< تحديات تواجه مصر بعد استيراد النفط الليبى بدلا من الكويت بسبب حرب إيران
النبأ
رئيس التحرير
خالد مهران

وسط مخاوف من جودة المنتج النهائى..

تحديات تواجه مصر بعد استيراد النفط الليبى بدلا من الكويت بسبب حرب إيران

النفط الليبي
النفط الليبي

اتجهت مصر -خلال الأسابيع القليلة الماضية-، إلى فتح قنوات تواصل مع الجانب الليبي من أجل استيراد مليون برميل شهريًا من النفط الخام الليبي؛ لتعويض توقف إمدادات الخام الكويتي بسبب تعطل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز وتوسع إيران في استهداف عدد من الدول العربية بمنطقة الخليج في وقت تتصاعد فيه الحرب الدائرة بين إسرائيل وأمريكا وإيران.

كانت الكويت أعلنت حالة القوة القاهرة على مبيعاتها وهو ما يعني وجود عجز في واردات مصر من خام النفط، لا سيما وأنها تستورد شهريًا ما بين مليون لمليوني برميل نفط من الكويت.

وسريعا فتحت مصر ممثلة في الهيئة العامة للبترول قنوات تواصل مع المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا للتفاوض على استيراد مليون برميل نفط شهريًا لتعويض العجز الناتج عن توقف الإمدادات الكويتية.

وبحسب مصادر مطلعة، -تحدثت لـ«النبأ»- اتفق الجانب المصري مع نظيره الليبي على إرسال شحنتين بإجمالي 1.2 مليون برميل شهريًا.

تحرك مصر تجاه النفط الليبي، أثار جدلا واسعا بين خبراء الطاقة والبترول، لا سيما وأن مصر كانت تستبعد خلال سنوات طويلة الاعتماد على النفط الليبي رغم قرب الحدود المصرية الليبية وكون النفط الليبي من أجود خامات النفط عالميًا.

تدخلات فنية معقدة

وفسر بعض الخبراء عدم اعتماد مصر طيلة السنوات الماضية على النفط الليبي؛ لكونه رغم جودته العالية إلا أنه لا يتناسب مع البنية التحتية للمصافي المصرية ويحتاج لعمليات وتدخلات فنية معقدة أثناء التكرير لكونه من النوع الخفيف وقليل الكبريت ما قد يؤدي لارتفاع تكلفة التشغيل أثناء تكريره مقارنة بالخام الثقيل الوارد من الكويت.

وأعادت تلك الأقاويل ما جرى بمنتدى اسطنبول للطاقة والبترول عام 2012، من رفض شركات النفط العالمية توقيع عقود شراء النفط الليبي لاحتوائه على نسبة عالية من الكبريت، مؤكدين -وقتها- أنه غير صالح للاستعمال.

وفي هذا الصدد، قال الدكتور مدحت يوسف، نائب رئيس هيئة البترول الأسبق، إن النفط الليبي من النوع الشمعي الخفيف الذي يتشابه بشكل كبير مع النفط الموجود بالصحراء الغربية.

وأوضح «يوسف» أن النفط الليبي يتطلب عمليات تسخين من نوع خاص أثناء التخزين والتداول، ولا يصلح تكريره في المصافي المصرية قبل خلطه بخامات أخرى.

وأكد نائب رئيس هيئة البترول الأسبق -في تصريحات خاصة لـ«النبأ»-، أن الاتجاه لاستيراد النفط الخام من ليبيا يُعد حلًا مؤقتًا ومناسبًا للظروف الراهنة التي تمر بها مصر، والتي تأتي نتيجة انقطاع إمدادات النفط الكويتي بعد أن أعلنت الكويت وقف الإمدادات وإعلان حالة القوة القاهرة بسبب الحرب الإيرانية.

وأشار «يوسف»، إلى أن الخام الليبي رغم ما يحتاجه من معالجة خاصة لتكريره إلا أنه خيار جذاب ويتميز بعدة مزايا منها منح الجانب الليبي لمصر تسهيلات في السداد، حيث تحصل «القاهرة» على تسهيلات سداد مؤجلة لفترات زمنية جيدة، مما يخفف الأعباء المالية المباشرة على ميزانية الدولة.

واستكمل: «بالإضافة إلى القرب الجغرافي وتقارب موانئ شحنه من موانئ البترول المصرية، مما يقلل تكاليف النقل والشحن ويُجنب المخاطر المرتبطة بتأمين عبور المضايق.

ولفت إلى أن النفط الليبي سعره مرتفع عالميا بنسبة تفوق أسعار الخام الكويتي لكونه من الخامات الخفيفة بينما الخام الموجود في الخليج خام ثقيل، إلا أن إنتاجيته من المقطرات الخفيفة مرتفعة القيمة مثل البنزين تكون أعلى من مثيلاتها في الخامات الثقيلة.

وأضاف نائب رئيس هيئة البترول الأسبق، أن معامل التكرير المصرية التي ستتعامل مع الخام الليبي صُممت أصلًا لتعالج خامات ثقيلة، ولذلك سيتم اتباع أسلوب علمي دقيق يتمثل في خلط الخام الليبي الخفيف مع الخامات الثقيلة المصرية، وذلك بهدف تحقيق أقصى استفادة ممكنة من كلا النوعين، وتحقيق التوازن الأمثل لعملية التكرير.

وفيما يتعلق بتأثير هذا الخام على جودة المنتجات النهائية، ووجود مخاوف حول تأثيره على السيارات، طمأن «يوسف» المواطنين، مؤكدًا أن لا تأثير على المنتج النهائي على الإطلاق، موضحًا أن معامل التكرير المصرية يتم بها ضبط مواصفات كافة المنتجات البترولية بدقة، وفقًا للمواصفات القياسية المصرية المعتمدة، سواء كان الخام المستخدم محليًا أو مستوردًا.

وأضاف: «عملية التكرير تخضع لرقابة صارمة تضمن خروج المنتج مطابقًا للمواصفات مهما كان نوع الخام الداخل سواء خفيف أو ثقيل».

شكوك فنية ومخاوف على السيارات

وفي السياق ذاته، قال الدكتور جمال القليوبي، أستاذ هندسة البترول والطاقة، إن التعاقد المبدئي بين مصر وليبيا لاستيراد مليون برميل من النفط الخام، يستهدف حقلًا مثل «السرير» و«مسلة» و«نافورة»، وهي حقول تنتج زيتًا خامًا كثافته النوعية تتراوح بين 41 و42 درجة على مقياس المعهد الأمريكي للبترول «API»، وهي نفس الجودة والكفاءة التي يتمتع بها الزيت الخام المستخرج من الصحراء الغربية المصرية، والتي تنتج وحدها نحو 59% من إجمالي إنتاج مصر من الزيت الخام.

وأوضح «القليوبي»، -في تصريحات خاصة لـ«النبأ»-، أن حوض «السرير» الليبي يُعد امتدادًا طبيعيًا وجيولوجيًا لمنطقة الصحراء الغربية المصرية، وبالتالي فإن الخام الليبي المزمع استيراده متوافق تمامًا مع المواصفات التي تتعامل معها معامل التكرير المصرية منذ عقود، وتحديدًا في 9 معامل على رأسها معامل العامرية بالإسكندرية، ومعامل أخرى موزعة جغرافيًا على مستوى الجمهورية.

ونفى «القليوبي» بشدة صحة المعلومات المتداولة حول عدم ملاءمة الخام الليبي «الخفيف» لمصافي مصر، أو أن تكريره يتطلب تكاليف إضافية أو تسخينًا خاصًا، مؤكدًا أن مصافي التكرير المصرية تنتمي حاليًا إلى الجيل الثالث، وهي مزودة بوحدات «التكسير الهيدروجيني» التي تمكنها من التعامل مع جميع أنواع الزيوت الخام، سواء الثقيل أو الخفيف، واستخراج السولار والمازوت والمنتجات البترولية بكفاءة عالية.

وأضاف: «من يتحدث عن عدم قدرة المصافي المصرية على التعامل مع هذا الخام، ليس لديه دراية بالتكنولوجيا الحديثة التي تمتلكها مصر اليوم».

وكشف أستاذ هندسة البترول، أن مصر لا تستورد زيتًا خامًا من المملكة العربية السعودية ولا من الإمارات العربية المتحدة، مؤكدًا أن ما يستورد من هاتين الدولتين يقتصر على سلع وقودية مثل المازوت والبوتاجاز، وكذلك كميات من البنزين والسولار.

وأشار إلى أن دولة الكويت هي الوحيدة من دول الخليج التي تستورد منها مصر زيتًا خامًا حتى الآن.

وبخصوص مستقبل الاستيراد من ليبيا، أكد «القليوبي» أن مصر جادة في الاستمرار مع الخام الليبي حتى مع انتهاء الأزمة الناتجة عن الحرب الدائرة بين أمريكا وإسرائيل وإيران، ليس فقط لتنويع مصادر الطاقة، ولكن لاعتبارات لوجستية حيوية، أبرزها قرب الحدود.

واستطرد: «يمكن مد خط أنابيب بطول 160 كيلومترًا فقط من حقل «السرير» إلى منطقة السلوم، مما يتيح استيرادًا سريعًا وآمنًا دون تكاليف شحن أو تأمين أو الحاجة لعبور مضايق بحرية».

وردًا على المخاوف المتداولة بشأن تأثير هذا النوع من الخام على السيارات، أوضح «القليوبي» أن ليبيا لا تملك حاليًا مصافي تكرير قريبة من الحدود لتزويد مصر بمنتجات تامة التكرير، حيث توجد مصافيها في مناطق بعيدة عن الحدود المصرية بأكثر من 4600 كم.

وأضاف: «ما نستورده هو زيت خام يُعالج داخل مصافينا المتطورة ليُخرج منتجات عالية الجودة، والحديث عن تأثير سلبي على السيارات لا أساس له من الصحة علميًا».

واختتم «القليوبي» تصريحاته بالتأكيد على أن معامل التكرير المصرية تم صيانتها وتطويرها لتستوعب أعلى المعايير العالمية، وأن ما يثار من شكوك فنية حول الخام الليبي مرده إلى عدم الإلمام بحقيقة القدرات التكريرية الحالية لمصر.