< أحكام حبس دون علمه.. تفاصيل استهداف تاجر بقضايا جنائية ملفقة بالجيزة
النبأ
رئيس التحرير
خالد مهران

أحكام حبس دون علمه.. تفاصيل استهداف تاجر بقضايا جنائية ملفقة بالجيزة

تزوير داخل أروقة
تزوير داخل أروقة محكمة العجوزة

في واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا وإثارة داخل أروقة العدالة، كشفت التحقيقات الرسمية وأوراق القضية تفاصيل مخطط جنائي محكم نفذه خمسة متهمين بهدف تضليل جهات التحقيق والتلاعب بإجراءات التقاضي والتنفيذ، عبر استخدام توكيلات ملغاة ومستندات مزورة لاصطناع نزاعات قضائية ضد تاجر يُدعى "محمود رضا محمد مصطفى"، انتهت بإصدار أحكام حبس واجبة النفاذ وملاحقات أمنية بحقه دون علمه الحقيقي بما يُدار ضده خلف الكواليس.

القضية، التي باشرتها النيابة العامة تحت إشراف نيابة شمال الجيزة الكلية، كشفت عن شبكة من المصالح والاتفاقات السرية بين المتهمين، سعت إلى تعطيل حق المجني عليه في الدفاع عن نفسه، وإغراقه في دوامة من القضايا الجنائية المفتعلة، مستغلين ثغرات إجرائية داخل بعض مراحل التنفيذ والطعن على الأحكام.

بداية المخطط واستغلال توكيل أُلغي رسميًا

بدأت خيوط الواقعة عندما كشفت التحقيقات أن المتهم الأول، وهو محامٍ يبلغ من العمر ٤٣ عامًا، استند إلى توكيل رسمي عام سبق صدوره من مكتب توثيق جنوب القاهرة، رغم أن المجني عليه كان قد ألغاه رسميًا قبل فترة من بدء التحركات القضائية.

ورغم سقوط الصفة القانونية لهذا التوكيل، استخدمه المتهم أمام جهات تنفيذ الأحكام ونيابات العجوزة، مدعيًا استمرار وكالته القانونية عن المجني عليه، الأمر الذي مكّنه من اتخاذ إجراءات المعارضة والاستئناف في قضايا جنائية دون علم صاحب الشأن الحقيقي.

وأكد موظفو التنفيذ بنيابة العجوزة الجزئية، ومن بينهم الشاهدان "شريف محمد إبراهيم عثمان" و"عبد الحميد محمد عبد الحميد إسماعيل"، أن المتهم حضر إليهما حاملًا التوكيل وصورة بطاقة الرقم القومي الخاصة بالمجني عليه، ووقع على تقارير المعارضة والاستئناف بنفسه باعتباره وكيلًا قانونيًا.

وتبين لاحقًا أن الهدف من هذه الإجراءات لم يكن الدفاع عن المجني عليه، وإنما تمرير طعون شكلية تؤدي إلى سقوط المواعيد القانونية الحقيقية للطعن، بما يضمن تثبيت الأحكام الجنائية ضده ومنعه من استعمال حقوقه القانونية بصورة صحيحة.

معارضة شكلية انتهت بحكم حبس واجب النفاذ

كشفت التحقيقات كذلك أن المتهم الأول حضر أمام محكمة جنح العجوزة وقرر بالمعارضة مستخدمًا التوكيل الملغي، وقدم دفوعًا ظاهرها قانوني بينما كان الهدف الحقيقي منها تعطيل إجراءات الدفاع الحقيقي عن المجني عليه.

وأوضح "محمد عبد الحكيم عبد الحميد"، أمين سر جلسة جنح العجوزة، أن المتهم طلب البراءة وادعى مدنية النزاع وانتفاء أركان الجريمة، إلا أن تلك الإجراءات انتهت بصدور حكم غيابي بسقوط الاستئناف، ما تسبب في تثبيت حكم الحبس الصادر ضد المجني عليه لمدة ثلاث سنوات مع الشغل وكفالة مالية قدرها عشرون ألف جنيه.

وبحسب ما ورد في أوراق القضية، فوجئ المجني عليه لاحقًا بصدور أحكام تنفيذية بحقه، ودخوله دائرة الملاحقات الأمنية دون أن تتاح له الفرصة الحقيقية للمثول أمام القضاء أو الدفاع عن نفسه بشكل قانوني سليم.

صناعة نزاع مالي جديد عبر إيصال أمانة مزيف

ولم تتوقف تحركات المتهمين عند حدود القضايا القائمة، بل امتدت — وفقًا للتحقيقات — إلى اصطناع نزاعات مالية جديدة لإحكام الخناق على المجني عليه.

وأثبتت الأوراق أن المتهم الأول اتفق مع باقي المتهمين، ومن بينهم عامل ومحاميان وآخر حاصل على دبلوم صناعي، على تزوير إيصال أمانة ونسبته زورًا إلى المجني عليه، وذلك بالاشتراك مع شخص مجهول تولى تحرير بيانات الإيصال وتزوير التوقيع وبصمة اليد المنسوبين للضحية.

وعقب الانتهاء من إعداد المستند المزور، تم تقديمه إلى قسم شرطة العجوزة عبر المتهم الخامس بصفته وكيلًا عن أحد المتهمين، حيث جرى تحرير محضر جديد يتهم المجني عليه بتبديد مبالغ مالية مزعوم تسلمها بغرض توصيلها لطرف آخر.

ورأت جهات التحقيق أن الهدف من هذه الخطوة كان إعادة إنتاج سيناريو الحبس مرة أخرى من خلال قضية جنائية جديدة قائمة على مستندات مصطنعة بالكامل.

الطب الشرعي يكشف التزوير ويحسم الجدل

الحسم الحقيقي في القضية جاء عبر التقارير الفنية الصادرة عن مصلحة الطب الشرعي، والتي أكدت بصورة قاطعة أن المجني عليه لم يحرر البيانات الواردة في إيصال الأمانة محل الاتهام، وأن التوقيع والكتابات الثابتة بالمحرر لا تعود إليه.

كما ورد إلى النيابة خطاب رسمي من مصلحة الشهر العقاري والتوثيق يفيد بإلغاء التوكيل المستخدم في المعارضة والاستئناف قبل تلك الإجراءات بمدة كافية، بما أسقط أي صفة قانونية للمتهم الأول في تمثيل المجني عليه.

وتكاملت تلك الأدلة مع تحريات قطاع الأمن العام وشهادات رجال مكافحة جرائم الأموال العامة، التي أشارت إلى وجود خلافات مالية وتجارية سابقة بين المجني عليه والمتهم الأول انتهت بفض شراكة بينهما، وأن المتهم لجأ لاحقًا إلى الانتقام عبر اصطناع القضايا والمستندات المزورة.

شهادات موظفي المحاكم والتنفيذ تدعم الاتهامات

دعمت شهادات عدد من موظفي تنفيذ الأحكام وأمناء السر ما توصلت إليه التحقيقات الفنية، حيث أكدوا حضور المتهم الأول في أكثر من مناسبة مستخدمًا التوكيل الملغي لاتخاذ إجراءات قضائية باسم المجني عليه.

كما أوضحت التحقيقات أن بعض تلك الإجراءات تم توثيقها رسميًا داخل سجلات التنفيذ والمحاكم، وهو ما منح المخطط مظهرًا قانونيًا خادعًا مكّن المتهمين من تمرير تحركاتهم لفترة قبل اكتشاف الحقيقة.

وأكدت النيابة أن تلك الوقائع تمثل اعتداءً مباشرًا على نزاهة العدالة وإهدارًا لضمانات التقاضي، لما تضمنته من اصطناع محررات وتضليل جهات التحقيق واستعمال مستندات مزورة للإضرار بأحد المواطنين.

إحالة المتهمين للجنايات وضبط الهاربين

وفي ختام التحقيقات، أصدر المستشار "أمير فتحي" المحامي العام لنيابة شمال الجيزة الكلية قرارًا بضبط وإحضار المتهمين في القضية، المقيدة برقم ٢٥٤ لسنة ٢٠٢٦ جنايات العجوزة والمقيدة برقم ٩ لسنة ٢٠٢٦ كلي شمال الجيزة.

وتوجيه اتهامات بالتزوير في محررات رسمية وعرفية، واستعمال محررات مزورة مع العلم بتزويرها، والاشتراك بطريقي الاتفاق والمساعدة في تضليل جهات التحقيق والقضاء، إلى جانب البلاغ الكاذب والإضرار العمدي بالمجني عليه.

كما أمرت النيابة بسرعة ضبط وإحضار المتهمين الخمسة الهاربين وحبسهم احتياطيًا على ذمة القضية، تمهيدًا لمحاكمتهم أمام محكمة الجنايات المختصة للفصل في الاتهامات المنسوبة إليهم.