجسدت في مشروعات وطنية ضخمة غيّرت ملامح البلاد.

فشبكة القطارات فائقة السرعة اختصرت زمن السفر بين المدن من أيام إلى ساعات، وأسهمت في تعزيز الترابط الاقتصادي والاجتماعي بين مختلف الأقاليم.

وفي الفضاء، أصبحت محطة "تيانغونغ" رمزا لطموح الصين العلمي، إلى جانب بعثات استكشاف القمر والمريخ، التي أكدت انتقالها إلى مصاف الدول الرائدة في علوم الفضاء.

كما تتصدر الصين اليوم العالم في الاستثمار في الطاقة المتجددة، وتواصل التوسع في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والمركبات الكهربائية، ضمن رؤية تستهدف تحقيق التنمية الاقتصادية بالتوازي مع حماية البيئة.

وعلى المستوى البشري، شهد التعليم تحولا جذريا مقارنة بما كانت عليه البلاد قبل قرن، حين كانت الأمية تمثل أحد أكبر التحديات. أما اليوم، فيمثل الشباب الصيني القوة المحركة للاقتصاد الرقمي، في ظل رؤية "قوى الإنتاج الجديدة ذات الجودة العالية"، التي تجعل الابتكار والتكنولوجيا أساسا للنمو خلال العقود المقبلة.

وانعكست هذه التحولات في أجواء الاحتفال بالذكرى الخامسة بعد المائة، حيث تزينت الساحات العامة، من ميدان تيانانمن في بكين إلى ضفاف نهر هوانغبو في شانغهاي، بالأعلام الحمراء والعروض الثقافية والتكنولوجية التي شارك فيها ملايين المواطنين، في مشهد يعكس ارتباط المناسبة، بالنسبة لكثير منهم، بمسيرة التنمية الوطنية.

ولا يقتصر هذا التصور على الداخل الصيني، إذ ترى بكين أن مبادرة الحزام والطريق تمثل امتدادا لدورها الدولي، من خلال مشروعات البنية التحتية والموانئ والسكك الحديدية والطاقة في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، انطلاقا من رؤية تقوم على التنمية المشتركة والترابط الاقتصادي.

قد تختلف التقييمات الدولية للتجربة الصينية، كما تختلف المدارس السياسية والاقتصادية في تفسير أسباب نجاحها، إلا أن ما يصعب إنكاره هو حجم التحول الذي شهدته الصين خلال العقود الماضية، وانتقالها من دولة تعاني الفقر والاضطرابات إلى واحدة من أكثر دول العالم تأثيرا في الاقتصاد والتكنولوجيا والبنية التحتية.

وربما لهذا السبب، عندما يطرح السؤال: هل يستحق الحزب الشيوعي الصيني أن يحتفل بمرور 105 أعوام على تأسيسه؟ فإن الإجابة بالنسبة لكثير من الصينيين لا تبنى على الشعارات، بل على المقارنة بين ما كانت عليه بلادهم وما أصبحت عليه اليوم.

ففي نظرهم، لا يتعلق الاحتفال بتاريخ حزب سياسي فحسب، بل بمسيرة وطن يرون أنه استعاد وحدته، ورفع مستويات المعيشة، وقاد عملية تحديث غير مسبوقة، ووضع الصين في موقع مؤثر على الساحة الدولية.

وبالنسبة لهؤلاء، فإن الأول من يوليو ليس مجرد ذكرى في التقويم، بل مناسبة لتجديد الثقة في مشروع يعتقدون أنه غير حاضرهم، ويرسم ملامح مستقبل أبنائهم، ويجسد ما تصفه القيادة الصينية بـ "النهضة العظيمة للأمة الصينية".