< صراع لقمة العيش.. كواليس قتل جامع قمامة على يد زميله بالبساتين
النبأ
رئيس التحرير
خالد مهران

صراع لقمة العيش.. كواليس قتل جامع قمامة على يد زميله بالبساتين

جامع قمامة يقتل زميله
جامع قمامة يقتل زميله بسبب “لمّ الزبالة”

في واحدة من الوقائع الإنسانية المؤلمة التي تكشف كيف يمكن لخلافات بسيطة أن تتحول إلى جرائم تنتهي بإزهاق الأرواح، شهدت منطقة البساتين التابعة لنيابة حلوان الكلية جريمة مأساوية راح ضحيتها شاب يعمل في جمع القمامة، بعدما تطور خلاف مهني بينه وبين زميله إلى اعتداء عنيف أفضى إلى الموت، لتنتهي القضية بحكم قضائي بالسجن المشدد لمدة خمس سنوات على المتهم.

القضية التي بدأت تفاصيلها داخل منطقة “مزرعة البط” خلال شهر نوفمبر من العام الماضي، تحولت سريعًا من مشادة كلامية عابرة إلى مأساة هزت الأهالي، بعدما سقط المجني عليه مصابًا بإصابات بالغة في الرأس أدت إلى وفاته داخل المستشفى متأثرًا بما تعرض له من اعتداء.

خلاف على “حيز القمامة” يشعل المشاجرة

كشفت أوراق التحقيقات أن المتهم، ويدعى إبراهيم محمد نصر عبد النبي، يبلغ من العمر عشرين عامًا ويعمل في جمع القمامة، دخل في مشادة كلامية مع المجني عليه أمير فريد إبراهيم عبد المقصود بسبب خلاف على نطاق العمل الخاص بكل منهما في جمع القمامة من شوارع المنطقة.

وبحسب ما ورد في التحقيقات، اعترض المتهم على قيام المجني عليه بجمع القمامة من مكان اعتبره “منطقته الخاصة”، وطالبه بعدم العودة إلى ذلك الشارع مرة أخرى. ومع احتدام النقاش وتبادل الكلمات الحادة بين الطرفين، خرج الموقف سريعًا عن السيطرة وتحول إلى اشتباك بالأيدي أمام المارة.

وأكدت التحقيقات أن المتهم أمسك بالمجني عليه بقوة، ثم قام برفعه وطرحه أرضًا بعنف شديد، ليسقط الأخير مرتطمًا برأسه على الأرض، ما تسبب في إصابات خطيرة داخل الجمجمة ونزيف حاد بالمخ.

محاولات لإنقاذ الضحية داخل المستشفى

عقب الواقعة، جرى نقل المجني عليه في حالة حرجة إلى المستشفى، حيث خضع لمحاولات إسعاف مكثفة داخل الرعاية المركزة بمستشفى أحمد ماهر قبل تحويله إلى قصر العيني لاستكمال العلاج، إلا أن حالته الصحية استمرت في التدهور نتيجة الإصابات الخطيرة التي تعرض لها.

ورغم محاولات الأطباء إنقاذه، لفظ المجني عليه أنفاسه الأخيرة متأثرًا بكسر في الجمجمة وضغط شديد على المخ أدى إلى توقف الوظائف الحيوية بالكامل.

شهود العيان يكشفون تفاصيل اللحظات الأخيرة

استمعت النيابة العامة إلى أقوال عدد من شهود العيان الذين تواجدوا بمحيط الواقعة وقت حدوثها، حيث أكد أحد الشهود، وهو حلاق يبلغ من العمر اثنين وأربعين عامًا، أنه شاهد المشاجرة منذ بدايتها أثناء وجوده داخل محل عمله، وحاول التدخل لفض الاشتباك بين الطرفين قبل أن يهدأ الموقف مؤقتًا.

وأضاف الشاهد أن المشادة تجددت بعد دقائق قليلة، قبل أن يشاهد المتهم وهو يطرح المجني عليه أرضًا بعنف شديد، ليسقط الأخير فاقدًا الوعي وسط حالة من الذعر بين الأهالي.

كما أدلى والد المجني عليه بأقواله أمام جهات التحقيق، مؤكدًا أنه تلقى اتصالًا هاتفيًا يخبره بنقل نجله إلى المستشفى في حالة خطيرة، مشيرًا إلى أن ابنه أخبره قبل تدهور حالته الصحية بأن المتهم اعتدى عليه بسبب الخلاف على جمع القمامة.

تحريات المباحث تؤكد الاتهام

دعمت تحريات رجال مباحث قسم شرطة البساتين، التي أجراها الرائد وليد سليم، رواية الشهود وما توصلت إليه التحقيقات، حيث أكدت التحريات وجود خلاف سابق بين الطرفين حول أماكن جمع القمامة، وأن المتهم تعدى على المجني عليه عمدًا دون أن يقصد قتله، إلا أن الاعتداء تسبب في وفاته لاحقًا.

وأشارت التحريات إلى أن الواقعة جاءت نتيجة مشاجرة تطورت بصورة مفاجئة، لتنتهي بجريمة مأساوية بسبب لحظة غضب وعنف مفرط.

الطب الشرعي يحسم سبب الوفاة

جاء تقرير مصلحة الطب الشرعي فاصلًا في تحديد السبب الحقيقي للوفاة، حيث أوضح أن الإصابات الموجودة بالرأس نتجت عن الارتطام بجسم صلب أو السقوط العنيف على الأرض، وهو ما تطابق مع أقوال الشهود ومعاينة النيابة العامة.

وأكد التقرير الفني أن الضحية تعرض لكسر في عظام الجمجمة ونزيف وضغط شديد على المخ، ما أدى إلى فشل كامل بالوظائف الحيوية وانتهى إلى الوفاة متأثرًا بتلك الإصابات.

إحالة المتهم إلى محكمة الجنايات

وعقب انتهاء التحقيقات، أصدر المستشار هشام رفعت الشريف، المحامي العام لنيابة حلوان الكلية، قرارًا بإحالة المتهم محبوسًا إلى محكمة جنايات القاهرة، بعدما أسندت إليه النيابة تهمة الضرب المفضي إلى الموت طبقًا لنص المادة 236 من قانون العقوبات.

وأكد أمر الإحالة أن المتهم تعمد التعدي على المجني عليه وإحداث إصابته دون نية مباشرة لإزهاق روحه، إلا أن الاعتداء أدى في النهاية إلى الوفاة.

كما طالبت النيابة العامة بتوقيع أقصى عقوبة مقررة قانونًا على المتهم، استنادًا إلى الأدلة الفنية وأقوال الشهود وتحريات المباحث.

حكم بالسجن المشدد يسدل الستار على القضية

وعقب تداول القضية أمام محكمة جنايات القاهرة، استمعت هيئة المحكمة إلى مرافعات الدفاع والنيابة العامة، واطلعت على التقارير الطبية وأقوال الشهود وتحريات أجهزة الأمن، قبل أن تنتهي إلى إدانة المتهم بثبوت ارتكابه واقعة الضرب المفضي إلى الموت.

وقضت المحكمة بمعاقبة المتهم بالسجن المشدد لمدة خمس سنوات، ليطوى بذلك فصل مأساوي من فصول العنف المرتبط بصراعات لقمة العيش، في واقعة تحولت فيها خلافات العمل البسيطة إلى جريمة أنهت حياة شاب في مقتبل العمر داخل شوارع البساتين.