< تقنيات وأمن سيبراني.. تحديات تواجه خدمة تتبع الهواتف المفقودة والمسروقة إلكترونيًا
النبأ
رئيس التحرير
خالد مهران

تقنيات وأمن سيبراني.. تحديات تواجه خدمة تتبع الهواتف المفقودة والمسروقة إلكترونيًا

صورة -أرشيفية
صورة -أرشيفية

في ظل التغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم في مجال التكنولوجيا والتحول الرقمي، لم تعد الخدمات الحكومية التقليدية قادرة على تلبية احتياجات المواطنين بالكفاءة والسرعة المطلوبة، وهو ما دفع العديد من الدول، من بينها مصر، إلى تبني استراتيجيات طموحة لتحديث منظومة الخدمات العامة، وعلى رأسها الخدمات القضائية.

وفي هذا السياق، تبرز الخطوة التي اتخذتها النيابة العامة المصرية بإطلاق خدمة إلكترونية لمتابعة بلاغات فقد أو سرقة الهواتف المحمولة، باعتبارها نموذجا عمليا يعكس هذا التوجه نحو رقمنة العدالة وتبسيط الإجراءات.

وتكتسب هذه الخدمة أهمية خاصة في ظل الارتفاع الملحوظ في معدلات استخدام الهواتف الذكية، التي لم تعد مجرد وسيلة اتصال، بل أصبحت أداة أساسية لإدارة تفاصيل الحياة اليومية، بدءا من المعاملات البنكية، ومرورا بالعمل والتعليم، وصولا إلى تخزين البيانات الشخصية والصور والمستندات الحساسة.

ومن ثم، فإن فقدان الهاتف أو سرقته لا يمثل فقط خسارة مادية، بل قد يتحول إلى أزمة حقيقية تتعلق بخصوصية الأفراد وأمنهم الرقمي، وهو ما يزيد من أهمية سرعة التعامل مع البلاغات واتخاذ الإجراءات اللازمة.

كما تعكس هذه الخطوة وعيا متزايدا بأهمية تقليل الاحتكاك المباشر بين المواطن والجهات الحكومية، خاصة في ظل التكدس الذي كانت تشهده مقار النيابات وأقسام الشرطة نتيجة الإجراءات التقليدية، والتي كانت تتطلب حضور المواطن أكثر من مرة لمتابعة بلاغه.

ومن هنا، تأتي هذه الخدمة لتوفر بديلا أكثر مرونة، يتيح للمستخدم الاستعلام عن حالة بلاغه بسهولة عبر المنصات الرقمية الرسمية، في أي وقت ومن أي مكان، دون الحاجة إلى إهدار الوقت أو بذل مجهود إضافي.

ولا تقتصر أهمية هذه المبادرة على بعدها الخدمي فقط، بل تمتد لتشمل أبعادا أعمق تتعلق بتطوير منظومة العدالة نفسها، حيث تسهم في تعزيز الشفافية، من خلال تمكين المواطن من متابعة تطورات بلاغه بشكل مباشر، وتقليل الاعتماد على الوسائل التقليدية التي قد تفتقر أحيانا إلى الوضوح أو السرعة.

كما أنها تمثل خطوة ضمن سلسلة أوسع من الإجراءات التي تستهدف بناء نظام عدالة رقمي متكامل، قادر على مواكبة التحديات الحديثة، وتحقيق التوازن بين سرعة الإنجاز ودقة الإجراءات.

وفي هذا الإطار، تطرح هذه الخدمة عددا من التساؤلات المهمة حول مدى قدرتها على تحقيق الأهداف المرجوة منها، سواء فيما يتعلق بتسريع استرداد الهواتف المسروقة، أو تخفيف العبء عن كاهل المواطنين والجهات المعنية، أو دعم جهود الدولة في بناء منظومة عدالة رقمية متطورة.

كما تفتح الباب أمام نقاش أوسع حول التحديات التي قد تواجه تطبيق هذه الخدمة، ومدى جاهزية البنية التحتية التقنية، ومستوى الوعي الرقمي لدى المواطنين، وهو ما يجعل من هذه المبادرة تجربة تستحق التوقف عندها وتحليلها من مختلف الزوايا.

علاقة المواطن بمؤسسات العدالة

من جانبه، يرى الدكتور أحمد زايد، أستاذ علم الاجتماع، أن هذه الخطوة تمثل تحولا مهما في علاقة المواطن بمؤسسات العدالة، حيث تسهم في تقليل الفجوة التقليدية بين الطرفين، وتعزز من مفهوم «العدالة القريبة» التي يمكن الوصول إليها بسهولة.

وأشار إلى أن الخدمات الرقمية لم تعد رفاهية، بل أصبحت ضرورة في ظل تسارع نمط الحياة، لافتا إلى أن تمكين المواطن من متابعة بلاغه بشكل إلكتروني يخلق حالة من الاطمئنان ويقلل من الشعور بالبيروقراطية التي لطالما ارتبطت بالإجراءات الحكومية.

وأضاف أن هذه الخدمة يمكن أن تساهم في رفع مستوى الثقة في المؤسسات، خاصة عندما يشعر المواطن أن هناك استجابة سريعة وشفافة لشكواه، مؤكدا أن القيمة الحقيقية لهذه المبادرة لا تقتصر على الجانب الخدمي فقط، بل تمتد إلى بعدها المجتمعي، حيث تساعد في خلق ثقافة جديدة قائمة على الاعتماد على الحلول الرقمية، وهو ما يدعم جهود الدولة في بناء مجتمع رقمي متكامل.

وأوضح أن الربط بين البلاغات وقواعد البيانات المختلفة قد يسهم في تحسين كفاءة العمل الأمني، إذ يمكن تحليل البيانات بشكل أفضل، ورصد الأنماط المتكررة لجرائم سرقة الهواتف، ما يساعد في وضع استراتيجيات أكثر فاعلية لمواجهتها.

وأضاف أن هذه الخطوة، إذا ما تم تطويرها وربطها بخدمات أخرى، قد تمثل نموذجًا ناجحًا يمكن تطبيقه في مجالات أخرى داخل منظومة العدالة.

الوعي الرقمي

فيما يرى المهندس خالد عبد العزيز، خبير تكنولوجيا المعلومات، أن الخدمة تمثل خطوة إيجابية، لكنها تحتاج إلى بنية تقنية قوية وتكامل حقيقي مع باقي الجهات المعنية حتى تحقق أهدافها بشكل كامل.

وأضاف أن نجاح هذه المنظومة يعتمد بشكل كبير على مدى الربط بين النيابة العامة وشركات الاتصالات والأجهزة الأمنية، خاصة فيما يتعلق بتتبع الهواتف عبر الرقم التعريفي الدولي (IMEI) فإذا لم يكن هناك تنسيق فعال وسريع بين هذه الأطراف، فقد تظل الخدمة مجرد أداة للاستعلام دون تأثير حقيقي على سرعة استرداد الهواتف المسروقة.

وتابع «عبد العزيز»، أن من التحديات المهمة أيضا مسألة الوعي الرقمي، إذ لا يزال جزء من المواطنين غير معتاد على استخدام الخدمات الإلكترونية، ما قد يحد من الاستفادة الكاملة من هذه المبادرة.

وأكد أن إطلاق الخدمة يجب أن يتزامن مع حملات توعية وتبسيط لآليات استخدامها، حتى تصل إلى أكبر شريحة ممكنة من المواطنين، لافتا إلى ضرورة توفير دعم فني مستمر للمستخدمين، لتفادي أي مشكلات تقنية قد تواجههم أثناء استخدام المنصة.

وفي سياق متصل، حذر من أن التعامل مع بيانات حساسة مثل أرقام الهواتف وبيانات المستخدمين يتطلب أعلى درجات التأمين السيبراني، مشددًا على أن أي ثغرات في هذا الجانب قد تؤدي إلى نتائج عكسية وتقوض ثقة المواطنين في الخدمة.

ولفت إلى أن الاستثمار في البنية التحتية للأمن الرقمي لا يقل أهمية عن تطوير الخدمة نفسها، بل يعد شرطًا أساسيًا لنجاحها واستمراريتها، مؤكدا على أن هذه الخدمة تمثل بداية جيدة، لكنها تحتاج إلى تطوير مستمر وتقييم دوري لقياس مدى فعاليتها على أرض الواقع، مشيرا إلى أن التحول الرقمي الحقيقي لا يتحقق بإطلاق خدمات منفردة، بل من خلال بناء منظومة متكاملة تشمل تحديث التشريعات، وتدريب الكوادر، وتحقيق التكامل بين مختلف الجهات، بما يضمن تقديم خدمة فعالة وآمنة تلبي احتياجات المواطنين.