< بعد إقرار موازنة 2026/2027.. الحكومة تراهن على النمو والحماية الاجتماعية وخفض الدين
النبأ
رئيس التحرير
خالد مهران

بعد إقرار موازنة 2026/2027.. الحكومة تراهن على النمو والحماية الاجتماعية وخفض الدين

وزير المالية
وزير المالية

في خطوة تمثل إحدى أهم المحطات الاقتصادية خلال العام الجاري، وافق مجلس النواب على مشروع الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2026/2027، لتبدأ الحكومة مرحلة جديدة من تنفيذ سياساتها المالية والاقتصادية التي تستهدف تحقيق معدلات نمو أعلى، وتعزيز الإنفاق على قطاعات الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، إلى جانب مواصلة جهود خفض الدين العام والعجز الكلي للموازنة.

وجاءت تصريحات أحمد كجوك وزير المالية عقب موافقة البرلمان على الموازنة الجديدة لتؤكد أن الحكومة تسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين دعم الفئات الأولى بالرعاية، وتحفيز النشاط الاقتصادي والإنتاج والتصدير، مع الحفاظ على مؤشرات الاستقرار المالي التي تعد أحد أهم التحديات التي تواجه الاقتصاد المصري خلال المرحلة الحالية.

إشادة بالحوار المجتمعي ودور البرلمان

استهل وزير المالية حديثه بتوجيه الشكر إلى جميع الجهات والمؤسسات التي شاركت في إعداد الموازنة الجديدة، مؤكدًا أن الحوار المجتمعي الذي سبق إعدادها أسهم في الوصول إلى موازنة وصفها بأنها «طموحة ومتوازنة» وتخدم مصالح الدولة والمواطنين.

كما أشاد بالدور الذي قام به مجلس النواب خلال مناقشة مشروع الموازنة، معتبرًا أن الملاحظات والمناقشات التي شهدتها الجلسات البرلمانية عكست اهتمامات المواطنين وأولوياتهم، وأسهمت في تطوير بنود الموازنة لتصبح أكثر تأثيرًا في حياة المواطنين وأكثر قدرة على دعم الاقتصاد الوطني.

وأكد كجوك أن النقاشات البرلمانية ساعدت الحكومة على الوصول إلى صيغة توازن بين متطلبات التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، وهو ما انعكس على حجم المخصصات التي تم توجيهها للقطاعات الخدمية والبرامج الاجتماعية.

إيرادات قياسية ومصروفات تتجاوز خمسة تريليونات جنيه

تكشف الأرقام الواردة في الموازنة الجديدة عن حجم التحديات والطموحات التي تراهن عليها الحكومة خلال العام المالي المقبل.

فوفقًا لوزير المالية، تستهدف الدولة تحقيق إيرادات تصل إلى نحو 4.1 تريليون جنيه، بمعدل نمو سنوي يبلغ 32% مقارنة بالعام المالي الحالي، في حين تبلغ المصروفات العامة نحو 5.2 تريليون جنيه، بمعدل نمو سنوي يصل إلى 13%.

وتعكس هذه الأرقام استمرار الحكومة في توسيع القاعدة الإيرادية للدولة من خلال تنشيط الاقتصاد وتحسين كفاءة التحصيل الضريبي وتطبيق حزم التسهيلات الضريبية والجمركية والعقارية، مع السعي لتشجيع الاستثمار وزيادة معدلات الإنتاج والتصدير.

ويرى خبراء الاقتصاد أن الوصول إلى هذا الحجم من الإيرادات يتطلب الحفاظ على معدلات النمو الحالية وجذب المزيد من الاستثمارات المحلية والأجنبية، إلى جانب استمرار الإصلاحات الاقتصادية والهيكلية التي تنفذها الدولة.

الصحة والتعليم في صدارة الأولويات

خصصت الحكومة جانبًا مهمًا من الموازنة الجديدة لقطاعات التنمية البشرية، وعلى رأسها الصحة والتعليم، باعتبارهما الركيزة الأساسية لبناء الإنسان المصري وتحسين جودة الحياة.

وأكد وزير المالية أن مخصصات قطاع الصحة ارتفعت بنسبة 30% مقارنة بالعام السابق، في حين زادت مخصصات التعليم بنسبة 20%.

وفي قطاع الصحة، تم تخصيص نحو 90.5 مليار جنيه لهيئة الشراء الموحد، بزيادة سنوية بلغت 34.6%، بهدف ضمان توفير الأدوية والمستلزمات الطبية للمستشفيات والمنشآت الصحية الحكومية.

وتأتي هذه الزيادة في إطار جهود الدولة لتحسين الخدمات الطبية ورفع كفاءة المنظومة الصحية، خاصة في ظل استمرار تنفيذ مشروعات التأمين الصحي الشامل وتطوير المستشفيات والوحدات الصحية.

أما في قطاع التعليم، فقد تم تخصيص 7.8 مليار جنيه لطباعة الكتب الدراسية في مراحل التعليم قبل الجامعي، بالإضافة إلى 7 مليارات جنيه للتغذية المدرسية، في خطوة تستهدف تحسين البيئة التعليمية ودعم الطلاب في مختلف المحافظات.

أجور العاملين بالدولة وزيادات يوليو

خصصت الموازنة الجديدة نحو 822.8 مليار جنيه لبند أجور العاملين بالجهاز الإداري للدولة.

وأكد وزير المالية أن مرتبات شهر يوليو سيتم صرفها متضمنة الزيادات الجديدة التي أقرتها الدولة مؤخرًا، في إطار خطة تحسين دخول العاملين ومواجهة آثار التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة.

وتأتي هذه الزيادة ضمن حزمة اجتماعية أوسع تبنتها الحكومة خلال الفترة الأخيرة بهدف تعزيز القوة الشرائية للمواطنين وتحقيق قدر أكبر من الحماية للفئات المتوسطة ومحدودة الدخل.

توسع كبير في برامج الدعم والحماية الاجتماعية

يحظى ملف الحماية الاجتماعية بأهمية كبيرة داخل الموازنة الجديدة، حيث ارتفعت مخصصاته إلى نحو 836.8 مليار جنيه بمعدل نمو سنوي بلغ 13%.

وتستهدف الحكومة من خلال هذه المخصصات توسيع مظلة الحماية الاجتماعية والوصول بشكل أكثر دقة إلى الفئات المستحقة للدعم.

وشملت الموازنة تخصيص 178.3 مليار جنيه لدعم السلع التموينية، بما يضمن استمرار توفير السلع الأساسية للمواطنين بأسعار مدعمة.

كما تم تخصيص 55.3 مليار جنيه لبرامج الدعم النقدي والاجتماعي، وعلى رأسها برنامج «تكافل وكرامة»، والضمان الاجتماعي، ومعاش الطفل، وبرامج دعم الرائدات الريفيات.

وتؤكد هذه الأرقام استمرار الدولة في تبني سياسات تستهدف الحد من آثار الضغوط الاقتصادية على الأسر الأكثر احتياجًا.

دعم الطاقة والإسكان وتطوير المناطق العشوائية

تضمنت الموازنة الجديدة تخصيص 120 مليار جنيه لدعم الطاقة ومعالجة التشابكات المالية وضمان استقرار الخدمات المقدمة للمواطنين.

كما تم تخصيص 13 مليار جنيه لمشروعات الإسكان الخاصة بمحدودي ومتوسطي الدخل، في إطار خطط الدولة لتوفير وحدات سكنية مناسبة لمختلف الشرائح الاجتماعية.

وفي الوقت نفسه، رصدت الحكومة نحو 4.3 مليار جنيه لتطوير المناطق العشوائية وتحسين مستوى الخدمات والبنية الأساسية بها، ضمن استراتيجية الدولة للقضاء على المناطق غير الآمنة وتحسين جودة الحياة في المناطق الأكثر احتياجًا.

دعم الفلاح المصري وزيادة مخصصات شراء القمح

أكد وزير المالية أن الدولة مستمرة في دعم القطاع الزراعي باعتباره أحد القطاعات الحيوية المرتبطة بالأمن الغذائي.

ولهذا الغرض، خصصت الموازنة الجديدة نحو 69.1 مليار جنيه لتمويل شراء القمح المحلي من المزارعين، وذلك بعد رفع سعر توريد الأردب إلى 2500 جنيه خلال الموسم الحالي.

وتسعى الحكومة من خلال هذه الخطوة إلى تشجيع المزارعين على زيادة المساحات المزروعة بالقمح وتقليل الاعتماد على الاستيراد، خاصة في ظل التحديات العالمية المتعلقة بأسعار الحبوب وسلاسل الإمداد.

شراكة أكبر مع القطاع الخاص

أكد وزير المالية أن الحكومة ستواصل تنفيذ استراتيجية تعزيز دور القطاع الخاص باعتباره المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي خلال السنوات المقبلة.

وأشار إلى استمرار تطبيق حزم التسهيلات الضريبية والعقارية والجمركية التي تستهدف تبسيط الإجراءات وتحسين بيئة الأعمال وجذب الاستثمارات.

وفي هذا الإطار، خصصت الدولة نحو 80 مليار جنيه لبرامج دعم وتحفيز الإنتاج والتصنيع وريادة الأعمال والصادرات السلعية والخدمية.

وتشمل هذه المخصصات نحو 48 مليار جنيه لرد الأعباء التصديرية، و6.7 مليار جنيه لدعم القطاع السياحي، إضافة إلى 6 مليارات جنيه لتوفير تسهيلات تمويلية للقطاعات الإنتاجية المختلفة.

وتراهن الحكومة على هذه الحوافز لزيادة القدرة التنافسية للاقتصاد المصري ورفع معدلات التشغيل والتصدير.

أهداف طموحة لخفض العجز والدين

تضع الموازنة الجديدة مجموعة من الأهداف المالية التي تستهدف تعزيز الاستقرار الاقتصادي وتقليل الضغوط الناتجة عن الدين العام.

وأوضح وزير المالية أن الحكومة تستهدف تحقيق فائض أولي بنسبة 5% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أعلى فائض أولي تستهدفه الدولة خلال السنوات الأخيرة.

كما تسعى الحكومة إلى خفض العجز الكلي للموازنة إلى 4.9% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يعكس استمرار سياسة الانضباط المالي.

وفيما يتعلق بالدين العام، تستهدف الدولة خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي إلى 78% بحلول يونيو 2027، مع العمل على تقليص الدين الخارجي بمعدل يتراوح بين مليار وملياري دولار سنويًا.

وتتضمن الخطة أيضًا خفض الاحتياجات التمويلية لأجهزة الموازنة إلى نحو 10% من الناتج المحلي على المدى المتوسط، وتقليل فاتورة خدمة الدين إلى نحو 35% من إجمالي مصروفات الموازنة.

بين الطموحات الاقتصادية وتحديات التنفيذ

تمثل موازنة 2026/2027 اختبارًا جديدًا لقدرة الحكومة على تحقيق التوازن بين متطلبات النمو الاقتصادي واحتياجات المواطنين المعيشية.

فبينما تحمل الموازنة أرقامًا غير مسبوقة في حجم الإنفاق على الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، فإن نجاحها سيظل مرهونًا بقدرة الاقتصاد على تحقيق معدلات النمو المستهدفة وزيادة الإيرادات العامة، مع الحفاظ على معدلات التضخم تحت السيطرة واستمرار جذب الاستثمارات.

وفي ظل التحديات الإقليمية والدولية الراهنة، تراهن الحكومة على أن تسهم هذه الموازنة في تعزيز الاستقرار الاقتصادي وتحسين مستوى الخدمات العامة وتخفيف الأعباء عن المواطنين، بما يدعم مسار التنمية ويحقق أهداف الدولة خلال السنوات المقبلة.