< كواليس سقوط عصابة استغلت عقود الإيجار في الاستيلاء على السيارات وبيعها بوثائق مزورة
النبأ
رئيس التحرير
خالد مهران

كواليس سقوط عصابة استغلت عقود الإيجار في الاستيلاء على السيارات وبيعها بوثائق مزورة

مافيا تأجير السيارات
مافيا تأجير السيارات والتزوير تسقط في قبضة العدالة

كشفت تحقيقات النيابة العامة تفاصيل واحدة من أخطر قضايا تزوير المحررات الرسمية والاستيلاء على السيارات خلال الفترة الأخيرة، بعدما نجحت الأجهزة الأمنية في تفكيك تشكيل عصابي تخصص في استغلال نشاط تأجير السيارات كستار لتنفيذ مخطط إجرامي محكم يهدف إلى الاستيلاء على المركبات المملوكة للمواطنين وإعادة بيعها عبر توكيلات رسمية مزورة ومستندات مصطنعة أعدت خصيصًا لخداع الجهات الرسمية والمشترين.

أوراق القضية كشفت عن أسلوب إجرامي معقد اعتمد على تزوير بطاقات الرقم القومي واستخراج توكيلات رسمية من مكاتب الشهر العقاري باستخدام بيانات حقيقية لأصحاب السيارات، قبل التصرف في المركبات بالبيع للغير وتحقيق مكاسب مالية غير مشروعة على حساب الضحايا.

بداية الخيط.. سيارات تختفي بعد تأجيرها

بدأت وقائع القضية عندما لجأ مالك عدد من السيارات إلى تأجير مركباته من خلال أحد مكاتب تأجير السيارات المتخصصة في تشغيل السيارات بالسياحة والنقل الخاص، وهو إجراء يبدو معتادًا في سوق تأجير السيارات الذي يعتمد على الثقة المتبادلة بين الملاك والمكاتب العاملة في هذا المجال.

في البداية سارت الأمور بصورة طبيعية، حيث جرى تسليم السيارات وفق العقود المتفق عليها، إلا أن المفاجأة وقعت عندما انقطعت الاتصالات بشكل كامل مع أحد الأشخاص الذين تسلموا السيارات بغرض التشغيل، وأصبح الوصول إليه مستحيلًا بعدما أغلق هاتفه المحمول واختفى بصورة مفاجئة.

حاول أصحاب السيارات تتبع المركبات باستخدام أجهزة التتبع الإلكترونية المثبتة بها، إلا أن نتائج البحث قادتهم إلى مفاجآت أكثر خطورة بعدما تبين أن السيارات لم تعد في أماكن تشغيلها المعتادة، وأنها انتقلت إلى حوزة أشخاص آخرين لا تربطهم أي علاقة تعاقدية بأصحابها الأصليين.

تشكيل عصابي بثلاثة أدوار مختلفة

أظهرت التحقيقات أن المتهمين الثلاثة كانوا يعملون ضمن تشكيل عصابي منظم لكل فرد فيه دور محدد يسهم في تنفيذ المخطط الإجرامي.

المتهم الأول، وهو رجل يبلغ من العمر أربعة وأربعين عامًا، تولى جانبًا من التنسيق والتنفيذ داخل المخطط، بينما استغل المتهم الثاني نشاطه في مجال خدمات الليموزين للحصول على السيارات وإدخالها ضمن دائرة الجريمة دون إثارة الشبهات.

أما المتهم الثالث، وهو تاجر سيارات، فقد لعب الدور الأبرز في عملية إعادة بيع المركبات والتعامل مع المشترين وإتمام إجراءات نقل الملكية باستخدام التوكيلات المزورة التي جرى استخراجها مسبقًا.

وأشارت التحريات إلى أن أفراد التشكيل لم يعملوا بمفردهم، بل استعانوا بشخص مجهول تولى تنفيذ عمليات التزوير الفني المتعلقة ببطاقات الرقم القومي المستخدمة في انتحال شخصية مالكي السيارات الحقيقيين.

بطاقة رقم قومي مزورة تفتح أبواب الشهر العقاري

كشفت أوراق التحقيق أن نقطة الانطلاق الرئيسية للجريمة تمثلت في اصطناع بطاقة تحقيق شخصية مزورة منسوب صدورها إلى قطاع الأحوال المدنية باسم مالك إحدى السيارات.

وحسب ما ورد بالتحقيقات، قام المتهمون بإمداد الشخص المجهول بالبيانات المطلوبة، فتم إعداد بطاقة هوية مزورة تحمل بيانات صحيحة تخص المالك الحقيقي، لكنها تحمل صورة شخص آخر تم تجهيزه للقيام بدور الضحية داخل الجهات الرسمية.

وبمجرد الانتهاء من إعداد البطاقة المزورة بدأت المرحلة الأخطر في المخطط، حيث جرى التوجه إلى أحد مكاتب التوثيق التابعة لمصلحة الشهر العقاري لاستخدامها في استخراج توكيلات رسمية تتيح التصرف في السيارة وكأن المالك الحقيقي هو من أصدرها بنفسه.

انتحال صفة المالك أمام الموظفين

أوضحت التحقيقات أن الشخص المنتحل توجه إلى مكتب توثيق فرع المرج حاملًا بطاقة الهوية المزورة، وقدم نفسه باعتباره مالك السيارة الحقيقي.

وأمام الموظف المختص تم اتخاذ الإجراءات المعتادة دون إثارة أي شكوك، حيث بدت المستندات المقدمة سليمة من الناحية الشكلية، الأمر الذي دفع الموظف حسن النية إلى اعتماد التوكيل وإصداره وفقًا للإجراءات القانونية المتبعة.

وبهذا الإجراء حصل المتهمون على توكيل رسمي يتيح لهم بيع السيارة للنفس أو للغير، وهو ما وفر لهم غطاءً قانونيًا ظاهريًا يسمح بالتصرف في المركبة وكأنها مملوكة لهم.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ كشفت التحقيقات عن استخراج توكيل آخر مرتبط بالسيارة ذاتها ضمن خطة محكمة لتسهيل عملية البيع وإبعاد الشبهات عن الجناة.

الضحايا يكتشفون الكارثة

أمام جهات التحقيق روى أصحاب السيارات تفاصيل الصدمة التي تعرضوا لها بعد اكتشاف اختفاء مركباتهم.

وأكد أحد الشهود أنه فوجئ بانقطاع الاتصال بالشخص الذي تسلم السيارات، وعندما حاول تحديد مكانها عبر أجهزة التتبع اكتشف أن المركبات خرجت من نطاق التشغيل المتفق عليه.

وبعد مراجعة البيانات الرسمية تبين وجود توكيلات بيع صادرة باسم مالك السيارات، وهو ما أثار الشكوك ودفعه إلى إبلاغ الجهات المختصة.

أما المالك الحقيقي للسيارات فأكد بصورة قاطعة أنه لم يصدر أي توكيلات بيع أو تصرفات قانونية تتعلق بمركباته، وأنه لم يتعامل مع أي من المتهمين أو المشترين الذين ظهرت أسماؤهم لاحقًا في الأوراق الرسمية.

ضحايا جدد سقطوا في فخ الاحتيال

القضية لم تقتصر أضرارها على أصحاب السيارات فقط، بل امتدت إلى مواطنين اشتروا المركبات بحسن نية معتقدين أنهم يبرمون صفقات قانونية سليمة.

فقد أوضحت التحقيقات أن المتهم الثالث عرض إحدى السيارات للبيع مستندًا إلى التوكيلات الرسمية المستخرجة من الشهر العقاري، وهو ما منح المشترين شعورًا بالثقة في صحة الإجراءات.

ودفع المشترون مبالغ مالية كبيرة للحصول على السيارة، قبل أن يكتشفوا لاحقًا أن المستندات التي اعتمدوا عليها كانت مزورة وأن السيارة محل نزاع جنائي.

وبذلك تحولوا من مشترين إلى ضحايا احتيال بعدما خسروا أموالهم ودخلوا في دوامة من الإجراءات القانونية لإثبات حسن نيتهم واسترداد حقوقهم.

شهادة الشهر العقاري تكشف كيفية تمرير المستندات

وخلال التحقيقات استمعت النيابة إلى أقوال إحدى الباحثات القانونيات بمصلحة الشهر العقاري، والتي أوضحت أن التوكيلات جرى تسجيلها بناءً على المستندات المقدمة آنذاك دون وجود ما يكشف عن تزويرها.

وأكدت أن الموظفين المختصين تعاملوا مع الأوراق باعتبارها صحيحة ظاهريًا، وأن إجراءات التوثيق تمت وفق البيانات والمستندات التي قدمها المتهمون.

وتبرز هذه الشهادة جانبًا مهمًا من القضية يتمثل في استغلال الجناة لحسن نية الموظفين العموميين واستخدام مستندات مزورة أعدت باحترافية كبيرة مكّنتهم من تمريرها داخل الجهات الرسمية.

تحريات المباحث والأموال العامة تؤكد المخطط

التحريات التي أجرتها الأجهزة الأمنية، سواء من جانب مباحث الشروق أو الإدارة العامة لمكافحة جرائم الأموال العامة، أكدت صحة البلاغات المقدمة من الضحايا.

وأثبتت التحريات أن المتهمين اتفقوا فيما بينهم على استئجار السيارات أولًا ثم إعداد بطاقة رقم قومي مزورة باسم مالكها الحقيقي، تمهيدًا لاستخراج توكيلات رسمية تسمح لهم بالتصرف فيها.

كما توصلت التحريات إلى أن الهدف النهائي من الجريمة كان إعادة بيع السيارات لمواطنين آخرين والاستيلاء على قيمتها المالية، ثم الاختفاء قبل اكتشاف الواقعة.

وأكدت نتائج التحريات أن ما جرى لم يكن تصرفًا فرديًا أو عارضًا، بل نشاطًا إجراميًا منظمًا اعتمد على توزيع الأدوار والتخطيط المسبق لتحقيق أكبر قدر من المكاسب غير المشروعة.

الطب الشرعي يحسم الجدل

الضربة الأقوى التي وجهتها التحقيقات إلى المتهمين جاءت عبر تقرير مصلحة الطب الشرعي قسم أبحاث التزييف والتزوير.

فبعد فحص المستندات والتوقيعات محل النزاع توصل الخبراء إلى نتيجة حاسمة أكدت أن المتهم الثالث هو من حرر بيده التوقيعات الخاصة بالمشتري والمدونة على التوكيل المستخدم في عملية البيع.

وجاء التقرير الفني ليدعم الأدلة الأخرى الموجودة في القضية ويؤكد الارتباط المباشر للمتهم بعملية التزوير، الأمر الذي عزز موقف الاتهام أمام النيابة العامة.

واعتبرت جهات التحقيق أن التقرير العلمي يمثل دليلًا فنيًا قاطعًا لا يترك مجالًا واسعًا للإنكار أو التشكيك في دور المتهمين داخل التشكيل العصابي.

وتسلط هذه القضية الضوء على خطورة الجرائم المرتبطة بتزوير المحررات الرسمية واستغلال الثغرات الناتجة عن الثقة في المستندات الشكلية، كما تكشف حجم المخاطر التي قد يتعرض لها أصحاب السيارات وشركات التأجير عند التعامل مع أشخاص يخفون وراء نشاطهم الظاهري مخططات احتيالية معقدة تستهدف الاستيلاء على الممتلكات وتحويلها إلى أرباح غير مشروعة.