< من غرفة الولادة إلى مكتب الصحة.. كيف كشفت النيابة شبكة متهمة بتزوير إخطار ميلاد داخل مستشفى بالمعادي؟
النبأ
رئيس التحرير
خالد مهران

من غرفة الولادة إلى مكتب الصحة.. كيف كشفت النيابة شبكة متهمة بتزوير إخطار ميلاد داخل مستشفى بالمعادي؟

شبكة متهمة بتزوير
شبكة متهمة بتزوير إخطار ميلاد داخل مستشفى بالمعادي

أحالت نيابة جنوب القاهرة الكلية أربعة متهمين إلى محكمة الجنايات في القضية رقم 3151 لسنة 2026 جنايات المعادي، والمقيدة برقم 1187 لسنة 2026 كلي جنوب القاهرة، وذلك على خلفية اتهامات بتزوير إخطار ولادة منسوب إلى مستشفى الفتح الإسلامي التابعة للجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالكتاب والسنة، واستعماله في استخراج شهادة ميلاد رسمية لطفل ببيانات أثبتت التحقيقات عدم صحتها.

وكشفت أوراق القضية التي أعدت تحت إشراف المستشار محمود صلاح حسنين المحامي العام لنيابة جنوب القاهرة الكلية، عن تفاصيل واقعة معقدة بدأت داخل أروقة مستشفى خاص وانتهت باستخراج قيد ميلاد رسمي استنادًا إلى مستند مزور، قبل أن تنكشف الواقعة وتتحول إلى تحقيقات موسعة انتهت بإحالة المتهمين إلى المحاكمة الجنائية.

المتهمون بين موظفين بالمستشفى وأشخاص هاربين خارج البلاد

ضمت قائمة الاتهام موظفًا بمستشفى الفتح الإسلامي يبلغ من العمر 45 عامًا، وموظفة بالمستشفى تبلغ من العمر 42 عامًا، بالإضافة إلى سائق وشقيقه، حيث أشارت أوراق القضية إلى أن ثلاثة من المتهمين هاربون، بينما أخلي سبيل المتهم الأول خلال سير التحقيقات.

وبحسب ما ورد بأمر الإحالة، فإن المتهمين ارتبطوا فيما بينهم باتفاق مسبق لتنفيذ عملية تزوير تضمنت إعداد إخطار ولادة منسوب صدوره إلى المستشفى، رغم عدم وجود حالة ولادة مسجلة أو ملف طبي يثبت الواقعة داخل المنشأة الطبية.

بداية الواقعة.. بيانات مرسلة عبر «واتساب»

ووفقًا لتحقيقات النيابة، بدأت الواقعة عندما حصل المتهم الأول على بيانات خاصة بواقعة ولادة يرغب المتهم الثالث في إثباتها رسميًا، ثم قام بإمداد المتهمة الثانية بهذه البيانات.

وتبين من التحقيقات أن المتهمة الثانية أرسلت المعلومات المطلوبة إلى إحدى الموظفات المختصات بتحرير إخطارات الولادة داخل المستشفى عبر تطبيق "واتساب"، طالبة منها تدوين البيانات على نموذج إخطار الولادة.

واعتمدت الموظفة المختصة، حسب أقوالها، على ما ورد إليها من بيانات وقامت بإثباتها على النموذج بحسن نية، إلا أنها تركت المستند دون توقيعات رسمية لحين استكمال الإجراءات المعتادة وحضور أصحاب الشأن.

استغلال انتهاء ساعات العمل

أوضحت النيابة أن الموظفة المختصة غادرت مقر عملها بعد انتهاء ساعات العمل الرسمية، تاركة إخطار الولادة خاليًا من التوقيعات النهائية.

وفي تلك الأثناء، استغلت المتهمة الثانية الفرصة وقامت - وفقًا لما جاء بأمر الإحالة - بوضع توقيعات منسوبة زورًا إلى الموظفة المختصة ومدير المستشفى، ثم استحصلت على الخاتم الخاص بالمستشفى وقامت بختم المستند لإظهاره في صورة صحيحة ورسمية.

وبذلك تحول النموذج غير المكتمل إلى مستند يبدو ظاهريًا سليمًا وقابلًا للتعامل به أمام الجهات الحكومية المختصة.

رحلة المستند المزور إلى مكتب الصحة

لم تتوقف الوقائع عند حدود تزوير إخطار الولادة، إذ كشفت التحقيقات أن المستند المزور انتقل بعد ذلك بين المتهمين وصولًا إلى المتهم الرابع.

وبحسب أوراق القضية، توجه المتهم الرابع إلى مكتب صحة المعادي حاملًا إخطار الولادة المزور والمستندات المطلوبة قانونًا لاستخراج شهادة ميلاد، وقدمها إلى الموظف المختص الذي لم يكن يعلم بحقيقة التزوير.

واعتمد الموظف المختص على المستندات المقدمة أمامه، وقام باتخاذ الإجراءات القانونية المعتادة، لينتهي الأمر بإصدار شهادة ميلاد رسمية باسم الطفل "حسن".

تزوير محرر صادر عن جمعية ذات نفع عام

اعتبرت النيابة العامة أن الجريمة لا تتعلق بمجرد تزوير مستند عادي، بل تتعلق بمحرر صادر عن جهة تتمتع بصفة قانونية خاصة.

فقد أثبتت الإفادة الرسمية الواردة من إدارة المعادي الاجتماعية أن الجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالكتاب والسنة، التابعة لها مستشفى الفتح الإسلامي، تعد من الجمعيات ذات النفع العام، وقد قامت بتوفيق أوضاعها وفقًا لأحكام قانون تنظيم العمل الأهلي رقم 149 لسنة 2019.

وبناءً على ذلك، رأت النيابة أن إخطار الولادة الصادر عن المستشفى يندرج ضمن المحررات التي يحميها القانون من العبث أو التزوير.

اكتشاف الواقعة بالصدفة

تكشف التحقيقات أن بداية كشف الجريمة جاءت بصورة غير متوقعة، فقد أفاد أمين خزينة مستشفى الفتح الإسلامي بأنه تسلم من إحدى المتهمات مظروفًا لتوصيله إلى متهم آخر، إلا أنه فتح المظروف وعثر بداخله على أصل إخطار الولادة محل الواقعة.

وأمام الشكوك التي راودته بشأن المستند، قام بمراجعة بياناته من خلال النظام الإلكتروني الخاص بالمستشفى، ليتبين له وجود تعارض بين البيانات الواردة بالمستند والبيانات المسجلة رسميًا.

واحتفظ الشاهد بصورة من المستند وصور محتواه بهاتفه المحمول قبل أن يبلغ إدارة المستشفى بما اكتشفه.

شهادة الموظفة المختصة

أدلت الموظفة المختصة بتحرير إخطارات الولادة بأقوال مهمة خلال الاستدلال اتصل، وأكدت أنها قامت بكتابة البيانات بناءً على طلب زميلتها دون الاطلاع على الملف الطبي الخاص بالحالة، وأنها تركت النموذج خاليًا من التوقيعات الرسمية.

وأضافت أنها فوجئت لاحقًا بوجود إخطار ولادة يحمل توقيعًا منسوبًا إليها رغم أنها لم توقع عليه، كما تبين لها أن توقيع مدير المستشفى أضيف هو الآخر دون علمه أو موافقته.

وأشارت إلى أن الختم الرسمي للمستشفى استخدم على المستند رغم عدم استكمال الإجراءات القانونية اللازمة لإصداره.

مدير المستشفى ينفي التوقيع

من جانبه، أكد مدير مستشفى الفتح الإسلامي خلال الاستدلالات أن التوقيع المنسوب إليه على إخطار الولادة ليس توقيعه، وأوضح أنه علم بالواقعة بعد اكتشافها داخل المستشفى، نافيًا أي صلة له بالمحرر محل التحقيق.

وجاءت أقواله متوافقة مع ما انتهت إليه الفحوص الفنية اللاحقة التي أجرتها الجهات المختصة.

الطب الشرعي يحسم الجدل

لعب تقرير مصلحة الطب الشرعي، قسم أبحاث التزييف والتزوير، دورًا محوريًا في تدعيم أدلة الاتهام، فقد انتهى التقرير إلى أن التوقيعين المنسوبين إلى الموظفة المختصة ومدير المستشفى على إخطار الولادة لم يصدرا عنهما.

وأكد التقرير الفني أن التوقيعات الموجودة على المستند مزورة، وهو ما اعتبرته النيابة دليلًا فنيًا مباشرًا على وقوع جريمة التزوير.

تحريات الأموال العامة

دعمت الإدارة العامة لمباحث الأموال العامة التحقيقات بتحريات موسعة أجراها أحد ضباطها، وأفادت التحريات بصحة ما ورد بأقوال مسؤولي المستشفى، مؤكدة وجود اتفاق بين المتهمين على إعداد إخطار ولادة مزور واستعماله أمام الجهات الرسمية.

كما توصلت التحريات إلى أن المتهم الرابع استخدم المستند المزور أمام مكتب صحة المعادي، مع علمه بحقيقة التزوير، ما ترتب عليه استخراج شهادة ميلاد رسمية بناءً على بيانات غير صحيحة.

شهادة الميلاد محل القضية

حسب أوراق التحقيق، أسفر تقديم إخطار الولادة المزور إلى مكتب الصحة عن استخراج شهادة ميلاد رسمية تضمنت بيانات الطفل "حسن حمدي عطا الله حسن".

وأثبتت النيابة أن هذه الشهادة صدرت استنادًا إلى إخطار الولادة المزور، وتم إرفاقها ضمن أحراز القضية باعتبارها من النتائج المباشرة للجريمة محل التحقيق.

كما أظهرت مستندات الإبلاغ عن واقعة الميلاد أن الشخص الذي قام بإجراءات الإبلاغ هو المتهم الرابع.

هروب متهمين إلى الخارج

ومن بين الوقائع اللافتة في القضية ما كشفته شهادات التحركات المرفقة بالأوراق، فقد تبين أن المتهمين الثالث والرابع غادرا البلاد متجهين إلى دولة الكويت، ولم تستدل الجهات المختصة على عودتهما حتى تاريخ إعداد أمر الإحالة.

وأمام ذلك، أمرت النيابة بضبطهما وإحضارهما للمثول أمام المحكمة إلى جانب المتهمة الثانية التي ما زالت هاربة أيضًا.

الاتهامات القانونية

أسندت النيابة إلى المتهمين مجموعة من الجرائم المرتبطة بالتزوير واستعمال المحررات المزورة والاستحصال على خاتم جهة ذات نفع عام واستعماله على نحو يضر بالمصلحة العامة.

كما اتهمت المتهمة الثانية بالاستحصال على خاتم المستشفى واستعماله دون وجه حق، فيما نُسب إلى المتهم الرابع استعمال المحرر المزور مع علمه بتزويره من خلال تقديمه إلى مكتب الصحة لاستخراج شهادة الميلاد.