بعد الهجوم والتشكيك..
هشام عز العرب.. قراءة مصرفية مبكرة لأزمة تهدد الاستقرار المالي
أشعلت التصريحات الأخيرة للمصرفي البارز هشام عز العرب حالة واسعة من الجدل داخل سوق التمويل غير المصرفي، بعدما حذر من مخاطر التوسع غير المنضبط في بعض أنشطة القطاع، مطالبًا برقابة أكثر صرامة وتطبيق فعلي للمعايير الائتمانية والرقابية، في رسالة اعتبرها كثيرون جرس إنذار مبكر قبل تفاقم الأوضاع.
الجدل الذي أعقب تصريحات عز العرب، سواء خلال ظهوره الإعلامي مع الإعلامي عمرو أديب أو عبر لقاءاته الاقتصادية، لم يكن سببه فقط ثقل الرجل المهني باعتباره أحد أبرز المصرفيين في المنطقة، وإنما لأن تصريحاته لامست ملفًا شديد الحساسية داخل سوق نما بسرعة هائلة خلال سنوات قليلة، وسط ضغوط اقتصادية واجتماعية متزايدة.
ورغم محاولات البعض تصوير التحذيرات باعتبارها هجومًا على التمويل غير المصرفي أو دفاعًا عن مصالح البنوك التقليدية، فإن القراءة الهادئة للتصريحات تكشف أن الرجل لم يكن ضد النشاط ذاته، بل ضد غياب التوازن الرقابي الذي قد يحول أدوات الشمول المالي إلى مصدر هشاشة اقتصادية واجتماعية خطيرة.
فالتمويل غير المصرفي، الذي يشمل التمويل الاستهلاكي والتأجير التمويلي والتخصيم والتمويل العقاري ومتناهية الصغر ومنصات التكنولوجيا المالية، أصبح جزءًا أساسيًا من النشاط الاقتصادي، كما أنه يمثل امتدادًا مكملًا للقطاع المصرفي، خاصة في المناطق والشرائح التي يصعب على البنوك الوصول إليها بالكفاءة نفسها.
لكن في المقابل، تبرز مخاوف متزايدة بشأن جودة الائتمان، وارتفاع معدلات الاعتماد على الاستهلاك الممول بالدين، في مجتمع يواجه ضغوطًا معيشية متزايدة، ما يثير تساؤلات حول قدرة السوق على الاستمرار بنفس الوتيرة دون خلق أزمات اجتماعية أو مالية ممتدة.
أزمة رقابية وهيكلية
تكمن جوهر الأزمة، حسب خبراء، في ما وصفوه بحالة «عدم التوازن الرقابي»، إذ تخضع البنوك لرقابة صارمة من البنك المركزي، بينما تتحرك بعض شركات التمويل غير المصرفي بهوامش مرنة في منح الائتمان، وسط تساؤلات حول مدى الالتزام الحقيقي بمعايير إدارة المخاطر.
وانعكست هذه الفجوة الرقابية، على عدد من الممارسات المثيرة للقلق داخل السوق، والتي تظهر بوضوح في عدة ملفات تتعلق بجودة الائتمان، وآليات التقييم، وكفاءة الكوادر، وضوابط التحصيل.
وظهرت خلال الفترة الكاضية، عدة ملاحظات تتعلق بطريقة احتساب عبء الدين على العملاء، وآليات الاستعلام الائتماني، بالإضافة إلى منح تمويلات بشكل سريع دون تقييم كافٍ للقدرة الحقيقية على السداد، وهو ما قد يؤدي إلى تراكم التعثرات مستقبلًا.
كما تتصاعد الانتقادات بشأن نقص الكفاءات الفنية داخل بعض جهات منح الائتمان، إلى جانب فوضى بعض شركات التحصيل الخارجي، التي يُتهم بعضها باستخدام أساليب تتعارض مع معايير حماية المستهلك وحقوق العملاء.
وتزايدت التساؤلات كذلك حول قدرة الجهات الرقابية على متابعة آلاف الشركات والفروع العاملة في أنشطة متعددة ومتباينة المخاطر، خاصة مع التوسع الكبير في التمويل الرقمي والاستهلاكي خلال فترة زمنية قصيرة.
طلبات إحاطة وتحذيرات برلمانية
النقاش لم يبق داخل الدوائر المصرفية فقط، بل امتد إلى البرلمان، مع تصاعد الحديث عن ظاهرة الغارمين والغارمات، وارتباط بعض حالات التعثر بأنماط تمويل مرتفعة التكلفة.
وفي هذا السياق، برزت مطالبات بضرورة مراجعة بعض الممارسات داخل السوق، ليس بهدف عرقلة التمويل أو الحد من الشمول المالي، وإنما لضمان استدامة النمو وحماية الفئات الأكثر هشاشة من الوقوع في دوائر ديون متراكمة.
كما أثارت بيانات بعض الشركات حول انخفاض نسب التعثر لديها، رغم حصصها السوقية الكبيرة، حالة من الجدل، خصوصًا مع وجود تقديرات أخرى تشير إلى ارتفاع القروض غير المنتظمة داخل قطاع التمويل الاستهلاكي، ما فتح الباب أمام تساؤلات حول جودة المحافظ الائتمانية وآليات القياس المستخدمة.
ولم تعد القضية، مجرد خلاف بين البنوك وشركات التمويل غير المصرفي، بل أصبحت نقاشًا أوسع يتعلق بطبيعة النمو الاقتصادي نفسه، وحدود الاعتماد على الاستهلاك الممول بالدين كأداة لتنشيط السوق.
الرسالة الأهم في تحذيرات هشام عز العرب
وكانت الرسالة الأهم في تحذيرات هشام عز العرب هي حماية قطاع التمويل غير المصرفي، وليس تركه دون ضوابط، بالإضافة إلى بناء سوق قوية ومستدامة قادرة على تحقيق الشمول المالي دون أن تتحول إلى قنبلة ديون موقوتة تهدد الاقتصاد والمجتمع معًا.
وفي حال غياب الإصلاح الحقيقي، يتحول التوسع الحالي في التمويل الاستهلاكي إلى أزمة اجتماعية واقتصادية ممتدة، يكون ثمنها أكبر بكثير من مجرد ارتفاع معدلات التعثر، لتطال الاستقرار المالي والاجتماعي بأكمله، في وقت يزداد فيه اعتماد قطاعات واسعة من المواطنين على التمويل لتغطية احتياجاتهم الأساسية.
وتبدأ خطط إعادة هيكلة المنظومة الرقابية، ومن تشديد معايير منح الائتمان، وتفعيل الربط الكامل بين شركات التمويل والقطاع المصرفي، مع التطبيق الصارم لمعايير «بازل 3»، الخاصة بضمان كفاءة رأس المال وإدارة المخاطر، بجانب وضع ضوابط واضحة لاختيار الكفاءات المسؤولة عن اتخاذ القرار الائتماني، إلى جانب إحكام الرقابة على شركات التحصيل.