< إسقاط شبكة تزوير عقاري دولية.. تحويل حلم الاستثمار في أكتوبر إلى قضية نصب كبرى
النبأ
رئيس التحرير
خالد مهران

إسقاط شبكة تزوير عقاري دولية.. تحويل حلم الاستثمار في أكتوبر إلى قضية نصب كبرى

فضيحة التوكيلات المزورة
فضيحة التوكيلات المزورة تهز شهر عقاري 15 مايو

في واحدة من أخطر قضايا التزوير العقاري التي كشفت عنها تحقيقات نيابة حلوان الكلية، ظهرت شبكة معقدة استغلت ثغرات الثقة والطمع في الاستثمار العقاري، وحولت حلم شراء قطعة أرض بمدينة السادس من أكتوبر إلى كابوس قانوني انتهى داخل أروقة النيابة العامة، بعدما تبين أن التوكيلات والأختام الرسمية المستخدمة في الصفقة ليست سوى محررات مزورة نُسبت زورًا إلى جهات دبلوماسية مصرية بالخارج.

القضية لم تتوقف عند حدود النصب العقاري التقليدي، بل امتدت إلى تزوير محررات رسمية وتقليد أختام حكومية منسوبة لوزارة الخارجية والقنصلية المصرية في إيطاليا، في محاولة لإضفاء الشرعية على صفقة وهمية استهدفت الاستيلاء على ملايين الجنيهات.

سمسار يعرض أرضًا بالحزام الأخضر

كشفت التحقيقات أن بداية الواقعة تعود إلى تعرف أحد المواطنين على شخص يدعى "محمد السيد"، يعمل وسيطًا عقاريًا بمنطقة جسر السويس ويمتلك مكتبًا بمحافظة الإسماعيلية، حيث عرض عليه قطعة أرض بمنطقة الحزام الأخضر بمدينة السادس من أكتوبر، مؤكدًا أنها مملوكة لشخص يدعى "سعد إبراهيم سعد".

وبحسب أقوال المجني عليه، جرى الاتفاق على شراء الأرض مقابل عشرة ملايين جنيه، على أن يتم السداد على دفعات متتالية، مستندًا إلى ما وصفه بثقة متبادلة بينه وبين السمسار، دون إجراء فحص قانوني دقيق للمستندات في بداية التفاوض.

مليون جنيه دفعة أولى ورحلة غامضة إلى إيطاليا

مع تقدم الاتفاق، سافر السمسار إلى دولة إيطاليا، وبدأ في استلام دفعات مالية من الضحية سواء عبر تحويلات أو تسليم نقدي، حتى بلغ إجمالي المبالغ التي حصل عليها نحو مليون جنيه كمقدم للصفقة.

وعندما طالب المشتري بالحصول على التوكيل الرسمي الذي يثبت صحة البيع وحق التصرف في الأرض، أخبره السمسار بأنه قام بإنهاء توكيل رسمي من داخل القنصلية المصرية بمدينة ميلانو الإيطالية، وأنه أرسل التوكيل إلى شخص آخر يدعى "نور الدين" لإيداعه في الشهر العقاري بمصر واستكمال الإجراءات القانونية الخاصة بالبيع.

السقوط داخل الشهر العقاري

المشهد انقلب بالكامل داخل مكتب توثيق 15 مايو، حين توجه المجني عليه برفقة المتهم "نور الدين" لاستخراج صورة رسمية من محضر إيداع التوكيل القادم من الخارج.

وخلال مراجعة الموظف المختص لبيانات التوكيل على النظام الإلكتروني الخاص بالشهر العقاري، ظهرت المفاجأة الصادمة؛ إذ تبين أن التوكيل غير مسجل رسميًا، وأن بياناته لا وجود لها ضمن سجلات وزارة الخارجية أو الإدارة القنصلية، كما أن أرقام التصديقات الواردة به وهمية بالكامل.

على الفور، أبلغ مسؤولو المكتب الأجهزة الأمنية، وتم التحفظ على المتهم والأوراق المضبوطة، لتبدأ واحدة من أخطر وقائع التزوير المرتبطة بالمحررات الدبلوماسية.

تحريات المباحث تكشف التلاعب بالأختام الرسمية

انتقلت قوة أمنية من قسم شرطة 15 مايو بقيادة الرائد محمود سعداوي إلى مقر الشهر العقاري، وبفحص المستندات المضبوطة تبين أن التوكيل يحمل أختامًا منسوبة لمكتب تصديقات الميرلاند التابع لوزارة الخارجية المصرية، إلا أنها مصطنعة ومقلدة على غرار الأختام الأصلية.

كما كشفت التحريات أن المتهم حاول استخدام التوكيل المزور لإضفاء صفة قانونية على إجراءات بيع الأرض، بما يسمح له ولشركائه بالاستيلاء على أموال الضحية تحت غطاء قانوني مزيف.

وأكدت التحريات أن المستندات جرى إعدادها بصورة احترافية، تضمنت أرقام تصديقات وهمية وتوقيعات منسوبة زورًا إلى موظفين تابعين لوزارة الخارجية والإدارة القنصلية المصرية.

مواجهة داخل النيابة وإنكار كامل للاتهامات

أمام المستشار حسام عماد، وكيل النائب العام، خضع المتهم "نور الدين" للتحقيق، حيث واجهته النيابة باتهامات تتعلق بتقليد أختام حكومية، وتزوير محررات رسمية، واستعمالها مع العلم بتزويرها.

وخلال التحقيقات، أنكر المتهم جميع الاتهامات، مؤكدًا أنه مجرد وسيط لا يعلم شيئًا عن عمليات التزوير، وأن السمسار المتواجد في إيطاليا هو من أرسل له الأوراق وطلب منه فقط إيداعها بالشهر العقاري.

إلا أن النيابة واجهته بتحريات المباحث والمستندات المضبوطة، والتي أشارت إلى تورطه في استخدام المحررات المزورة ومحاولة تمريرها داخل الجهات الرسمية.

شبكة تزوير دولية خلف ستار الاستثمار العقاري

أوراق القضية كشفت أن الواقعة لم تكن مجرد عملية نصب فردية، بل مخططًا منظمًا اشترك فيه متهمون داخل مصر وآخرون خارج البلاد، استهدف اصطناع توكيلات ومستندات رسمية منسوبة إلى جهات دبلوماسية مصرية بالخارج.

واتهمت النيابة المتهمين بتقليد خاتم الإدارة القنصلية التابعة لوزارة الخارجية المصرية، وتزوير توقيعات موظفين رسميين، ثم استخدام تلك المحررات المزيفة في تمرير صفقات عقارية وهمية بهدف الاستيلاء على أموال المواطنين.

كما تبين من التحقيقات أن المتهمين استعانوا بموظف حسن النية داخل مكتب التوثيق، بعدما قدموا له التوكيل المزور باعتباره مستندًا رسميًا صحيحًا، ما أدى إلى تحرير محضر إيداع رسمي قبل اكتشاف التزوير.

قرارات عاجلة لفحص الأختام وتتبع الأموال

وأمرت النيابة العامة بالتحفظ على كافة المحررات المضبوطة وإرسالها إلى قسم أبحاث التزييف والتزوير بمصلحة الطب الشرعي لفحص الأختام والتوقيعات وبيان كيفية اصطناعها.

كما كلفت النيابة مباحث الأموال العامة بإجراء تحريات موسعة حول الواقعة، وتتبع حركة التحويلات المالية الخاصة بالمجني عليه، للكشف باقي عناصر التشكيل العصابي وتحديد هوية السمسار المتواجد بالخارج.

وتواصل جهات التحقيق حاليًا فحص كافة المستندات المرتبطة بالصفقة، في محاولة لكشف حجم الشبكة الإجرامية وما إذا كانت هناك وقائع مشابهة تعرض فيها مواطنون آخرون لعمليات نصب باستخدام توكيلات قنصلية مزورة.

حلم الاستثمار يتحول إلى قضية جنائية

القضية أعادت التحذير مجددًا من خطورة إتمام صفقات عقارية ضخمة دون مراجعة قانونية دقيقة للمحررات الرسمية، خاصة تلك الصادرة من الخارج، بعدما تحولت الثقة في الأوراق المختومة إلى أداة استغلها المتهمون لتمرير واحدة من أخطر وقائع التزوير المرتبطة بالمحررات القنصلية.

وبين ملايين الجنيهات المهددة بالضياع، وأختام رسمية جرى تقليدها باحترافية، تبقى التحقيقات الجارية أمام النيابة العامة هي الفيصل الأخير لكشف جميع أطراف الشبكة الدولية التي حولت حلم امتلاك أرض بمدينة أكتوبر إلى خديعة كبرى انتهت خلف أبواب العدالة.