النيابة تكشف تفاصيل توريط طبيبة نساء وتوليد في قضية تبديد مزعومة وتحيل محاميين للجنايات
كشفت أوراق قضية بنيابة أكتوبر الكلية تفاصيل قضية تزوير معقدة أحالت على إثرها النيابة محاميين إلى محكمة الجنايات المختصة، بعد اتهامهما بالاشتراك في تزوير محررات رسمية وعرفية واستعمالها والإبلاغ كذبًا ضد طبيبة استشارية، في واقعة تعود جذورها إلى خلافات مهنية وقانونية امتدت لعدة سنوات.
وبحسب أمر الإحالة، فإن النيابة العامة اتهمت المحاميين، بارتكاب سلسلة من الجرائم المرتبطة بتزوير إيصال أمانة ومحاضر رسمية واستغلال تلك المستندات في تحريك دعوى جنائية ضد المجني عليها.
وتولت نيابة أكتوبر الكلية برئاسة المستشار مصطفى بركات، المحامي العام الأول، التحقيق في الواقعة، وانتهت إلى إحالة المتهمين للمحاكمة الجنائية أمام محكمة الجنايات مع استمرار حبس المتهم الأول وضبط وإحضار الثاني.
الطبيبة المجني عليها تروي بداية الأزمة
تعود وقائع القضية وفق ما جاء بأقوال الشاهدة الأولى الدكتورة منى محمد محمود أحمد الوراق، استشاري أمراض النساء والتوليد، إلى وجود علاقة مهنية بينها وبين المتهم الأول الذي كان يتولى بعض الإجراءات القانونية الخاصة بها بموجب وكالة قانونية.
وأكدت المجني عليها في التحقيقات أن خلافات نشبت بينها وبين المتهم الأول بشأن أتعاب المحاماة، قبل أن تفاجأ لاحقًا بتحرير محضر ضدها يتضمن اتهامها بتبديد مبلغ مالي بموجب إيصال أمانة منسوب إليها.
وأوضحت أن الإيصال لم يصدر عنها مطلقًا، وأن بياناته وتوقيعها وبصمتها الواردة به مزورة بالكامل، مشيرة إلى أن الواقعة أدت إلى تحريك دعوى جنائية ضدها انتهت في مرحلتها الأولى إلى صدور حكم بالحبس قبل أن تتمكن من إثبات براءتها لاحقًا أمام محكمة الاستئناف.
كيف تم تحرير المحضر محل الاتهام؟
وكشفت التحقيقات أن المتهم الثاني توجه إلى قسم شرطة ثاني أكتوبر بصفته وكيلًا عن أحد الأشخاص وقدم أصل إيصال أمانة منسوب للمجني عليها، مدعيًا أنها تسلمت مبلغًا ماليًا على سبيل الأمانة لتوصيله إلى شخص آخر.
وبناء على ما قدمه المتهم من مستندات، قام أمين الشرطة المختص بتحرير المحضر، بعدما اطلع على الإيصال وأرفق صورة ضوئية منه ضمن أوراق المحضر.
وأكد أمين الشرطة في شهادته أنه تعامل مع المستند باعتباره صحيحًا ولم تكن لديه أي معلومات تفيد بتزويره، وهو ما اعتبرته النيابة صورة من صور الاشتراك بطريق المساعدة مع موظف عام حسن النية في تزوير محرر رسمي.
جلسات المحكمة وتوكيل ملغي
أحد أخطر محاور القضية تمثل في ما كشفت عنه التحقيقات بشأن سير الدعوى الجنائية التي أقيمت ضد المجني عليها.
فبحسب ما ورد بأقوال أمين سر المحكمة الجزئية، حضر شخص أمام المحكمة خلال نظر الجنحة وقدّم توكيلًا على أنه وكيل عن المتهمة "المجني عليها الحالية"، وتم إثبات حضوره بمحاضر الجلسات.
إلا أن التحريات والاستعلامات الرسمية كشفت لاحقًا أن التوكيل المستخدم كان قد أُلغي قبل انعقاد الجلسات بفترة، الأمر الذي أثار شبهة اصطناع حضور قانوني غير صحيح بهدف صدور حكم حضورى اعتباري ضد المجني عليها.
وذكرت النيابة أن هذا الإجراء أدى في النهاية إلى صدور حكم بالإدانة والحبس لمدة سنة مع الشغل وكفالة مالية، قبل أن يتم إلغاؤه لاحقًا أمام محكمة الاستئناف.
تقرير الطب الشرعي يحسم الجدل
لعب تقرير أبحاث التزييف والتزوير بمصلحة الطب الشرعي دورًا محوريًا في القضية، وأكد التقرير الفني أن التوقيع المنسوب للمجني عليها والمثبت أسفل خانة المستلم في صورة إيصال الأمانة محل الفحص لم يحرر بخط يدها، وإنما تبين أنه توقيع مزور بطريق التقليد.
ويعد هذا التقرير من أهم الأدلة الفنية التي استندت إليها النيابة العامة في توجيه الاتهامات الخاصة بتزوير المحررات العرفية واستعمالها.
صاحب الاسم الوارد بالإيصال ينفي علاقته بالمجني عليها
ومن بين الأدلة اللافتة في القضية، شهادة أحمد هشام راشد خليل، صاحب محل أدوات منزلية، والذي ورد اسمه كمسلِّم للمبلغ المالي داخل إيصال الأمانة محل الاتهام.
وأكد الشاهد أنه سبق وأن منح المتهمين توكيلات قانونية في قضايا أخرى، إلا أنه فوجئ باستخدام أحد تلك التوكيلات في تحرير محضر ضد المجني عليها.
وشدد في أقواله على أنه لا تربطه أي علاقة بالمجني عليها، وأنه لم يسبق له تسليمها أي مبالغ مالية على سبيل الأمانة، نافيًا صحة ما ورد بالإيصال المنسوب إليه.
محاميان يؤكدان عدم حضورهما جلسات القضية
واستمعت النيابة إلى أقوال محاميين ارتبط اسماهما بسير القضية الأصلية، وأكد أحدهما أنه لم يحضر جلسات المحاكمة التي انتهت بالحكم على المجني عليها، بينما أوضح الآخر أنه قام بإلغاء التوكيل الصادر له من المجني عليها قبل انعقاد أولى جلسات الدعوى بفترة طويلة، بعد اكتشاف استخدام التوكيل في قضايا أخرى.
وجاءت تلك الأقوال متسقة مع ما انتهت إليه الاستعلامات الرسمية الصادرة عن مصلحة الشهر العقاري والتوثيق.
تحريات الأموال العامة تدعم الاتهامات
التحريات التي أجراها ضباط إدارة مكافحة جرائم الأموال العامة بمديرية أمن الجيزة دعمت رواية المجني عليها وأقوال الشهود.
وأكدت التحريات أن المتهمين اشتركا مع شخص مجهول في اصطناع إيصال الأمانة وتزوير بياناته وتوقيعه ثم استخدامه في تحرير محضر رسمي وتحريك دعوى جنائية ضد المجني عليها.
كما أشارت التحريات إلى أن الهدف من تلك الأفعال كان الإضرار بالمجني عليها وإكساب المستندات المزورة حجية قانونية ترتب آثارًا قضائية ضدها.
حكم بالحبس ثم براءة كاملة
وتبين من الشهادات الرسمية المرفقة بالأوراق أن محكمة أول درجة كانت قد قضت في الجنحة الأصلية بحبس المجني عليها سنة مع الشغل وكفالة ألفي جنيه.
إلا أن المجني عليها طعنت على الحكم بالاستئناف، وبعد نظر الدعوى أصدرت المحكمة المختصة حكمًا بقبول الاستئناف شكلًا وفي الموضوع بإلغاء الحكم المستأنف والقضاء ببراءتها.
ويمثل هذا الحكم نقطة التحول الرئيسية التي فتحت الباب أمام إعادة فحص المستندات والإجراءات التي استندت إليها الدعوى الجنائية من الأساس.
اتهامات متعددة أمام الجنايات
أسندت النيابة العامة للمتهمين عدة اتهامات شملت الاشتراك في تزوير محرر رسمي متمثل في محضر الشرطة، والاشتراك في تزوير محاضر جلسات رسمية بالمحكمة الجزئية، والاشتراك في تزوير محرر عرفي هو إيصال الأمانة محل الواقعة.
كما وجهت لهما تهمة استعمال المحررات المزورة مع العلم بتزويرها، بالإضافة إلى تهمة الإبلاغ الكاذب بسوء قصد ضد المجني عليها بقصد الإضرار بها.
وأكد أمر الإحالة أن الجرائم المنسوبة للمتهمين وقعت بالمخالفة لنصوص متعددة من قانون العقوبات المصري المتعلقة بالتزوير في المحررات الرسمية والعرفية واستعمالها والإبلاغ الكاذب.
إحالة للجنايات واستمرار حبس المتهم الأول
وفي ختام التحقيقات، أمرت نيابة أكتوبر الكلية بإحالة المتهمين إلى محكمة الجنايات المختصة لمحاكمتهما عما أسند إليهما من اتهامات.
كما قررت استمرار حبس المتهم الأول على ذمة القضية، مع اتخاذ الإجراءات اللازمة لضبط وإحضار المتهم الثاني الهارب، وإرفاق صحيفة الحالة الجنائية الخاصة بكل منهما ضمن أوراق الدعوى.
وتنتظر القضية تحديد جلسة أمام محكمة الجنايات للفصل في الاتهامات المنسوبة إلى المتهمين، في واحدة من القضايا التي تسلط الضوء على خطورة جرائم التزوير وما قد يترتب عليها من آثار تمس حقوق وحريات المواطنين، خاصة عندما تؤدي إلى صدور أحكام جنائية ضد أشخاص ثبت لاحقًا عدم صحة الاتهامات الموجهة إليهم.