< محمد مازن يكتب: لماذا تصر بكين على استخدام "الحمار الكهربائي" ونحن نمنعه؟!!
النبأ
رئيس التحرير
خالد مهران

محمد مازن يكتب: لماذا تصر بكين على استخدام "الحمار الكهربائي" ونحن نمنعه؟!!

النبأ

عندما وصلت بكين قبل أكثر من خمسة عشر عاما. على مشارف المدينة، لفت انتباهي شيء غريب يتحرك في الشوارع. لم يكن دراجة هوائية، ولم يكن دراجة نارية بالمعنى التقليدي. كان يسير بهدوء شبه كامل، دون ضجيج أو دخان، ويبدو خفيفا وأنيقا وسهل الاستخدام.
في ذلك الوقت كان أول ما خططت لشرائه هو دراجة هوائية عادية، لكن بعد رؤية هذا الاختراع الجديد تغيرت خططي تماما.
عندما علمت برغبتي، عرضت علي زميلتي في العمل شراء السكوتر الخاص بها، طلبت أولا مدفوعا بجيناتي المصرية أن أجربه. أخذته وانطلقت لزيارة صديق يسكن في حي آخر. كانت المسافة على الخريطة نحو 27 كيلومترا. الرحلة كانت ممتعة وسلسة، لكن البطارية استهلكت أكثر من 90% من شحنتها قبل الوصول.
خلعت البطارية وشحنتها في منزل صديقي، لكن في رحلة العودة حدث ما كنت أخشاه؛ نفدت البطارية قبل نحو ستة كيلومترات من منزلي. وقتها لم تكن هناك محطات شحن عامة، ولم يكن أمامي سوى أن أترجل وأدفع هذا الكائن الجديد حتى البيت.
أعدته إلى صاحبته، لكن التجربة لم تقتل رغبتي في امتلاكه. على العكس تماما.
توكلت على الله واشتريت واحدا، ومنذ ذلك اليوم بدأت رحلة مليئة بالدروس والمفاجآت لم تنته حتى الآن.
السكوترات الأولى وقتها كانت أكبر حجما وأثقل وزنا، وتستخدم بطاريات رصاص ضخمة بمدى محدود نسبيا. أما اليوم فأصبحت أصغر حجما وأكثر أناقة وأسهل في الحركة، بينما باتت البطاريات أكثر كفاءة مصنوعة من الليثيوم، تمنح مدى أطول رغم أن حجمها وسعتها أقل من السابق.
حتى التصميم تغير. فبعد أن كانت بعض الطرازات تسمح بركوب شخصين بالغين، أصبحت أكثر التزاما بمعايير السلامة، مع مقاعد مناسبة لشخص بالغ وطفل صغير، بما يتوافق مع القوانين ومتطلبات الاستخدام الحضري الحديث.
وخلال سنوات الاستخدام الطويلة، اكتشفت أن السكوتر لم يكن مجرد وسيلة نقل.
لقد غير أسلوب حياتي بالكامل.
لا أتذكر أنني وصلت إلى عملي متأخرا بسبب المواصلات. كنت أوصل طفلي إلى الحضانة ثم أتجه إلى العمل في وقت ثابت تقريبا كل يوم. أصبحت أكثر التزاما بالمواعيد وأكثر قدرة على التخطيط ليومي. كما وفر علي مبالغ ضخمة كنت سأدفعها على سيارات الأجرة أو وسائل النقل الأخرى.
ويكفي أن أقول إن آخر سكوتر امتلكه حاليا قطع أكثر من 42 ألف كيلومتر خلال أقل من ثلاث سنوات. ولو قطعت هذه المسافة باستخدام سيارات الأجرة أو خدمات النقل الخاصة لشخص مثلي دائم الشركة لبلغت التكلفة عشرات آلاف الدولارات.
لكن الفائدة الأهم كانت أنه عمق علاقتي بالمدينة نفسها. أصبحت أتحرك بحرية أكبر، وأزور أحياء وحدائق وأسواقا لم أكن لأصل إليها بالسهولة نفسها لو اعتمدت على السيارة أو المواصلات العامة.
والتأثير لم يكن عمليا فقط، بل كان ثقافيا أيضا.
في البداية كنت أنظر إلى كثير من القواعد المرورية الصينية باعتبارها تفاصيل مبالغا فيها. لماذا كل هذه الخطوط على الأرض؟ ولماذا كل هذه الإشارات؟ ولماذا كل هذا الالتزام بمكان الوقوف واتجاه السير؟
ثم اكتشفت مع الوقت أن المدينة التي يعيش فيها عشرات الملايين لا يمكن أن تعمل بالنوايا الحسنة وحدها. فكل متر من الرصيف له وظيفة، وكل إشارة وضعت لأن شخصا ما ارتكب خطأً في السابق، وكل قاعدة هي في النهاية درس دفع المجتمع ثمن تعلمه.
ربما كان السكوتر الكهربائي أحد أكثر الأشياء التي علمتني معنى النظام في الصين. فهذه المركبة تمنحك حرية كبيرة، لكنها في الوقت نفسه تفرض عليك مسؤولية كبيرة. وكلما زادت الحرية زادت الحاجة إلى الانضباط.
ومع مرور الوقت لم يعد مجرد وسيلة نقل شخصية، بل أصبح جزءا أساسيا من الحياة اليومية لملايين السكان.
اليوم يوجد في بكين أكثر من سبعة ملايين سكوتر كهربائي، في مدينة يبلغ عدد سكانها نحو 21 مليون نسمة. أي أن واحدا من كل ثلاثة أشخاص تقريبا يعتمد على هذه الوسيلة بشكل أو بآخر.
الفوائد التي حققتها هذه المركبات لم تكن فردية فقط.
فهي خففت الضغط على شبكات المترو والحافلات، وساعدت في تقليل الانبعاثات الكربونية، وخفضت استهلاك الوقود، ووفرت حلا عمليا ومريحا للمستخدمين للوصول إلى وجهاتهم النهائية.
لكن النجاح جلب معه تحديات جديدة.
في البداية كانت مشكلة الشحن. ثم ظهرت تحديات تتعلق بالسرعة والسلامة وجودة البطاريات. وبعد ذلك بدأت أزمة أكثر تعقيدا: أين يمكن إيقاف ملايين السكوترات؟
في بعض المناطق أصبحت الأرصفة مزدحمة بالمركبات المتوقفة عشوائيا. وأمام محطات المترو والمراكز التجارية والمستشفيات تراكمت أعداد هائلة منها. وظهرت مشكلات تتعلق بالسلامة وإشغال الممرات ومخارج الطوارئ وحتى نقاط شحن البطاريات.
ثم ظهرت مشكلة أخرى أكثر حساسية تتعلق بحرائق البطاريات.
فمع الانتشار الواسع بدأت بعض الحوادث الناتجة عن استخدام بطاريات أو شواحن غير مطابقة للمواصفات، أو بسبب شحن البطاريات داخل الشقق السكنية والممرات المغلقة.
وهنا أيضا لم يكن الحل هو المنع.
بدأت السلطات في نشر آلاف الملصقات التحذيرية داخل المجمعات السكنية والمصاعد ومداخل المباني. وأصبحت عبارة "ممنوع إدخال بطاريات الدراجات الكهربائية إلى المصاعد" من المشاهد اليومية المألوفة. كما جرى إنشاء نقاط شحن خارجية أكثر أمانا، وتطوير معايير فنية أكثر صرامة للبطاريات والشواحن، وتشديد الرقابة على المنتجات الرديئة.
في الوقت نفسه انتشرت كاميرات المراقبة وأجهزة الإنذار وأنظمة الإطفاء الذكية في أماكن الشحن الجماعي، لكن التكنولوجيا لم تعمل وحدها.
وكانت هناك حملات توعية مستمرة، وتنبيهات في المصاعد، وإرشادات داخل الأحياء السكنية، ومشاركة من السكان أنفسهم في الإبلاغ عن المخالفات.
بمعنى آخر، لم يكن الذكاء الاصطناعي بديلا عن الإنسان، بل أداة تساعده على تحقيق قدر أكبر من الانضباط والسلامة.
ومن هنا فهمت شيئا آخر عن طريقة تفكير المدن الناجحة.
فالمدينة لا تقاس بعدد المشكلات التي تواجهها، بل بقدرتها على إدارة تلك المشكلات دون أن تقتل أسباب النجاح نفسها.
كان من السهل على أي مسؤول أن يقول "السكوتر يسبب الفوضى والحوادث والحرائق، فلنمنعه".
لكن السؤال الذي طرحته بكين كان مختلفا: ماذا سنخسر إذا منعناه؟
سنخسر ملايين الرحلات اليومية منخفضة التكلفة، وسنضيف ضغطا هائلًا على المترو والحافلات، وسنزيد الاعتماد على السيارات الخاصة وبالتالي مزيد من التلوث، وسنخسر إحدى أكثر وسائل النقل كفاءة في التنقلات القصيرة.
لذلك لم تنظر المدينة إلى السكوتر باعتباره المشكلة، بل باعتباره مكسبا يحتاج إلى إدارة أفضل.
حكومة بكين لم تتعامل مع هذه المشكلات بمنطق المنع أو المصادرة.
بل تعاملت معها باعتبارها مشكلات نمو طبيعي لوسيلة نقل ناجحة.
وبدلا من محاربة السكوتر، بدأت في تنظيمه.
تم سن قوانين جديدة للركن والاستخدام. وأضيفت عشرات الآلاف من أماكن الوقوف الجديدة. وأنشئت مظلات ذكية للشحن مزودة بأنظمة إطفاء وإنذار داخل المجمعات والشوارع. وتم تحديد مناطق يمنع الوقوف فيها مثل ممرات المشاة ومخارج الطوارئ. كما جرى استخدام الكاميرات والأنظمة الذكية لمراقبة المخالفات وتحسين إدارة الحركة.
وفي بعض المناطق أعيد تصميم الشوارع بالكامل لاستيعاب هذا النوع من المركبات، مع تخصيص مسارات أكثر أمانا للمستخدمين.
بمعنى آخر، عندما ظهرت المشكلة لم يكن الحل القضاء على الوسيلة، بل تطوير المدينة لتستوعبها.
وربما لهذا السبب تصر بكين حتى اليوم على "الحمار الكهربائي" كما يسميه البعض مازحا.
فهو ليس مركبة مثالية. يسبب ازدحاما أحيانا، ويحتاج إلى رقابة مستمرة، ويخلق تحديات لا تنتهي للإدارات المحلية.
لكن المدن لا تختار بين الحل المثالي والحل السيئ، بل بين بدائل لكل منها مزايا وعيوب.
وبالنسبة للمدينة هنا،  فإن ملايين السكوترات الكهربائية تمثل شريانا يوميًا للحركة لا يمكن استبداله بسهولة.
إنها تشبه الماء في الأنابيب؛ قد تسبب بعض التسربات والمشكلات، لكن أحدا لا يفكر في قطع المياه عن المدينة بسبب وجود تسرب هنا أو هناك. الحل دائما هو إصلاح الشبكة لا الاستغناء عنها.
وهنا أصل إلى مصر.
ما يثير دهشتي أن بعض المسؤولين بدأوا ينظرون إلى السكوتر الكهربائي باعتباره مشكلة أمنية أو مرورية قبل أن تبدأ أصلا في التفكير في كيفية استيعابه.
المدن الجديدة التي أنفقت عليها الدولة مليارات الجنيهات تبدو في كثير من الأحيان البيئة المثالية لاستخدام هذه الوسيلة. مسافات متوسطة، وشوارع واسعة، وكثافات سكانية أقل، وأحياء سكنية متباعدة.
لكن حتى الآن لا توجد بنية تحتية حقيقية تدعم انتشاره بشكل منظم. لا مسارات مخصصة، ولا نقاط شحن كافية، ولا أماكن انتظار واضحة، ولا إطار تنظيمي متكامل يحدد الحقوق والواجبات.
للأسف ارتكبنا الخطأ نفسه مع التوك توك. تركناه ينتشر بلا تنظيم حتى تحولت فوائده إلى فوضى، ثم بدأنا نبحث عن حلول متأخرة.
لكن السكوتر الكهربائي ليس توك توك جديدا. بل يمكن أن يكون جزءا من مستقبل النقل الحضري إذا جرى التخطيط له بشكل صحيح منذ البداية.
فالطرق موجودة، والمدن الجديدة تتوسع، والدولة تتبنى خططا طموحة للتحول نحو الطاقة النظيفة والمركبات الكهربائية. والمسؤول يمكنه أن يحدد معايير السرعة من اجل السلامة.
لكن النجاح يتطلب رؤية شاملة لا رؤية ضيقة. 
هنا تعلمت ان التكنولوجيا لا تصبح مشكلة بسبب وجودها، بل بسبب غياب الإدارة الجيدة لها.
وخلال هذه السنوات تعلمت أيضا أن النظام ليس مجموعة من اللافتات والغرامات والكاميرات فقط.
النظام في جوهره هو القدرة على رؤية المستقبل قبل أن يصل.
أن تتوقع المشكلة قبل وقوعها، وأن تستعد لها قبل أن تتحول إلى أزمة، وأن تدرك أن التطور يحمل معه دائما آثارا جانبية لا تقل أهمية عن فوائده.
ولهذا لم تنجح بكين لأنها خالية من الأخطاء، بل لأنها اعتادت أن تتعامل مع الأخطاء باعتبارها جزءا من عملية التعلم والتطوير.
السؤال ليس ما إذا كان علينا السماح بانتشار السكوتر الكهربائي أم لا.
السؤال الحقيقي هو: هل سنستعد للمشكلات المتوقعة قبل وقوعها؟
هل سنبني البنية التحتية اللازمة؟
هل سنوفر مسارات آمنة؟
هل سننشئ محطات شحن ومواقف منظمة؟
هل سنضع قواعد واضحة للاستخدام والسلامة؟
وهل نعمل بجد على توطين صناعته؟
إذا فعلنا ذلك، فقد يتحول السكوتر إلى وسيلة تساهم في تقليل الازدحام، وتخفيض الانبعاثات، وتسهيل الحركة داخل المدن الجديدة، وربما تشجيع مزيد من الناس على السكن والعمل فيها.
أما إذا اكتفينا بالمنع والمصادرة، فسوف نخسر فرصة جديدة قبل أن نفهمها.
لقد غيّر السكوتر شكل الحياة في بكين، لكنه لم ينجح وحده.
الذي نجح هو قدرة المدينة على التنبؤ بالمشكلات والاستعداد لها قبل أن تتحول إلى أزمات.
وهذه هي الرسالة التي أعتقد هناك حاجة للتأكيد عليها اليوم.
ليس أن نكرر تجربة بكين حرفيا، بل أن نتعلم منها كيف نفكر قبل أن تصبح المشكلة أكبر من قدرتنا على حلها، وكيف ننظم النجاح قبل أن نضطر إلى إدارة الفوضى.