< السجن المشدد لأم أحمد إمبراطورة السموم بمساكن المثلث وبراءة شريكها
النبأ
رئيس التحرير
خالد مهران

قضية شبكة مخدرات حلوان..

السجن المشدد لأم أحمد إمبراطورة السموم بمساكن المثلث وبراءة شريكها

محكمة جنايات القاهرة
محكمة جنايات القاهرة برئاسة المستشار محمد العياط

لم تكن منطقة مساكن المثلث بحلوان تدرك أن التحركات الهادئة التي جرت بين شوارعها وأزقتها كانت تخفي وراءها واحدة من أخطر قضايا الاتجار بالمواد المخدرة التي انتهت بحكم قضائي حاسم أسدل الستار على سنوات من النشاط الإجرامي المنظم، بعدما تمكنت الأجهزة الأمنية من الإيقاع بالمتهمة الرئيسية المعروفة بلقب «أم أحمد»، التي تحولت في نظر جهات التحقيق إلى محور شبكة لترويج السموم المخدرة داخل نطاق حلوان، قبل أن تنتهي القضية بحكم السجن المشدد خمسة عشر عامًا لها، وبراءة المتهم الثاني من جميع الاتهامات المنسوبة إليه.

معلومات سرية تقود إلى سقوط شبكة المخدرات

بدأت تفاصيل القضية عندما تلقت الإدارة العامة لمكافحة المخدرات معلومات وتحريات أكدت قيام سيدة تدعى هناء، وشهرتها «أم أحمد»، بمزاولة نشاط واسع في الاتجار بالمواد المخدرة والعقاقير المؤثرة على الحالة النفسية والعصبية داخل دائرة قسم شرطة حلوان.

وبعد التأكد من جدية التحريات، وضعت الأجهزة الأمنية خطة محكمة لرصد تحركات المتهمة وضبطها متلبسة، حيث تم الاستعانة بمصدر سري أوهمها برغبته في شراء كمية من المواد المخدرة، لتحدد المتهمة موعدًا ومكانًا لإتمام الصفقة بمنطقة مساكن المثلث بالشارع المحمودي.

وفي التوقيت المحدد، انتشرت القوة الأمنية في محيط المكان تحت إشراف دقيق، وما إن بدأت عملية التسليم حتى تحركت القوات بسرعة وأحكمت السيطرة على المتهمة ومن كان برفقتها، وهو المتهم الثاني يحيى وليد السيد، لتبدأ بعدها واحدة من أكبر عمليات الضبط المرتبطة بالقضية.

ضبط كميات كبيرة من الحشيش والأقراص المخدرة

أسفرت عملية الضبط والتفتيش عن العثور على كميات متنوعة من المواد المخدرة والعقاقير المحظورة، شملت أجزاء من جوهر الحشيش المخدر، إلى جانب عدد كبير من الأقراص المدرجة بجداول المخدرات، من بينها الترامادول والابتريل والأموتريل والباركينول.

كما عثرت القوة الأمنية على مبلغ مالي اعتبرته جهات التحقيق من متحصلات النشاط الإجرامي، بالإضافة إلى هواتف محمولة استخدمت في التواصل مع العملاء وإدارة عمليات البيع والتوزيع، فضلًا عن سلاح أبيض عبارة عن شفرة «كتر» استخدمت في تجهيز المواد المخدرة وتقسيمها قبل ترويجها.

النيابة العامة تباشر التحقيقات

عقب انتهاء إجراءات الضبط، باشرت النيابة العامة التحقيقات الموسعة في القضية، حيث جرى فحص الأحراز والمضبوطات وسماع أقوال ضباط المباحث والقوة المنفذة للمأمورية.

وأسفرت التحقيقات عن توجيه اتهامات رسمية للمتهمين بحيازة وإحراز جوهر الحشيش والترامادول بقصد الاتجار وفي غير الأحوال المصرح بها قانونًا، بالإضافة إلى حيازة عقاقير خاضعة للرقابة المشددة مثل الكلونازيبام والبنزوهكسول بقصد الاتجار.

وبعد استكمال التحقيقات وإعداد ملف القضية، أصدرت النيابة قرارها بإحالة المتهمين إلى محكمة جنايات القاهرة لمحاكمتهما عن الاتهامات المسندة إليهما.

أدلة فنية دعمت الاتهام

كشفت أوراق القضية أن التحقيقات لم تعتمد فقط على محاضر الضبط والتحريات، بل استندت كذلك إلى تقارير المعامل الفنية والكيماوية التي أكدت طبيعة المواد المضبوطة وكونها من المواد والعقاقير المدرجة بجداول المخدرات.

كما تضمنت الأوراق فحص الهواتف المحمولة المضبوطة، حيث أشارت التقارير الفنية إلى احتوائها على رسائل ومحادثات مرتبطة بعمليات بيع وتوزيع المواد المخدرة، وهو ما اعتبرته جهات التحقيق قرينة داعمة للاتهامات الموجهة إلى المتهمة الرئيسية.

وعكات صحية أثناء الحبس

وخلال فترة الحبس الاحتياطي، شهدت القضية تطورات أخرى بعدما تعرضت المتهمة الأولى لعدة حالات إعياء وإغماء داخل محبسها، ما استدعى نقلها أكثر من مرة إلى مستشفى حلوان العام ومستشفى العباسية لإجراء الفحوصات الطبية اللازمة.

وأثبتت التقارير الطبية معاناتها من ارتفاع في ضغط الدم ومستويات السكر، إلا أن اللجان الطبية المختصة أكدت استقرار حالتها الصحية وعدم وجود ما يمنع استمرار تنفيذ إجراءات الحبس القانونية، لتعود المتهمة إلى محبسها تحت الحراسة المشددة حتى موعد المحاكمة.

دفاع المتهم الثاني يتمسك ببطلان الإجراءات

وخلال جلسات المحاكمة، دفعت الأستاذة زينب قطب، محامية المتهم الثاني يحيى وليد السيد، بعدة دفوع قانونية تمسكت خلالها ببطلان إجراءات القبض والتفتيش وما ترتب عليها من آثار.

وأكدت هيئة الدفاع أن موكلها لم يكن محل التحريات الأساسية، وأن وجوده بمكان الواقعة كان عرضيًا، كما دفعت بعدم توافر حالة التلبس القانونية، وبطلان الدليل المستمد من إجراءات التفتيش، فضلًا عن الدفع بكيدية الاتهام وعدم معقولية تصوير الواقعة على النحو الوارد بمحاضر الضبط.

واستند الدفاع كذلك إلى انفراد محرر المحضر بالشهادة وعدم الاستعانة بباقي أفراد القوة المرافقة له كشهود على الواقعة، معتبرًا أن ذلك يثير الشك حول سلامة الإجراءات المتخذة بحق المتهم الثاني.

جلسة حاسمة أمام جنايات القاهرة

وفي جلسة اتسمت بالترقب، انعقدت محكمة جنايات القاهرة برئاسة المستشار محمد العياط، وعضوية المستشارين أحمد الجزيري وياسر الدسوقي، وبحضور أمانة سر صبحي طعيمة ومحمد نصر، للفصل في القضية بعد الاطلاع على أوراقها وسماع مرافعات الدفاع والنيابة العامة.

واستعرضت المحكمة كافة الأدلة الفنية وأقوال الشهود والتحريات والتقارير المرفقة بالأوراق، قبل أن تعلن كلمتها الأخيرة في القضية التي شغلت دوائر مكافحة المخدرات خلال الفترة الماضية.

المشدد 15 عامًا لأم أحمد والبراءة ليحيى وليد

وانتهت المحكمة إلى معاقبة المتهمة الرئيسية هناء، الشهيرة بـ«أم أحمد»، بالسجن المشدد لمدة خمسة عشر عامًا، بعد ثبوت الاتهامات المنسوبة إليها واطمئنان المحكمة إلى الأدلة المقدمة بحقها.

وفي المقابل، قضت المحكمة ببراءة المتهم الثاني يحيى وليد السيد من جميع التهم المسندة إليه، بعدما رأت عدم كفاية الأدلة الجنائية التي تثبت اشتراكه في النشاط الإجرامي على نحو يقيني.

وجاء الحكم ليؤكد أحد أهم المبادئ المستقرة في القضاء الجنائي، وهو أن الإدانة لا تبنى إلا على الجزم واليقين، وأن الشك يفسر دائمًا لصالح المتهم، لتفرق المحكمة بين من ثبتت في حقه الأدلة بصورة قاطعة وبين من لم تتوافر ضده أدلة كافية للإدانة.

وبهذا الحكم أسدلت محكمة جنايات القاهرة الستار على واحدة من أبرز قضايا الاتجار بالمواد المخدرة في حلوان، مؤكدة استمرار المواجهة القانونية والأمنية الحاسمة ضد شبكات ترويج السموم، مع الحفاظ في الوقت ذاته على الضمانات القانونية التي تكفل محاكمة عادلة لكل متهم.