< سقوط «تاجر السلاح الإلكتروني» بحلوان.. واتساب يقود الأمن لضبط ترسانة أسلحة وذخائر
النبأ
رئيس التحرير
خالد مهران

سقوط «تاجر السلاح الإلكتروني» بحلوان.. واتساب يقود الأمن لضبط ترسانة أسلحة وذخائر

سقوط أخطر تاجر طبنجات
سقوط أخطر تاجر طبنجات وذخائر بحلوان

في واحدة من الضربات الأمنية النوعية التي كشفت كيف تحولت تطبيقات التواصل الاجتماعي إلى منصات خفية لتجارة السلاح والذخائر بعيدًا عن أعين القانون، نجحت الأجهزة الأمنية في إسقاط متهم اتخذ من مناطق حلوان و15 مايو مسرحًا لنشاطه الإجرامي، بعدما أنشأ ما يشبه “متجرًا رقميًا” لبيع الطبنجات والطلقات الحية عبر تطبيق “واتساب”، مستغلًا التكنولوجيا الحديثة في استقطاب الزبائن وترويج الأسلحة النارية بمختلف أنواعها.

القضية التي بدأت بمعلومة سرية دقيقة انتهت بإحالة المتهم محبوسًا إلى محكمة الجنايات، بعد ضبط ترسانة من الأسلحة والذخائر داخل منزله، وكشف شبكة تواصل إلكترونية استخدمت في عرض صور وفيديوهات لأسلحة معدة للبيع، في واقعة تعكس خطورة تنامي جرائم الاتجار غير المشروع بالسلاح عبر الفضاء الرقمي.

مخزن المسدسات الإلكتروني

البداية كانت عندما رصدت الإدارة العامة لمكافحة الأسلحة والذخائر غير المرخصة نشاطًا مشبوهًا عبر تطبيق “واتساب”، حيث كشفت التحريات السرية قيام شاب في أواخر العشرينات من عمره بإدارة صفحة عامة تحمل اسم “Pistol STORE”، يقوم من خلالها بعرض صور ومقاطع فيديو لطبنجات وذخائر مختلفة، مع الترويج لإمكانية البيع والتسليم المباشر للراغبين في الشراء.

وكشفت التحريات أن المتهم لم يكتف بعرض الأسلحة فحسب، بل اعتمد على أسلوب احترافي في إدارة نشاطه، إذ كان يستخدم أكثر من هاتف محمول وحسابات إلكترونية مختلفة لتفادي الرصد الأمني، مع تحديد أماكن متغيرة لتسليم الصفقات بعيدًا عن المناطق المزدحمة، معتمدًا على التواصل المشفر وإرسال الصور والفيديوهات للعملاء قبل إتمام البيع.

وأوضحت التحريات أن مناطق حلوان و15 مايو كانت تمثل النطاق الرئيسي لتحركات المتهم، حيث اعتاد مقابلة المشترين في أماكن عامة قرب محطات المترو والطرق السريعة لتجنب إثارة الشبهات، بينما احتفظ بباقي المضبوطات داخل مسكنه في مكان سري أعده خصيصًا لتخزين الأسلحة والذخائر.

خطة أمنية محكمة للإيقاع بالمتهم

عقب التأكد من صحة المعلومات واستصدار إذن النيابة العامة، وضعت الأجهزة الأمنية خطة محكمة لضبط المتهم متلبسًا أثناء إحدى عمليات التسليم، حيث جرى التنسيق بين فرق البحث الجنائي وضباط مكافحة الأسلحة، وتم تجهيز مأمورية سرية باستخدام سيارات ملاكي وميكروباصات لضمان عدم كشف عناصر القوة.

وفي مساء يوم الضبط، انتشرت القوات في محيط محطة مترو حلوان بعد تحديد موعد ومكان الصفقة، بينما تولت عناصر المراقبة متابعة تحركات المتهم لحظة بلحظة حتى وصوله إلى نقطة التسليم.

ومع اقتراب الساعة الحادية عشرة مساءً، ظهر المتهم حاملًا كيسًا بلاستيكيًا أسود اللون، وبمجرد التأكد من شخصيته أعطيت الإشارة المتفق عليها لتتحرك القوة بسرعة وتفرض سيطرتها الكاملة عليه قبل أن يتمكن من الهرب أو التخلص من المضبوطات.

خمس طبنجات وآيفون يقود شبكة البيع

بتفتيش الكيس الذي كان بحوزة المتهم، عثرت القوات على خمس طبنجات سوداء اللون مخبأة بعناية، إلى جانب هاتف محمول حديث من نوع “آيفون” تبين لاحقًا أنه الوسيلة الرئيسية المستخدمة في إدارة عمليات البيع والتواصل مع العملاء.

وكشفت الفحوصات الفنية الأولية للهاتف عن وجود عشرات الصور ومقاطع الفيديو الخاصة بالأسلحة والذخائر، فضلًا عن محادثات مع أشخاص يشتبه في تورطهم في عمليات شراء أو وساطة، إضافة إلى تسجيلات تحويلات مالية ومحادثات تتعلق بأسعار الأسلحة ومواعيد التسليم.

وأشارت التحقيقات إلى أن المتهم كان يعتمد على تصوير الأسلحة بطريقة احترافية لإقناع المشترين بجودة المعروضات، مع نشر محتوى مرئي يوحي بتوافر أنواع متعددة من الطبنجات والذخائر، في محاولة لاستقطاب أكبر عدد من العملاء عبر الإنترنت.

انهيار المتهم واعترافه الكامل

أمام حجم الأدلة والمضبوطات، انهار المتهم خلال التحقيقات الأولية، وأقر بحيازته للأسلحة والذخائر بقصد الاتجار غير المشروع، معترفًا بإدارته للحساب الإلكتروني المستخدم في عرض الأسلحة والتواصل مع المشترين.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ أبدى المتهم استعداده للإرشاد عن مكان تخزين باقي الأسلحة والذخائر، ليقود رجال الأمن إلى منزله في حلوان، حيث كانت المفاجأة الكبرى بانتظار القوات.

مداهمة منزل المتهم تكشف ترسانة ضخمة

بإرشاد المتهم، انتقلت قوة أمنية إلى مسكنه، وبدأت عملية تفتيش دقيقة استمرت لفترة طويلة، أسفرت عن العثور على كميات ضخمة من الأسلحة والذخائر المخزنة داخل أماكن سرية بعناية.

وضبطت القوات عددًا من الطبنجات الصوت المعدلة، وأسلحة نارية مششخنة وغير مششخنة، إضافة إلى كميات هائلة من الطلقات الحية بمختلف الأعيرة، فضلًا عن الصواعق الكهربائية وأجهزة الاتصال الحديثة المستخدمة في إدارة النشاط الإجرامي.

كما كشفت المعاينة وجود علب ذخيرة متعددة تحمل علامات تجارية مختلفة مثل “ozkursan” و“eco” و“PAX”، إلى جانب طلقات فيش وطلقات ذهبية وفضية كانت معدة للبيع والتوزيع على العملاء.

وأظهرت عمليات الجرد والتحريز أن المضبوطات تمثل ترسانة حقيقية من الأسلحة والذخائر، ما يعكس حجم النشاط الإجرامي الذي كان يديره المتهم عبر الإنترنت بعيدًا عن أعين الرقابة.

التكنولوجيا الحديثة تدخل عالم تجارة السلاح

القضية سلطت الضوء على تطور أساليب الاتجار غير المشروع بالسلاح، بعدما انتقلت تلك الجرائم من الطرق التقليدية إلى منصات التواصل الاجتماعي والتطبيقات المشفرة، حيث بات بعض المتهمين يستخدمون الهواتف الذكية والحسابات الرقمية لإدارة شبكات البيع والترويج.

ويرى متخصصون أن خطورة هذا النمط الإجرامي تكمن في سهولة الوصول إلى المشترين وسرعة تداول المحتوى، فضلًا عن صعوبة تتبع الحسابات الوهمية التي تستخدم في عمليات البيع، ما يدفع الأجهزة الأمنية إلى تطوير أدواتها التقنية بشكل مستمر لرصد تلك الأنشطة وإحباطها.

كما كشفت التحقيقات أن المتهم كان يراهن على استخدام تطبيق “واتساب” باعتباره وسيلة تواصل يصعب اختراقها، مع تغيير أرقام الهواتف بشكل متكرر لتفادي التتبع الأمني، إلا أن التحريات الفنية نجحت في كشف نشاطه وتتبع تحركاته بدقة حتى لحظة القبض عليه.

النيابة تواجه المتهم بالأدلة الرقمية والفنية

وخلال جلسات التحقيق، واجهت النيابة العامة المتهم بالأحراز المضبوطة والتقارير الفنية الخاصة بالهواتف المحمولة والمحادثات الإلكترونية، إلى جانب تقارير فحص الأسلحة والذخائر التي أثبتت صلاحيتها للاستخدام.

كما استمعت النيابة إلى أقوال ضباط الواقعة ومجري التحريات، الذين أكدوا أن المتهم كان يدير نشاطًا منظمًا لتجارة الأسلحة والذخائر دون ترخيص، مستغلًا وسائل التواصل الاجتماعي للترويج لنشاطه واستقطاب العملاء.

وأوضحت التحقيقات أن المتهم أنشأ حسابات إلكترونية خصيصًا لهذا الغرض، واستخدم صورًا ومقاطع فيديو للأسلحة المعروضة للبيع، مع الاتفاق على أماكن التسليم والدفع بشكل سري لتجنب الرصد الأمني.

إحالة عاجلة إلى محكمة الجنايات

وبعد انتهاء التحقيقات، أصدر المستشار المحامي العام لنيابة حلوان الكلية قرارًا بإحالة المتهم محبوسًا إلى محكمة الجنايات المختصة، مع استمرار حبسه احتياطيًا على ذمة القضية.

وأسندت النيابة إلى المتهم عدة اتهامات، أبرزها حيازة وإحراز أسلحة نارية وذخائر دون ترخيص بقصد الاتجار، وإنشاء وإدارة حسابات إلكترونية تستخدم في الترويج للأسلحة النارية والذخائر بالمخالفة للقانون.

وتأتي هذه القضية في وقت تكثف فيه الأجهزة الأمنية جهودها لمواجهة جرائم الاتجار غير المشروع بالسلاح، خاصة مع لجوء بعض العناصر الإجرامية إلى التكنولوجيا الحديثة ومنصات التواصل الاجتماعي لإدارة أنشطتهم بعيدًا عن الطرق التقليدية، وهو ما يمثل تحديًا أمنيًا متزايدًا يتطلب يقظة مستمرة وتنسيقًا تقنيًا وأمنيًا واسع النطاق.