الدكتور محمد حمزة يكتب: البلطجة بين السلاح والكلمة.. هل أصبحت الهيمنة على العقول أخطر من الهيمنة على الشارع؟
المؤرخ يسأل ويجيب عن السؤال الأهم والمسكوت عنه وهو هل للبلطجة وجوه أخري؟ بعد ماحدث مؤخرا في التجمع الخامس شرق القاهرة طفت علي السطح من جديد وبقوة ظاهرة الحديث عن البلطجة؟؟
وهنا كان لا بد للمؤرخ من أن يدلي بدلوه في الموضوع ويؤصل المصطلح تاريخيا وأثريا وشعبيا وقانونيا ؟ ثم يطرح تسأول مهم وهو هل للبلطجة وجوه أخري غير. الوجه التقليدي المعروف عنها والمجرم قانونيا ؟ وهل هذه الوجوه الاخري مجرمة أيضا أم غير مجرمة؟؟؟
بداية البلطجة مصطلح تاريخي تركي له شواهد وأدلة أثرية باقية وهو يتكون من لفظين البلطة وهي أداة القطع المعروفة واللاحقة جي التي تطلق علي الوظيفة أو صاحب المهنة ومن ثم فالمصطلح كان يطلق علي من يحملون البلطة أو الفأس من الحرس السلطاني أو المشاة الذين كانت مهمتهم تمهيد الطرق وقطع الأشجار أثناء سير الجيوش وكان المصطلح خلال العصر المملوكي يقال له طبردار (من داشتن دار الفارسية بمعني يحمل أو يمسك) أي حامل الطبر وهي البلطة أو الفأس ولدينا ادلة أثرية كثيرة في المتاحف كمتحف الفن الإسلامي بالقاهرة والمتروبوليتان في نيويورك وغيرها لنماذج باقية تعد تحفا فنية وكان يقال لهؤلاء في العصر المملوكي الطبردارية أي حاملي البلط أو الفؤوس في الحرس السلطاني وفي كتب النظم كالقلقشندي وغيرها تفاصيل عنهم فضلا عن موسوعة الفنون والوظائف للمرحوم استاذنا. د حسن الباشا وكتابه الألقاب الإسلامية في التاريخ والوثائق والآثار.
أما في العصر الحديث فقد إكتسب المصطلح دلالة شعبية دارجة ثم قانونية تعني الإجرام و
الاعتداء علي الآخرين قهرا واستعراض القوة أو التلويح بالعنف لترويعهم وفرض الإتاوات وفرض السيطرة عليهم وسلب حقوقهم بالقوة ودون وجه حق أي فتونة غير مشروعة وهذا السلوك يعد خروجا عن القانون والأعراف المجتمعية السائدة.
ومن مترادفات هذا المصطلح الشبيحة وهومصطلح سائد في سوريا كما يطلق علي البلطجة المدرسية والإلكترونية مصطلح التنمر Bullying وهناك مصطلحThug
وهو مصطلح كان يطلق في الهند علي طائفة من اللصوص ثم أصبح يطلق علي الخارجين عن القانون.
والمهم أن البلطجة تصنف قانونا تحت بند
جرائم إستعراض القوة وترويع المواطنين وتقوم علي ركنين احدهما مادي والآخر معنوي أو قصدي وهو مايتراب عليه تكدير
السلم العام وبث الخوف والرعب والمساس بأمن وطمانينة الأفراد وإلحاق الضرر بممتلكاتهم.
ومع ذلك هناك فرق بين البلطجة والتنمر فالبلطجة ترتكز علي الترويع المادي وفرض السيطرة الإجبارية بالقوة البدنية من قبل البلطجي نفسه أو بودي جارداته اللي عاملين مثل الثيران المعضلة ومن بينهم من يأكل خروفا كاملا في وجبته الرئيسة أو بقوة السلاح الأبيض أو الناري بينما التنمر فيرتكز علي الايذاء النفسي واللفظي المتكرر لاستغلال ضعف الشخصية.
والبلطجي شخص يتبني سلوكا إجراميا صريحا ولديه رغبة في كسر هيبة القانون وبث الرعب في المجتمع كله أما التنمر فيرتكز علي اختلال ميزان القوي فالمتنمر يستهدف ضحية يعلم إنه ا أضعف منه جسديا ونفسيا واجتماعيا لتعويض نقص داخلي لديه. ولذلك يكثر التنمر وينتشر مع النساء والأطفال في المدارس.
والخلاصة أنه رغم تداخل المصطلحين في مفهوم استعراض القوة إلا أن لكل منهما أبعادا نفسية وقانونية مختلفة.
وإذا كان هذا هو الوجه الواضح والصريح والمباشر للبلطجة وهو الوجه الذي يعد جريمة ويعاقب عليها قانون العقوبات ولا خلاف في ذلك؟
فهل هناك وجوها أخري للبلطجة مسكوت عنها وغير مجرمة قانونا في قانون العقوبات بمواد ونصوص مباشرة وصريحة؟؟؟
نعم هناك وجوه اخري للبلطجة وهي البلطجة الفكرية والإعلامية وهي البلطجة التي تعد إمتدادا معنويا للبلطجة المادية التقليدية المعروفة والتي تحدثنا عنها أنفا
ولكن وفق أدوات وأساليب أخري فبدلا من الأسلحة البيضاء والنارية والقوة البدنية في البلطجة المادية التقليدية. المعروفة تستخدم ادوات وأساليب فكرية ولغوية ونفسية ومنصات رقمية وميليشيات وكتائب ولجان إلكترونيةلصياغة العقول. وتجهيلها وفرض الاراء وتشويه المخالفين وتوجيه الجماهير قسرا نحو تبني وجهات معينة ؟ وهناك دراسات كثيرة محلية واقليمية ودولية ومن بينها رسائل الماجستير والدكتوراة حول البلطجة الفكرية والبلطجة الإعلامية فحواها ان البلطجة الفكرية تستهدف ارهاب العقل وقمع حرية التعبير عبر وسائل عديدة منها إقصاء المخالف وتخوينه ووصمه بالخيانة والعمالة والجهل وهو ما يؤثر سلبا علي البقية والآخرين مما يؤدي إلى انتشار نظرية دوامة الصمت ؟ ومنها الوصاية الفكرية وفحواها ان تدعي فئة أو تيار معين علماني أو الحادي أو تنويري احتكار التنوير والتجديد أو الدين أو الوطنية ومنع الآخرين من حق النقاش في هذه المساحات؟
ومنها الاغتيال المعنوي حيث يتم التركيز علي تشويه سمعة المفكرين أو الباحثين شخصيا بدلا من تفنيد افكارهم ومناقشتها بموضوعية. وعلميّة؟
اما البلطجة الإعلامية Media Bullying
Thuggery
فإنها تهدف من خلال الميليشيات الرقمية واللجان والكتائب والمنصات الإلكترونية إلى غسل الأدمغة الموجهة وابتزاز المسؤولين والمجتمع وبعقد مقارنة بسيطة نجد ان البلطجة التقليدية أداتها القوة البدنية والأسلحة البيضاء والنارية بينما البلطجة الفكرية والإعلامية أداتها الكلمة والفضاء الرقمي والشاشات والمنتديات.والصالونات والحسابات الوهمية والشائعات ؟؟ والمستهدف في البلطجة التقليدية هوجسدالضحية وممتلكاته وأمنه المادي ؟اما المستهدف في البلطجة الفكرية والإعلامية فهو وعي الضحية وسمعتها وحريتها في التفكير والتعبير بحق وبالتالي هدم الرموز وزلزلة الثوابت والتشكيك فيها
وتفتيت الهويات وصناعة هويات جديدة وصناعة تاريخ بديل؟
وإذا كانت الملاحقة القانونية للبلطجة التقليدية واضحة ومجرمة بنصوص صريحة في قانون العقوبات؟ فإن البلطجة الفكرية والإعلامية غير واضحة بل ومعقدة لصعوبة إثبات القصد والتحجج الدائم بحرية الرأي والتعبير؟
وهنا يثور تساؤل مهم وملح وهو لماذا لا تدرج البلطة الفكرية والإعلامية تحت مادة البلطجة التقليدية المعروفة؟؟؟
والحق إنه لايوجد نص قانوني صريح ومباشر يستعمل. مصطلح البلطجة الفكرية أو البلطجة الإعلامية فالمادة 375مكرر من قانون العقوبات ( الخاصة بالبلطجة واستعراض القوة) تشترط صراحة في ركنها المادي الترويع القائم علي التلويح بالعنف البدني أو استخدام الأسلحة أو القهر المادي لفرض السيطرة؟
ومع ذلك فإن الأفعال والممارسات التي تندرج تحت مفهومي البلطجة الفكرية والبلطجة الإعلامية مجرمة ومحكومة بنصوص قانونية صارمة عبر مواد متفرقة في قانون العقوبات وتنظيم الإعلام ومكافحة جرائم تقنية المعلومات؟
وتكيف المحافظة علي الأمن الفكري والمجتمعي هذه المسميات تحت المسميات والأطر القانونية ومنها المواد 302-308 ( تفنيد السب والقذف والتشهير) والمادة98و (ازدراء الأديان واثارة الفتن) وكذلك مايتعلق بالتهديد والابتزاز المعنوي؟ وبث الاخبار الكاذبة وتكدير السلم العام أو إثارة الفزع بين الناس ( المادة 188والمادة 80د )
اما مايتعلق بإستخدام المنصات الإعلامية فهو يخضع لقوانين النشر والعلانية والجرائم الإلكترونية لضمان التوازن بين معاقبة الابتزاز وحماية حرية التعبير المكفولة دستوريا؟ ومنها قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات( جرائم الإنترنت) المادة25 ؟
وكذلك أكواد المجلس الاعلي لتنظيم الإعلام فإن المجلس يمتلك سلطات قانونية لتوقيع الجزاءات الإدارية والمالية والتي تصل إلى إغلاق المنصات وسحب تراخيص العمل الإعلامي في حالة مخالفةكود ضوابط نشر الحزينة أو استخدام لغة تحض علي الكراهية والعنف أو ترويع الضحايا إعلاميا؟ ولاتنسي ايضا الحسابات الوهمية لانتهاك حرمة الحياة الخاصة وتوجيه حملات الهجوم المنظم وهومايعرف اصطلاحا باسم الذباب الإلكتروني؟
وعلي ضوء ماتقدم فإنه يتضح لنا وجود تقصير وخلل لعدم ادراج البلطجة الفكرية والبلطجة الإعلامية بمسمياتهما الصريحة والمباشرة في مواد ونصوص مستقلة وواضحة في قانون العقوبات فإن البلطجة الفكرية والبلطجة الإعلامية من وجهة نظري اخطر بكثير من البلطجة المادية التقليدية المعروفة والمنصوص عليها في القانون لأنها لاتسرق مال الفرد أو تهدد أمنه المؤقت فحسب بل تختطف المجال العام بأكمله وتزيف وعي المجتمع لفترات طويلة
بل وتساعد في إثارة الفتن الطائفية وحقوق المواطنة وتشكك في الثوابت وتزلزل أركانها وتهدم الرموز وتفتت الهوية لاحلال هويات جديدة وتصنع تاريخا بديلا ولا ننسي أيضا ثوابت الأديان السماوية الثلاثة ولا سيما مايتعلق بالشريعة والمنهج مصداقا لقول الحق في سورة المائدة أيه 48( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) صدق الله العظيم.
ولذلك يجب علي القيادة السياسية التي وضعت قواعد وأرست دعائم وأسس الجمهورية الجديدة خلال العقد الأخير أن توجه باتخاذ الإجراءات اللازمة من خلال المجالس التشريعية والتنفيذية نحو تعديل قانون العقوبات بإضافة نصوص واضحة صريحة ومباشرة تخص البلطجة الفكرية والبلطجة الإعلامية ومعاقبة من يرتكب مثل هذا النوع من البلطجة عامة وما يتعلق منها بالدين وتاريخ الوطن وهويته وآثاره وتراثه خاصة وعدم إستضافة غير المتخصصين في هذه المجالات. عبر وسائل الإعلام والفضاء الرقمي بمختلف وسائله وأنواعه؟
وإذا كانت حرية الفكر والتعبير مكفولة للجميع دستوريا فإنها لاتعني أن نترك الحبل علي الغارب لكل من هب ودب ليقول مايشاء وكيفما يشاء ؟؟
وإنما هناك معايير وضوابط ومناهج علمية معروفة علي مستوي العالم ؟ فإذا كانت هناك قضايا علمية خلافية في مايمس التاريخ والآثار والأديان والهويات فيجب مناقشتها علميا وبموضوعية وبدون اجندات خارجية أو ايديولوجيات فكرية أو توجهات معينة وفقا للمنهج العلمي السليم وفي حضور المتخصصين من اصحاب الفرز الأول بصفة خاصة؟ وبالتالي فإن هناك العديد من البرامج والبودكاست يجب أن يعاد النظر في ما تقدمة قصرا علي أصحاب
الأجندات والتوجيهات المعينة ومنها برنامج مختلف عليه. ومنصة بودكاست تكوين ومجتمع وعشرات أخري غيرها ؟
وإن نظرة واحدة لما يقال ويردد من قبل أشخاص معينة مكررة في كل البرامج والمنصات والبودكاست في ظل عدم وجود أهل التخصص من الفرز الأول تكفي لإثبات
ما قلناه من جهة وتدعو لاستعجال تعديل القانون وإستصدار تشريع ملزم يمنع العبث بالثوابت ويهدم الأركان ويفتت الهويات ويصنع تاريخا بديلا لا وجود له أصلا وغير معترف به علميا من جهة اخري ؟
اللهم قد بلغت ؟
اللهم فإشهد؟