خطة الحكومة للقضاء على الاحتكار وحماية «جيوب المواطنين»
في ظل أزمات اقتصادية عالمية ومحلية تفرض ضغوطًا هائلة على القوى الشرائية، جاءت التعديلات الأخيرة لقانون حماية المنافسة لترسم ملامح جديدة للسوق المصري، فمن جهة تسعى الدولة لتهيئة مناخ جاذب للاستثمارات الكبرى والاندماجات، ومن جهة أخرى تضع «خطوطًا حمراء» أمام أي ممارسة تلتهم «جيوب» المواطنين.
وانصب التركيز الأساسي في تعديلات القانون على التحول الجذري من نظام الرقابة اللاحقة إلى الرقابة المسبقة على عمليات الاندماج والاستحواذ؛ لحماية المواطن من تحول المنافسين إلى كيان واحد يتحكم في السلع الأساسية ويفرض سعره دون رادع، وهو ما أثار مخاوف لدى بعض المستثمرين من احتمال تعقيد الإجراءات الإدارية وتأخير إتمام الصفقات الكبرى التي تمثل شريان الحياة للاستثمار الأجنبي والمحلي في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة.
أبرز مواد القانون
وجاءت «المادة 19 مكرر» كواحدة من أبرز الإضافات في التعديلات على القانون، حيث أرست نظام «الرقابة المسبقة» على التركزات الاقتصادية، بما يشمل صفقات الاندماج والاستحواذ، وبموجب هذه المادة، أصبح لزامًا تقييم الأثر الاقتصادي لهذه الصفقات قبل تنفيذها، للتأكد من عدم تأثيرها سلبًا على هيكل السوق أو إضعاف المنافسة.
ونصت «المادة 27» على ضرورة إحداث توازن دقيق بين تشجيع الاستثمارات الوطنية والأجنبية، وبين التصدي الحاسم لأي ممارسات احتكارية، مما يصون آليات السوق من أي تشوهات قد تعيق كفاءته، ويضمن تكافؤ الفرص بين جميع الفاعلين الاقتصاديين.
وحول الشق العقابي، وافق المجلس على تغليظ الغرامات المالية لتعزيز القوة الردعية للقانون، وبعد مداولات بشأن تحديد الغرامة كـ«نسبة» من الإيرادات، واستقر المجلس على تحديد حد أقصى للغرامة يصل إلى 500 مليون جنيه في بعض الحالات، لضمان فاعلية القانون في مواجهة الكيانات الكبرى.
كما وافق البرلمان على مقترح حكومي بتعديل «المادة 97»، والتي خفضت الحد الأقصى لغرامة منع مأموري الضبط القضائي من أداء عملهم، وأصبحت الغرامة تتراوح ما بين 200 ألف جنيه وتصل إلى 10 ملايين جنيه كحد أقصى، بدلًا من 20 مليونًا، وذلك في إطار موازنة العقوبة مع طبيعة المخالفة الإجرائية.
وبحسب التعديلات الجديدة، منح جهاز حماية المنافسة استقلالًا مؤسسيًا وماليًا وإداريًا ليس مجرد «رفاهية تنظيمية»، بل هو ضرورة دستورية لضمان نزاهة الأسواق، بما يضع ضوابط صارمة للتركزات الاقتصادية التي قد تؤدي إلى هيمنة سوقية ضارة، مما يعزز من قدرة الجهاز على حماية حرية المنافسة وتوفير بيئة اقتصادية آمنة.
أدوات رقابية صارمة
ويرى الخبراء أن هذا القانون بوضعه الحالي يمثل صمام أمان حقيقي؛ فهو يحمي المستثمر الصغير من الممارسات الإقصائية ويضمن له بيئة تنافسية عادلة لا تخضع لسيطرة القوى الاحتكارية، بالإضافة إلى أنه يعمل كدرع واقٍ للمواطن من خلال منع تكتلات الشركات التي تؤدي عادة إلى رفع الأسعار بشكل غير مبرر وتقليل البدائل المتاحة، وبذلك، فإن القانون بصيغته النهائية لا يهدف لعرقلة الاستثمار، بل يسعى لتنظيمه بما يضمن استقرار السوق المصري وتحويله إلى بيئة جاذبة تقوم على الشفافية والكفاءة.
وفي هذا السياق، قال الدكتور أيمن محسب، وكيل لجنة الشئون الاقتصادية بمجلس النواب، إن التعديلات الجوهرية التي أُدخلت على قانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية كانت استحقاقًا ضروريًا للتحول نحو اقتصاد السوق المنضبط.
وشدد «محسب» على أن هذا القانون جاء ليمنح الدولة أدوات رقابية صارمة تضمن ضبط إيقاع السوق وتكافؤ الفرص، مشيرًا إلى أن الهدف هو طمأنة المواطنين وتبديد تخوفاتهم المشروعة من سيطرة بعض رجال الأعمال أو التحكم في الأسعار، بما يضمن في النهاية حماية المستهلك دون المساس بحرية النشاط الاقتصادي.
وأكد وكيل لجنة الشئون الاقتصادية بمجلس النواب، أن الدولة تعيش حاليًا مرحلة «ثورة تشريعية» شاملة، تستهدف إعادة الاقتصاد القومي وجذب الاستثمارات الأجنبية للبلاد، لافتًا إلى أن حزمة التعديلات التشريعية لم تتوقف عند قانون المنافسة، بل امتدت لتشمل قوانين سوق المال، وتنمية المشروعات الصغيرة، والتأمينات الاجتماعية، لخلق بيئة اقتصادية متكاملة.
توازن بين الربح العادل وحماية المستهلك
ومن ناحيته، قال الدكتور علي الإدريسي، الخبير الاقتصادي، وأستاذ الاقتصاد الدولى وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع، إن تعديل قانون حماية المنافسة يمثل خطوة حيوية لمواكبة المتغيرات الاقتصادية الراهنة وضبط العلاقة بين التجار والمنافسين.
وأضاف «الإدريسي» -في تصريحات خاصة لـ«النبأ»-، أن التعديلات الجديدة تمنح الدولة أدوات رقابية أكثر فاعلية، خاصة فيما يتعلق بصفقات الاندماج والاستحواذ؛ مما يضمن الحفاظ على توازن السوق ومنع الممارسات الاحتكارية التي قد تضر بحجم المنافسة الحرة.
وأشار إلى أن القانون الجديد يعزز من صلاحيات جهاز حماية المنافسة، ويمنحه الحق في تغليظ العقوبات المالية على الشركات المخالفة أو تلك التي تمارس أنماطًا احتكارية، مشددًا على أن هذه الصلاحيات تساهم بشكل مباشر في تهيئة مناخ استثماري صحي وشفاف.
وأكد الخبير الاقتصادي، أهمية صدور اللائحة التنفيذية للقانون، كونها المنوطة بتوضيح البنود الفنية وآليات التحرك داخل الجهاز خلال الفترة المقبلة، بما يخدم مصالح الاقتصاد المصري والمستثمرين والتجار على حد سواء.
وشدد على أن المواطن يظل الرابح الأكبر من هذه التعديلات، حيث يضمن له وجود منافسة حقيقية في الأسواق الحصول على سلع بجودة أعلى وأسعار مناسب، مؤكدًا أن إصرار الدولة على ضبط الأسواق يصب في مصلحة المستهلك النهائي.
وطالب الدكتور علي الإدريسي بضرورة شمول القانون لجميع السلع والخدمات دون استثناء، لتحقيق معادلة «السعر العادل» التي تضمن هامش ربح مقبول للمستثمر وتحمي المستهلك من المغالاة، مؤكدًا: «هدفنا ليس إلحاق الخسارة بالمستثمر، بل إرساء قواعد توازن تراعي حقوق الجميع».