< محمد مازن يكتب من بكين: مصر والصين.. ٧٠ عاما من الصمود في وجه العواصف
النبأ
رئيس التحرير
خالد مهران

محمد مازن يكتب من بكين: مصر والصين.. ٧٠ عاما من الصمود في وجه العواصف

النبأ

تشرفت اليوم بحضور الاحتفال بمرور 70 عاما على تأسيس العلاقات المصرية الصينية، وذلك بدعوة كريمة من السفارة المصرية في الصين وجمعية الشعب الصيني للصداقة مع الدول الأجنبية، وسط حضور رفيع ضم السفير المصري لدى الصين خالد نظمي، ونائب رئيس المجلس الوطني لنواب الشعب الصيني وعددا  من المسؤولين الصينيين  والسفراء والشخصيات العامة من مختلف المجالات.
الحفل كان مميزا للغاية، خاصة مع العروض الفنية والموسيقية المصرية الصينية التي عكست روح التقارب الثقافي والإنساني بين البلدين، وكأنها تذكر الجميع بأن العلاقات بين الدول لا تبنى فقط بالسياسة والاقتصاد، بل أيضا بالمشاعر والذاكرة والثقافة المشتركة.
وخلال كلمته، استعرض السفير خالد نظمي تطور العلاقات المصرية الصينية وقوتها عبر العقود
وهي بالفعل علاقة تستحق التأمل، فعلى مدار سبعين عاما، ظلت القاهرة وبكين تقدمان نموذجًا نادرا في العلاقات الدولية، قائما على الاحترام المتبادل، وعدم التدخل، وفهم المصالح المشتركة بعيدا عن الضجيج والخلافات.
ومن يدقق النظر في تاريخ هذه العلاقة الممتد منذ عام 1956، يكتشف أمرا لافتا للغاية؛ فرغم كل العواصف التي مرت بالعالم، لم تشهد العلاقات المصرية الصينية أزمة واحدة ولا حتى تلاسن إعلامي كبير بين البلدين. وهذا في حد ذاته أمر نادر في عالم السياسة الدولية، خاصة حين نتحدث عن سبعة عقود كاملة شهدت حروبا وتحولات وصعود قوى وسقوط أخرى.
برأيي، هذا الصمود لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة “كتالوج” دقيق وغير معلن لإدارة العلاقة بين البلدين؛ يقوم على خمس قواعد أساسية صنعت هذا التوازن والاستقرار.
أولى هذه القواعد هي الاحترام المطلق للسيادة والملفات الوجودية لكل طرف. فمصر كانت من أوائل الدول التي دعمت مبدأ “الصين الواحدة” واعتبرت تايوان جزءًا لا يتجزأ من الأراضي الصينية، وهو ملف يمثل حساسية قصوى لبكين. وفي المقابل، حافظت الصين دائما على موقف متزن يحترم القضايا السيادية المصرية، سواء فيما يتعلق بقناة السويس أو الحقوق التاريخية لمصر في مياه النيل، رغم علاقاتها الاقتصادية الواسعة مع دول أخرى في المنطقة.
القاعدة الثانية هي غياب “عقدة الوصاية”. فالعلاقة المصرية الصينية لم تبن على فكرة فرض الشروط السياسية أو التدخل في الشؤون الداخلية، بل على البراغماتية واحترام خصوصية كل دولة. وهذا ما منح الطرفين راحة سياسية وثقة متبادلة نادرا ما تتوفر في العلاقات الدولية المعاصرة.
أما القاعدة الثالثة فهي إدارة الاختلالات الاقتصادية بقدر كبير من النضج. صحيح أن الميزان التجاري يميل بقوة لصالح الصين، لكن القاهرة وبكين تعاملتا مع هذا الملف بهدوء وعقلانية، عبر توسيع الاستثمارات الصينية داخل مصر، ودعم التصنيع المشترك، ونقل التكنولوجيا، وفتح السوق الصينية تدريجيا امام المنتجات المصرية، إلى جانب تنامي السياحة والتبادل التعليمي والثقافي.
اللافت أيضا أن البلدين نجحا في تجنب فخ الاستقطاب الدولي. فالصين تدرك طبيعة العلاقات الاستراتيجية المصرية مع الولايات المتحدة والغرب، ومصر في المقابل تفهم طبيعة الصعود الصيني كمشروع عالمي، دون النظر إليه بعقلية الصراع الصفري. لذلك ظلت العلاقة مرنة وقادرة على التكيف مع كل التحولات الدولية دون توتر أو حساسيات حادة.
وربما السمة الأهم في هذه العلاقة هي “الدبلوماسية الهادئة”. فحتى عندما تظهر تباينات في بعض الملفات، يتم التعامل معها بعيدا عن الضجيج الإعلامي، عبر الحوار والقنوات الدبلوماسية المغلقة، حفاظًا على صورة الشراكة الاستراتيجية واستقرارها.
لكن ما يجعل هذه العلاقة أكثر عمقًا هو أنها تجاوزت حدود السياسة الرسمية، وأصبحت علاقة إنسانية وثقافية أيضا. فهناك آلاف الطلاب المصريين الذين درسوا في الصين، وعائلات مصرية عاشت التجربة الصينية عن قرب، كما أصبح الشعب الصيني أكثر قربا من الثقافة المصرية وحضارتها وتاريخها.
تبدو العلاقات المصرية الصينية مختلفة؛ فهي ليست مجرد مصالح عابرة، بل تقارب بين حضارتين عريقتين تعرفان جيدا معنى الدولة والاستمرارية والصبر التاريخي.
وفي عالم يمتلئ بالصراعات والاستقطاب الحاد، تبدو تجربة العلاقات المصرية الصينية وكأنها رسالة سياسية هادئة تقول إن الاحترام المتبادل والعقلانية والمصالح المشتركة يمكن أن تصنع شراكات طويلة العمر وأكثر استقرارا من التحالفات الصاخبة والمؤقتة.
سبعون عاما مرت على تأسيس العلاقات المصرية الصينية، لكن  العلاقة تبدو اليوم أكثر قوة ونضجا من أي وقت مضى، وربما ما تحقق حتى الآن ليس سوى بداية لمساحة أكبر من التعاون والشراكة بين القاهرة وبكين خلال السنوات القادمة.