محمد مازن يكتب من بكين: لننقل القانون من "المحاكم" إلى "المدارس"
أطفال يعرفون القانون… أم ضحايا يكتشفونه متأخرا؟
بينما كنت أتصفح بسرعة الفيديوهات والصفحات الرسمية على تطبيق «ويتشات» الصيني ذات صباح، توقفت يدي فجأة.
صورة ابني الأكبر … داخل دائرة قضائية.
كان يقف بجوار ضابطة شرطة صينية ترتدي الزي الرسمي، وخلفه شعار أمني كبير يوحي بأن الأمر ليس عابرًا.
في تلك اللحظات القصيرة، اجتاحني ذلك الخوف الخاطف الذي يعرفه كل الآباء: ماذا حدث؟ ولماذا؟ وكيف وصل أولادي إلى هناك؟
لا أخفي أن قلبي انقبض بشدة قبل أن أفتح الفيديو.
لكن بعد لحظات قليلة فقط… انقلب القلق إلى طمأنينة، والخضة إلى دهشة حقيقية.
لم يكن ابني وشقيقه في مشكلة، بل كانا ضيفين ضمن برنامج توعوي داخل إحدى الدوائر القضائية الصينية، مخصص للأطفال والمراهقين للتعرف على حقوقهم وواجباتهم، وكيفية حماية أنفسهم قانونيا واجتماعيا.
رأيتهما يستمعان إلى شرح مبسط عن حقوق الطفل، وكيفية طلب المساعدة إذا تعرضا للخطر.
وقتها شعرت أنني لا أشاهد مجرد نشاط مدرسي لطيف… بل فكرة عميقة جدًا عن معنى بناء الإنسان منذ الصغر.
هناك، لا ينتظرون حتى يقع الطفل في الأزمة ليشرحوا له القانون. ولا يتركونه يكتشف وحده معنى الخطر بعد الصدمة.
بل يحاولون أن يزرعوا داخله شيئًا أهم من الخوف من العقوبة: الوعي.
أن يعرف الطفل ما له وما عليه. كيف يحمي نفسه. كيف يطلب حقه. ومتى يرفض. وكيف يتصرف إذا شعر بالخطر أو التهديد.
بالنسبة لي، لم أكن أعرف في طفولتي معنى كلمة «قانون» أو «دستور». كانت تبدو كلمات ثقيلة تخص القضاة والسياسيين ونشرات الأخبار.
في المدرسة تعلمنا كيف نحفظ الدروس… لكننا لم نتعلم كيف نحمي أنفسنا.
لم يخبرنا أحد ماذا نفعل إذا تعرضنا للتنمر. ولا كيف نتصرف إذا حاول غريب استدراجنا. ولا كيف نطلب المساعدة بشكل صحيح. ولا متى يتحول «الهزار» إلى جريمة. ولا كيف نفرق بين الخطأ العادي… والخطر الحقيقي.
كبر كثير منا وهو يرى القانون شيئًا بعيدًا: إما عقوبة نخافها، أو أوراقًا معقدة داخل المحاكم.
ثم نكتشف متأخرين أن القانون، في جوهره، لم يُخلق لإخافة الناس… بل لحمايتهم.
وربما لهذا السبب لم أستطع تجاوز بعض المشاهد المؤلمة التي انتشرت مؤخرًا على مواقع التواصل.
مشهد الطفلة داخل الميكروباص، التي لم ينتبه أحد إلى أنها مخطوفة إلا بالصدفة بعد خلاف على الأجرة.
وفيديو تلاميذ الدراجات البخارية الذين اقتحموا فناء المدرسة وسط الضحك والاستعراض، غير مدركين أنهم قد يحولون لحظة عبث إلى مأساة.
ثم قصص التنمر، والتحرش، والابتزاز الإلكتروني، والعنف داخل المدارس…
حوادث تتكرر كل يوم تقريبًا، وكأننا نتعامل معها باعتبارها «أحداثًا مفاجئة»، لا نتيجة طبيعية لغياب الوعي المبكر.
الحقيقة أن كثيرًا من الأطفال لا يعرفون أصلًا: كيف يقولون «لا». كيف يرفضون لمسًا غير مريح. كيف يطلبون النجدة. كيف يبلغون عن التحرش أو العنف. كيف يتصرفون إذا حاول شخص استدراجهم. وكيف يحمون بياناتهم وصورهم على الإنترنت.
نحن نفترض أن هذه الأشياء بديهية، بينما الواقع يقول إنها مهارات تُعلَّم… مثل القراءة تمامًا.
في بعض الدول، أصبحت التوعية القانونية للأطفال جزءًا من الأمن المجتمعي نفسه.
في الصين مثلًا، لا يُترك الطفل ليكتشف وحده معنى القانون بعد الحادثة أو الصدمة.
هناك زيارات للنيابات والمحاكم، ومحاكمات مدرسية صورية، وبرامج توعية ضد التنمر والابتزاز والعنف الأسري، وأحيانًا مستشارون قانونيون داخل المدارس يشرحون للأطفال بلغة بسيطة: كيف تحمي نفسك؟ كيف تبلغ؟ كيف ترفض؟ وكيف تطلب حقك دون خوف؟
حتى الخطوط الساخنة النفسية والقانونية يتم تعريف الأطفال بها مبكرًا، حتى لا يشعر الطفل أنه وحيد إذا تعرض للأذى.
الفكرة ليست تخويف الأطفال من العالم… بل منحهم أدوات النجاة داخله.
وهنا فهمت شيئًا مهمًا:
الثقافة القانونية ليست مادة مدرسية إضافية… بل طبقة حماية.
مثل حزام الأمان. ومثل إشارات المرور. ومثل الخوذة التي تمنع إصابة الرأس قبل وقوع الحادث.
فالطفل الذي يعرف حقوقه وواجباته، غالبًا سيكون أكثر قدرة على حماية نفسه… وأقل ميلًا لإيذاء غيره.
وسيفهم أن الحرية لا تعني الفوضى، وأن الاعتداء ليس شجاعة، وأن الصمت على الأذى ليس فضيلة.
المشكلة ليست أن أبناءنا كثيرًا ما نتركهم يواجهون عالمًا شديد التعقيد… دون أي تدريب حقيقي.
ثم نندهش عندما يتحول الهاتف إلى أداة ابتزاز، أو المدرسة إلى مساحة عنف، أو «المزاح» إلى مأساة.
ما نحتاجه ربما ليس المزيد من الخطب عن الأخلاق فقط… بل تعليم عملي للحياة نفسها.
حصص مبسطة عن الحقوق والواجبات. تدريب على مواجهة الخطر. تعليم كيفية طلب النجدة. ومحاكاة للتعامل مع التنمر والتحرش والعنف الإلكتروني.
ليس الهدف أن نُخرج أطفالًا يحفظون مواد الدستور… بل أطفالًا يعرفون كيف ينجون، وكيف يحترمون غيرهم، وكيف يطلبون حقهم دون خوف.
أما عن أثر تلك الزيارة على أولادي، فكان لافتًا بالنسبة لي.
الابن الاكبر عبّر عن إعجابه الشديد بالتجربة، وقال إنه لأول مرة يشعر أن القانون ليس شيئًا بعيدًا يخص المحاكم فقط، بل شيء يتعلق بحياتنا اليومية بشكل مباشر، ويساعدنا على فهم حقوقنا وواجباتنا وكيف نحمي أنفسنا والآخرين.
أما الأصغر سنًا، فقد بدا متحمسًا بشكل مختلف. قال إن الزيارة جعلته مهتمًا جدًا بالقوانين، وبدأ يسأل عن أشياء كثيرة تتعلق بالنظام العام، وحقوق الأطفال، وكيف تعمل القوانين داخل المجتمع.
وقتها أدركت أن الفكرة لا تكمن فقط في تقديم معلومات للأطفال… بل في زرع فضول صحي داخلهم تجاه معنى المسؤولية، ومعنى أن يعيش الإنسان داخل مجتمع تحكمه قواعد تحمي الجميع.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع… ليس فقط أن تقع الجريمة، بل أن يكبر الأطفال وهم لا يعرفون أصلًا كيف يحمون أنفسهم منها.
بينما كنت أتصفح بسرعة الفيديوهات والصفحات الرسمية على تطبيق «ويتشات» الصيني ذات صباح، توقفت يدي فجأة.
صورة ابني الأكبر … داخل دائرة قضائية.
كان يقف بجوار ضابطة شرطة صينية ترتدي الزي الرسمي، وخلفه شعار أمني كبير يوحي بأن الأمر ليس عابرًا.
في تلك اللحظات القصيرة، اجتاحني ذلك الخوف الخاطف الذي يعرفه كل الآباء: ماذا حدث؟ ولماذا؟ وكيف وصل أولادي إلى هناك؟
لا أخفي أن قلبي انقبض بشدة قبل أن أفتح الفيديو.
لكن بعد لحظات قليلة فقط… انقلب القلق إلى طمأنينة، والخضة إلى دهشة حقيقية.
لم يكن ابني وشقيقه في مشكلة، بل كانا ضيفين ضمن برنامج توعوي داخل إحدى الدوائر القضائية الصينية، مخصص للأطفال والمراهقين للتعرف على حقوقهم وواجباتهم، وكيفية حماية أنفسهم قانونيًا واجتماعيًا.
رأيتهما يستمعان إلى شرح مبسط عن حقوق الطفل، وكيفية طلب المساعدة إذا تعرضا للخطر.
وقتها شعرت أنني لا أشاهد مجرد نشاط مدرسي لطيف… بل فكرة عميقة جدًا عن معنى بناء الإنسان منذ الصغر.
هناك، لا ينتظرون حتى يقع الطفل في الأزمة ليشرحوا له القانون. ولا يتركونه يكتشف وحده معنى الخطر بعد الصدمة.
بل يحاولون أن يزرعوا داخله شيئًا أهم من الخوف من العقوبة: الوعي.
أن يعرف الطفل ما له وما عليه. كيف يحمي نفسه. كيف يطلب حقه. ومتى يرفض. وكيف يتصرف إذا شعر بالخطر أو التهديد.
بالنسبة لي، لم أكن أعرف في طفولتي معنى كلمة «قانون» أو «دستور». كانت تبدو كلمات ثقيلة تخص القضاة والسياسيين ونشرات الأخبار.
في المدرسة تعلمنا كيف نحفظ الدروس… لكننا لم نتعلم كيف نحمي أنفسنا.
لم يخبرنا أحد ماذا نفعل إذا تعرضنا للتنمر. ولا كيف نتصرف إذا حاول غريب استدراجنا. ولا كيف نطلب المساعدة بشكل صحيح. ولا متى يتحول «الهزار» إلى جريمة. ولا كيف نفرق بين الخطأ العادي… والخطر الحقيقي.
كبر كثير منا وهو يرى القانون شيئًا بعيدًا: إما عقوبة نخافها، أو أوراقًا معقدة داخل المحاكم.
ثم نكتشف متأخرين أن القانون، في جوهره، لم يُخلق لإخافة الناس… بل لحمايتهم.
وربما لهذا السبب لم أستطع تجاوز بعض المشاهد المؤلمة التي انتشرت مؤخرًا على مواقع التواصل.
مشهد الطفلة داخل الميكروباص، التي لم ينتبه أحد إلى أنها مخطوفة إلا بالصدفة بعد خلاف على الأجرة.
وفيديو تلاميذ الدراجات البخارية الذين اقتحموا فناء المدرسة وسط الضحك والاستعراض، غير مدركين أنهم قد يحولون لحظة عبث إلى مأساة.
ثم قصص التنمر، والتحرش، والابتزاز الإلكتروني، والعنف داخل المدارس…
حوادث تتكرر كل يوم تقريبًا، وكأننا نتعامل معها باعتبارها «أحداثًا مفاجئة»، لا نتيجة طبيعية لغياب الوعي المبكر.
الحقيقة أن كثيرًا من الأطفال لا يعرفون أصلًا: كيف يقولون «لا». كيف يرفضون لمسًا غير مريح. كيف يطلبون النجدة. كيف يبلغون عن التحرش أو العنف. كيف يتصرفون إذا حاول شخص استدراجهم. وكيف يحمون بياناتهم وصورهم على الإنترنت.
نحن نفترض أن هذه الأشياء بديهية، بينما الواقع يقول إنها مهارات تُعلَّم… مثل القراءة تمامًا.
في بعض الدول، أصبحت التوعية القانونية للأطفال جزءًا من الأمن المجتمعي نفسه.
في الصين مثلًا، لا يُترك الطفل ليكتشف وحده معنى القانون بعد الحادثة أو الصدمة.
هناك زيارات للنيابات والمحاكم، ومحاكمات مدرسية صورية، وبرامج توعية ضد التنمر والابتزاز والعنف الأسري، وأحيانًا مستشارون قانونيون داخل المدارس يشرحون للأطفال بلغة بسيطة: كيف تحمي نفسك؟ كيف تبلغ؟ كيف ترفض؟ وكيف تطلب حقك دون خوف؟
حتى الخطوط الساخنة النفسية والقانونية يتم تعريف الأطفال بها مبكرًا، حتى لا يشعر الطفل أنه وحيد إذا تعرض للأذى.
الفكرة ليست تخويف الأطفال من العالم… بل منحهم أدوات النجاة داخله.
وهنا فهمت شيئًا مهمًا:
الثقافة القانونية ليست مادة مدرسية إضافية… بل طبقة حماية.
مثل حزام الأمان. ومثل إشارات المرور. ومثل الخوذة التي تمنع إصابة الرأس قبل وقوع الحادث.
فالطفل الذي يعرف حقوقه وواجباته، غالبًا سيكون أكثر قدرة على حماية نفسه… وأقل ميلًا لإيذاء غيره.
وسيفهم أن الحرية لا تعني الفوضى، وأن الاعتداء ليس شجاعة، وأن الصمت على الأذى ليس فضيلة.
المشكلة ليست أن أبناءنا كثيرًا ما نتركهم يواجهون عالمًا شديد التعقيد… دون أي تدريب حقيقي.
ثم نندهش عندما يتحول الهاتف إلى أداة ابتزاز، أو المدرسة إلى مساحة عنف، أو «المزاح» إلى مأساة.
ما نحتاجه ربما ليس المزيد من الخطب عن الأخلاق فقط… بل تعليم عملي للحياة نفسها.
حصص مبسطة عن الحقوق والواجبات. تدريب على مواجهة الخطر. تعليم كيفية طلب النجدة. ومحاكاة للتعامل مع التنمر والتحرش والعنف الإلكتروني.
ليس الهدف أن نُخرج أطفالًا يحفظون مواد الدستور… بل أطفالًا يعرفون كيف ينجون، وكيف يحترمون غيرهم، وكيف يطلبون حقهم دون خوف.
أما عن أثر تلك الزيارة على أولادي، فكان لافتًا بالنسبة لي.
الابن الاكبر عبّر عن إعجابه الشديد بالتجربة، وقال إنه لأول مرة يشعر أن القانون ليس شيئًا بعيدًا يخص المحاكم فقط، بل شيء يتعلق بحياتنا اليومية بشكل مباشر، ويساعدنا على فهم حقوقنا وواجباتنا وكيف نحمي أنفسنا والآخرين.
أما الأصغر سنًا، فقد بدا متحمسًا بشكل مختلف. قال إن الزيارة جعلته مهتمًا جدًا بالقوانين، وبدأ يسأل عن أشياء كثيرة تتعلق بالنظام العام، وحقوق الأطفال، وكيف تعمل القوانين داخل المجتمع.
وقتها أدركت أن الفكرة لا تكمن فقط في تقديم معلومات للأطفال… بل في زرع فضول صحي داخلهم تجاه معنى المسؤولية، ومعنى أن يعيش الإنسان داخل مجتمع تحكمه قواعد تحمي الجميع.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع… ليس فقط أن تقع الجريمة، بل أن يكبر الأطفال وهم لا يعرفون أصلا كيف يحمون أنفسهم منها.