مافيا التقارير الطبية المزورة.. سقوط “مُروّج الأختام المضروبة” يكشف شبكة تزوير مستشفيات القاهرة
في واقعة تكشف جانبًا خطيرًا من جرائم التزوير الحديثة، نجحت الأجهزة الأمنية في ضبط شاب بمحافظة الجيزة، بعدما حول مواقع التواصل الاجتماعي إلى منصة لترويج تقارير طبية مزورة منسوبة لجهات حكومية، مستغلًا حاجة البعض لتلك المستندات، قبل أن تسقطه التحريات وتُحاصره الأدلة الفنية والرقمية.
نشاط إلكتروني مريب يقود للمتهم
كشفت التحريات عن رصد صفحات وحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي تروج لاستخراج “تقارير طبية معتمدة” من مستشفيات حكومية، مقابل مبالغ مالية.
وبتتبع أحد هذه الحسابات، تبين أنه يُدار بواسطة شاب يبلغ من العمر 36 عامًا، حاصل على دبلوم صناعي، يتولى استقبال طلبات العملاء والاتفاق معهم على تفاصيل استخراج المستندات.
هذا النشاط لم يكن عشوائيًا، بل اتسم بالتنظيم، حيث اعتمد المتهم على التواصل المباشر مع راغبي الحصول على تقارير طبية دون المرور بالإجراءات الرسمية.
شبكة تزوير خلف الكواليس
أوضحت تحقيقات نيابة شمال الجيزة الكلية أن المتهم لم يكن يعمل بمفرده، بل اشترك بطريقي الاتفاق والمساعدة مع آخرين مجهولين في تزوير محررات رسمية وعرفية.
وكان دوره يتمثل في إمداد شركائه بالبيانات المطلوبة، بينما يتولى هؤلاء عملية اصطناع المحررات وتقليد الأختام الرسمية، وعلى رأسها خاتم شعار الجمهورية، قبل تسليمها له لترويجها مقابل مبالغ مالية.
“أرشيف جاهز” للتزوير
عقب استصدار إذن من النيابة العامة، تم ضبط المتهم وبحوزته كمية كبيرة من المستندات المزورة، جميعها خالية البيانات وجاهزة للاستخدام الفوري.
وضمت المضبوطات: 43 تقريرًا طبيًا منسوبًا إلى مستشفى حلوان العام، و11 تقريرًا طبيًا منسوبًا إلى مستشفى الدمرداش، وقسائم تحصيل وكشوف بالعقاقير الطبية والمستلزمات، وتذاكر عيادات خارجية منسوبة لمنطقة حلوان الطبية.
وكشفت التحقيقات أن هذه المستندات كانت تُستخدم وفق نظام “الطلب”، حيث يتم استكمال البيانات حسب رغبة العميل.
الأختام “مصنّعة” وليست أصلية
جاء تقرير الإدارة العامة لأبحاث التزييف والتزوير بمصلحة الطب الشرعي ليحسم الجدل، مؤكدًا أن جميع بصمات الأختام المثبتة على المستندات المضبوطة مزورة باستخدام قوالب مصنّعة، ولم يتم أخذها من الأختام الأصلية لأي من الجهات الحكومية.
وأشار التقرير إلى أن مستوى التقليد “متوسط”، ما يعني أنه قد ينطلي على بعض الأشخاص، وهو ما يفسر قدرة المتهم على ترويج تلك المحررات.
كما شمل الفحص قسائم التحصيل وكشوف الأدوية وتذاكر العيادات، وثبت جميعها تحمل أختامًا مقلدة منسوبة لمستشفى حلوان العام ومستشفى الدمرداش ومنطقة حلوان الطبية.
الهواتف تكشف “سوقًا سوداء”
لم تقتصر الأدلة على المضبوطات الورقية، بل كشفت الهواتف المحمولة التي عُثر عليها بحوزة المتهم عن تفاصيل أدق للنشاط الإجرامي.
فبفحص الهاتف الأول، تبين احتواؤه على تطبيقات محادثات تضم عشرات الرسائل من أشخاص يستفسرون عن استخراج تقارير طبية، وكان المتهم يرد عليهم بتفاصيل الأسعار وطرق التسليم.
كما تبين امتلاكه حسابًا على “فيسبوك”، وانضمامه إلى مجموعات تحمل اسم “تقارير طبية معتمدة من مستشفيات حكومية”، حيث كان يعلن عن توفير مستندات مختومة بخاتم شعار الجمهورية.
أما الهاتف الثاني، فكشف محادثات عبر “واتساب” بنفس النمط، إلى جانب احتوائه على صور متعددة لتقارير طبية مزورة جاهزة للتداول، ما يؤكد وجود نشاط مستمر ومنظم.
اعترافات المتهم
بمواجهة المتهم، أقر صراحة بضلوعه في النشاط الإجرامي، مؤكدًا أنه اشترك مع آخرين في تزوير المحررات، وأنه كان يتولى الترويج لها عبر مواقع التواصل الاجتماعي مقابل مبالغ مالية.
وأوضح أن الطلب على هذه التقارير كان كبيرًا، ما شجعه على الاستمرار في هذا النشاط لتحقيق أرباح سريعة.
شهادة المستشفيات
من جانبها، نفت كل من مستشفى حلوان العام ومستشفى الدمرداش صلتهما بالمحررات المضبوطة، مؤكدتين أنها مزورة بالكامل ولم تصدر عنهما.
كما شدد ممثلو الشؤون القانونية على أن الأختام المستخدمة لا تطابق الأختام الرسمية، ما يدعم نتائج الفحص الفني.
جرائم متعددة وعقوبات مشددة
واجهت النيابة المتهم بعدة اتهامات، شملت: تزوير محررات رسمية، وتقليد أختام شعار الجمهورية، واستعمال محررات مزورة، وإنشاء حساب إلكتروني لارتكاب جريمة.
وتُعد هذه الجرائم من الجنايات التي يعاقب عليها القانون بعقوبات تصل إلى السجن المشدد، خاصة مع ثبوت التربح من النشاط.