< علي الهواري يكتب: الاتفاق بين أمريكا وإيران.. من المنتصر؟
النبأ
رئيس التحرير
خالد مهران

علي الهواري يكتب: الاتفاق بين أمريكا وإيران.. من المنتصر؟

علي الهواري يكتب:
علي الهواري يكتب: الاتفاق بين أمريكا وإيران.. من المنتصر؟

فور الإعلان عن التوصل لاتفاق بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران لإنهاء الحرب بينهما توالت ردود الأفعال العربية والعالمية المرحبة والداعمة للاتفاق.

الدولة الوحيدة التي عارضت الاتفاق واعتبرته كارثة عليها هي إسرائيل، وذلك حسب تصريحات وتقارير إعلامية غير رسمية وصمت رسمي، كما أن هذا الاتفاق فجر الكثير من الجدل حول الطرف المنتصر في هذه الحرب.

وبالاطلاع على نص الاتفاق المتداول في وسائل الإعلام، واستنادا إلى نظرية «توازن القوة» بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل يمكن القول أن إيران حققت الكثير من المكاسب من خلال هذا الاتفاق، من أبرزها:

عدم سقوط النظام

نجحت إيران في الحفاظ على النظام من الانهيار، رغم الضربات الأمريكية والإسرائيلية الساحقة والمدمرة التي تعرضت لها، ورغم اغتيال المرشد الأعلى على خامنئي وعدد كبير من القادة السياسيين والعسكريين من الصفوف الأولى والثانية والثالثة، بالاضافة إلى اغتيال عدد كبير من العلماء النوويين، وتدمير شبه كامل للبنية التحتية للبرنامج النووي، ومن ثم فحفاظ إيران على بقاء النظام الإسلامي رغم هذه الضربات الساحقة يعتبر في حد ذاته انجازا كبيرا يؤكد على قوة ورسوخ هذا النظام الإسلامي.

علما أن اسقاط النظام الإيراني كان أحد الأهداف الرئيسية المعلنة من العملية العسكرية الأمريكية الإسرائيلية على إيران. 

فرض معادلة ردع جديدة

نجحت طهران في فرض معادلة ردع جديدة مع إسرائيل، ومن أبرز ملامح هذه المعادلة الجديدة بين إيران وإسرائيل، الانتقال من حرب الظل إلى المواجهة المباشرة، بعد أن اعتمد الطرفان لسنوات طويلة على عمليات استخباراتية وهجمات غير معلنة عبر وكلاء، حيث شهدت التطورات الأخيرة تبادل ضربات مباشرة بالصواريخ والطائرات المسيرة، ما غير قواعد الاشتباك التقليدية.

ومن ثم أصبحت كل ضربة كبيرة من أحد الطرفين تقابلها محاولة للرد من الطرف الآخر، بهدف الحفاظ على المصداقية والردع دون الانزلاق بالضرورة إلى حرب مفتوحة.

وتعتمد سياسة الردع الإيرانية على الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة وشبكة الأذرع في المنطقة ( حزب الله في لبنان- الحوثيين في اليمن- الجماعات الشيعية المسلحة في العراق)، بينما تعتمد إسرائيل على التفوق الجوي والاستخباراتي، ومنظومات الدفاع الجوي المتعددة الطبقات، والقدرات التقنية والعسكرية المتقدمة.

كما تؤثر مواقف الولايات المتحدة والقوى الدولية والدول الإقليمية في حسابات الطرفين، حيث تسعى أطراف عدة إلى احتواء التصعيد ومنع تحوله إلى نزاع واسع.

وهناك أهداف يسعى كل طرف لتحقيقها من معادلة الردع، فإيران تسعى لإظهار قدرتها على الرد على أي هجوم، وتعزيز مكانتها الإقليمية، ورفع تكلفة أي استهداف مباشر لأراضيها أو مصالحها، أما إسرائيل فتسعى إلى منع تطور القدرات العسكرية الإيرانية التي تراها مهددة لأمنها، والحفاظ على حرية العمل العسكري والاستخباراتي داخل إيران، وكذلك ردع إيران عن تنفيذ هجمات مباشرة أو دعم عمليات تستهدفها.

ومن أبرز خصائص المعادلة الجديدة، القيام بردود محسوبة لتجنب حرب شاملة، والاعتماد المتزايد على الصواريخ والطائرات المسيّرة والهجمات السيبرانية، واستمرار المنافسة الاستخباراتية والعمليات غير التقليدية، ووجود تأثير كبير للرأي العام الداخلي والضغوط الدولية على قرارات التصعيد والتهدئة.

ويتوقع الكثير من الخبراء، أن تستمر هذه المعادلة في إطار "الردع المتبادل مع التصعيد المحدود"، بحيث يسعى كل طرف إلى إثبات قدرته على الرد دون الوصول إلى مواجهة شاملة، ومع ذلك، يبقى خطر سوء التقدير أو وقوع حادث كبير قائمًا، وهو ما قد يؤدي إلى تصعيد أوسع إذا فشلت جهود الاحتواء الدبلوماسي.

البرنامج الصاروخي الإيراني

مذكرة التفاهم المتداولة بين أمريكا وإيران لم تشير من قريب أو بعيد إلى البرنامج الصاروخي الإيراني، والذي تعتبره إسرائيل تهديدا وجوديا لها، وتصر على أن يكون مشمولا في أي اتفاق مع إيران، ومن ثم  فهذا يمثل مكسبا مهما وكبيرا لإيران التي ترفض التخلى عن برنامجها الصاروخي، وتعتبره أحد أهم عناصر قوتها الشاملة، وعامل الردع الرئيسي في صراعها مع تل أبيب.

الفصائل المسلحة الموالية لطهران

لم تعالج مذكرة التفاهم المتداولة بين أمريكا وإيران مخاوف إسرائيل ودول الخليج والاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بمشكلة الفصائل المسلحة الموالية لطهران في المنطقة وعلى رأسها حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن، بالإضافة إلى الفصائل الشيعية المسلحة في العراق، كما لم تشير مذكرة التفاهم إلى معالجة الهواجس الأمنية لدول الخليج، بعد استهداف إيران لتلك الدول عسكريا.

وقد وصف العديد من السياسيين الإسرائيليين الاتفاق بالسيئ، ويشير الخبراء الإسرائيليون إلى أن الوثيقة المرتقبة لم تتطرق إلى برنامج إيران الصاروخي، الذي تعتبره تل أبيب تهديدًا "وجوديًا"، فضلا عن دعم الفصائل المسلحة الموالية لطهران في المنطقة وعلى رأسها حزب الله في لبنان وحماس في قطاع غزة، فضلًا عن "الحوثيين" في اليمن، معربين عن قلقهم من أن هذه القضايا الأساسية بالنسبة لإسرائيل لم تُذكر أصلًا في التسريبات المتداولة حول الاتفاق.

الحفاظ على وحدة الساحات

شمول لبنان في الاتفاق يعني نجاح إيران في الحفاظ على ما يسمى بسياسة وحدة الساحات التي كانت تتبعها في صراعها مع إسرائيل والولايات المتحدة، حيث تعد سياسة "وحدة الساحات" أحد المفاهيم الاستراتيجية التي برزت في الخطاب السياسي والعسكري لمحور تقوده إيران، ويقوم على فكرة أن أي مواجهة مع إسرائيل لا ينظر إليها كصراع محلي أو منفصل، بل كجزء من ساحة إقليمية مترابطة يمكن أن تشارك فيها أطراف متعددة.

وترتكز هذه السياسة على أن الضغوط أو العمليات العسكرية في منطقة معينة قد تستدعي ردود فعل من مناطق أخرى، بما يهدف إلى تشتيت جهود الخصم وزيادة تكلفة أي تصعيد، ويرتبط هذا المفهوم بعلاقات إيران مع عدد من الفاعلين غير الحكوميين والحلفاء في المنطقة، مثل حزب الله في لبنان، وجماعة أنصار الله (الحوثيين) في اليمن، وبعض الفصائل المسلحة في العراق وسوريا، مع اختلاف درجات التنسيق والاستقلالية بين هذه الأطراف.

وتهدف سياسة وحدة الساحات إلى تعزيز الردع الإقليمي من خلال الإيحاء بأن أي مواجهة قد تتوسع إلى أكثر من جبهة، وتوزيع الضغوط العسكرية على الخصم، بما يقلل من تركيزه على ساحة واحدة، وتعزيز النفوذ الإقليمي الإيراني عبر شبكة من الشراكات والعلاقات السياسية والعسكرية، بالإضافة إلى رفع تكلفة أي عمل عسكري ضد إيران أو حلفائها، من خلال احتمال اتساع نطاق المواجهة.

إسرائيل الخاسر الأكبر

خروج الولايات المتحدة من معادلة الصراع مع إيران في الشرق الأوسط، يغل يد إسرائيل على شن هجمات جديدة على إيران وحلفاؤها في المنطقة، فإسرائيل لا تستطيع بمفردها خوض حرب طويلة الأمد مع إيران دون دعم أمريكي سياسي وعسكري واستخباراتي كبير، كما أن عدم شمول البرنامج الصاروخي الإيراني في الاتفاق يعني أن إيران لا تزال تمتلك أحد عناصر قوتها الضاربة التي تهدد بها تل أبيب.

مكاسب كبرى كثيرة

كما نجحت طهران في تحقيق الكثير من المكاسب الأخرى من أبرزها، الإفراج عن مليارات الدولارات من الأموال المجمدة، ورفع الحصار البحري المفروض على طهران، وإعادة دمج إيران في النظام الاقتصادي العالمي، وفرض معادلة جديدة فيما يتعلق بمضيق هرمز تقوم على التنسيق مع سلطنة عمان لإدارة المضيق، كذلك الاعتراف بإيران كقوة إقليمية كبرى، وإنشاء صندوق لإعادة إعمار ما دمرته الحرب، وكذلك إنهاء حالة العداء التي استمرت لسنوات مع أكبر قوة في العالم، وهذا سيكون له تأثير ايجابي كبير على الاستقرار في إيران وإقليم الشرق الأوسط، ومن ثم تحقيق نهضة اقتصادية كبرى.

كل هذه المكاسب مقابل تعهد إيران بعدم إنتاج أو حيازة أو الحصول على أسلحة نووية، وهو البند الذي وصفته واشنطن بأنه يمثل الركيزة الأساسية للتفاهم الجديد.

علما أن هذا البند منصوص عليه في الاتفاق بين أمريكا وإيران في عهد أوباما، وهناك فتوى للمرشد الإيراني السابق على خامنئي تحرم إنتاج وتخزين واستخدام أسلحة الدمار الشامل، بما في ذلك السلاح النووي. 

لاشك أن الحرب بين إيران وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل سيكون لها تداعيات سياسية وامنية واستراتيجية وجيوسياسية كبرى على مستوى إقليم الشرق الأوسط والعالم، سوف تؤدي إلى إعادة تشكيل موازين القوى والتحالفات في الإقليم والعالم، وربما تؤدي إلى تغيير هيكل النظام الدولي، من عالم أحادي القطبية تهيمن عليه قوى واحدة وهي الولايات المتحدة الأمريكية إلى عالم متعدد الأقطاب تتشارك زعامته مجموعة من الدول، كما كان قبل الحرب العالمية الثانية، وبعد اتفاقية وتسفاليا 1648.