< تحذير برلماني.. ترشيد استهلاك الكهرباء يزيد من معدلات انتشار الجريمة والبطالة
النبأ
رئيس التحرير
خالد مهران

تحذير برلماني.. ترشيد استهلاك الكهرباء يزيد من معدلات انتشار الجريمة والبطالة

الدكتور مصطفى مدبولي
الدكتور مصطفى مدبولي

في توقيت حساس يواجه فيه قطاع الطاقة تحديات متزايدة، سواء على مستوى تزايد معدلات الاستهلاك أو الضغوط الواقعة على على المنطقة في الوقت الحالي، جاء تصريح مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، ليعلن  توجها جديدا في إدارة هذا الملف الحيوي، يقوم على منح كل وزارة مسؤولية تنفيذ إجراءات ترشيد استهلاك الكهرباء وفق طبيعة عملها وإمكاناتها.

ولا يمكن قراءة هذا التصريح بمعزل عن السياق العام، إذ يعكس تحولًا واضحًا في فلسفة الإدارة الحكومية، من الاعتماد على القرارات المركزية الموحدة إلى توزيع الأدوار ومنح قدر أكبر من الاستقلالية للجهات التنفيذية المختلفة.

هذا التحول لا يرتبط فقط بكيفية خفض استهلاك الكهرباء، بل يمتد إلى إعادة صياغة العلاقة بين الحكومة المركزية والوزارات، حيث تصبح كل جهة مسؤولة بشكل مباشر عن إدارة مواردها بكفاءة، وهو ما يفتح المجال أمام حلول أكثر مرونة تتناسب مع طبيعة كل قطاع.

فالوزارات الخدمية تختلف في احتياجاتها عن الوزارات الإدارية، كما أن طبيعة العمل داخل كل جهة تفرض نمطًا مختلفًا من استهلاك الطاقة، ما يجعل من الصعب تطبيق نموذج موحد على الجميع.

ومن هنا، يبدو التفويض كأداة لإتاحة مساحة أوسع للابتكار في إيجاد حلول عملية للترشيد، بدلًا من الاكتفاء بتعليمات عامة قد لا تكون مناسبة لكل الحالات.

وفي الوقت نفسه، يطرح هذا التوجه عددًا من التساؤلات المهمة، أبرزها مدى قدرة الوزارات على تحمل هذه المسؤولية وتحويلها إلى إجراءات ملموسة تحقق نتائج حقيقية، وليس مجرد التزام شكلي.

كما يثير تساؤلًا حول ما إذا كان هذا التفويض يعكس ثقة في كفاءة الأجهزة التنفيذية وقدرتها على إدارة مواردها، أم أنه قد يؤدي إلى تفاوت في الأداء بين جهة وأخرى في ظل اختلاف الإمكانيات والخبرات. كذلك، يبرز تساؤل آخر يتعلق بمدى تأثير هذه الإجراءات على حياة المواطنين اليومية، خاصة إذا ما لجأت بعض الجهات إلى تعديل مواعيد العمل أو تقليل بعض الخدمات كجزء من خطة الترشيد.

كما أن نجاح هذا التوجه يرتبط بشكل كبير بوجود آليات واضحة للمتابعة وقياس الأداء، تضمن أن تتحول هذه المسؤوليات إلى نتائج قابلة للقياس، تسهم فعليًا في تخفيف الضغط على الشبكة الكهربائية، فبدون نظام رقابي فعال يعتمد على بيانات دقيقة، قد يصبح من الصعب تقييم مدى التزام كل وزارة أو تحديد حجم التوفير المحقق.

ومن هنا، تبرز أهمية وجود توازن دقيق بين منح الاستقلالية للوزارات وبين الحفاظ على دور رقابي مركزي يضمن تحقيق الأهداف العامة للدولة في هذا الملف.

الحلول المركزية عقيمة

في هذا السياق، قال خبير الطاقة الدكتور أحمد عزت إن تفويض الوزارات باتخاذ إجراءات ترشيد استهلاك الكهرباء يمكن أن يمثل خطوة فعالة إذا تم تطبيقه بشكل منظم ومدعوم بآليات واضحة للمتابعة، موضحًا أن كل جهة حكومية لديها خصوصية في طبيعة استهلاكها، وهو ما يجعل الحلول المركزية التقليدية أقل كفاءة في بعض الأحيان.

وأضاف أن تمكين الوزارات من إدارة استهلاكها يمنحها قدرة أكبر على اتخاذ قرارات سريعة تتناسب مع احتياجاتها الفعلية، مثل تعديل مواعيد تشغيل الأجهزة أو إعادة توزيع الأحمال خلال اليوم، مؤكدا أن هذه المرونة قد تسهم في تحقيق خفض حقيقي في الاستهلاك، خاصة إذا تم ربطها بمؤشرات أداء دقيقة تقيس حجم التوفير المحقق، إلى جانب استخدام أدوات تكنولوجية حديثة مثل أنظمة إدارة الطاقة والعدادات الذكية.

إجراءات شكلية

على الجانب الآخر، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور السيد خضر، أن هذا التوجه، رغم ما يحمله من إيجابيات، قد يواجه تحديات تتعلق بغياب معايير موحدة للتطبيق، مشيرة إلى أن ترك كل وزارة تتصرف بشكل منفرد قد يؤدي إلى تفاوت في مستوى الالتزام والنتائج.

وأوضح أن بعض الجهات قد تكتفي بإجراءات شكلية لا تحقق وفورات حقيقية، في ظل غياب رقابة مركزية صارمة تضمن جدية التنفيذ، مؤكدا أن نجاح هذه السياسة يتطلب وجود إطار واضح للمحاسبة، يتضمن تحديد مستهدفات لكل وزارة، ومراجعة دورية للنتائج، مع الإعلان عن معدلات الترشيد بشفافية.

كما حذر من أن أي تقليص غير مدروس في ساعات العمل أو الخدمات قد ينعكس سلبًا على المواطنين، ما يستدعي تحقيق توازن دقيق بين خفض الاستهلاك والحفاظ على كفاءة الأداء الحكومي.

غضب تجاه الإغلاق الليلي

وفي سياق آخر، أثار قرار الحكومة بالإغلاق الليلي للمحال التجارية، حفيظة نواب البرلمان، وتقدم النائب علي خليفة، عضو مجلس النواب عن حزب العدل، بطلب إحاطة عاجل إلى المستشار هشام بدوي، رئيس مجلس النواب، موجهًا إلى وزيري الكهرباء والتنمية المحلية والبيئة، بشأن التداعيات الأمنية المترتبة على قرارات «الإغلاق الليلي» للمحال التجارية وتخفيف إنارة الطرق، والتي بدأت الحكومة تطبيقها مطلع الأسبوع الجاري.

وأكد «خليفة»، في طلبه أن التوجه نحو ترشيد استهلاك الكهرباء لمواجهة أزمة الطاقة الحالية لا يجب أن يأتي على حساب الأمن المجتمعي.

وأوضح أن قرار إغلاق المحال والمولات في التاسعة مساءً، وإطفاء لوحات الإعلانات وتخفيف إنارة الطرق، يخلق بيئة خصبة لزيادة معدلات الجريمة، خاصة في القرى والنجوع والمناطق النائية.

واستند «خليفة» في طلب الإحاطة إلى دراسات أمنية وأكاديمية تشير إلى أن 72% من المجرمين يفضلون ارتكاب جرائمهم ليلًا لسهولة التخفي، وقانون العقوبات المصري يعتبر «الليل» ظرفًا مشددًا للعقاب نظرًا لصعوبة تتبع الجناة وملاحقتهم.

وقال إن غياب الإنارة والحركة في الشوارع لا يسهل فقط حركة الخارجين على القانون، بل يُعطل فعالية كاميرات المراقبة التي تُعد الأداة الأهم حاليًا في كشف غموض الجرائم وتتبع الجناة، حسب وصفه.

واختتم النائب بالمطالبة بضرورة مراجعة هذه القرارات من منظور أمني، وإشراك المختصين لضمان عدم تحول الشوارع إلى مناطق مهجورة تفتقر للرقابة البصرية.

ودعا إلى إحالة طلب الإحاطة إلى اللجنة النوعية المختصة بمجلس النواب؛ لمناقشته بحضور المسئولين من وزارتي الكهرباء والتنمية المحلية، لوضع ضوابط تضمن «الترشيد الآمن» دون المساس بسلامة المواطنين.

كما تقدم النائب ياسر الهضيبي، وكيل لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب، بطلب إحاطة موجه إلى رئيس مجلس الوزراء، ووزير الكهرباء والطاقة المتجددة، ووزيرة التنمية المحلية، بشأن التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لقرارات غلق المحال التجارية في مواعيد مبكرة ضمن إجراءات ترشيد استهلاك الطاقة.

وأوضح «الهضيبي»، أن هذه القرارات أسفرت عن انعكاسات مباشرة على قطاعات واسعة من أصحاب الأنشطة التجارية والعاملين بها، مشيرا إلى أن تقليص ساعات العمل، خاصة خلال الفترات المسائية التي تمثل ذروة النشاط التجاري، أدى إلى تراجع ملحوظ في حجم المبيعات وانخفاض الدخل اليومي لعدد كبير من الأنشطة، لا سيما المحال الصغيرة ومتناهية الصغر، والمطاعم والكافيهات الشعبية، والورش الحرفية، فضلا عن العمالة غير المنتظمة التي تعتمد بشكل أساسي على العمل اليومي وخدمات التوصيل المرتبطة بالنشاط المسائي.

الاستغناء عن العمالة

وأضاف عضو مجلس النواب، أن الأمر يترتب عليه تداعيات اقتصادية متزايدة تتمثل في صعوبة تغطية الالتزامات الأساسية من إيجارات وأجور وفواتير، وتراجع القدرة على الاستمرار في تشغيل العمالة بنفس المعدلات، بما ينذر بزيادة معدلات الاستغناء عن العمالة أو تقليص ساعات العمل، خاصة في ظل أوضاع اقتصادية تشهد بالفعل ضغوطا معيشية متصاعدة وارتفاعا في تكاليف الحياة.

وأشار النائب إلى أن التداعيات لا تقتصر على الجانب الاقتصادي، لكنها تمتد إلى أبعاد اجتماعية تمس استقرار الأسر المصرية، حيث تتزايد الضغوط على الأسر التي تعتمد على الدخل اليومي، وتتآكل قدرتها الشرائية، وتتسع دائرة الفئات الأكثر هشاشة، بما يثير تساؤلات حول مدى التوازن بين أهداف ترشيد استهلاك الطاقة والحفاظ على مصادر دخل المواطنين.

وطالب النائب ياسر الهضيبي الحكومة بإجراء تقييم شامل ودقيق للأثر الاقتصادي والاجتماعي لهذه القرارات، ومراجعة مواعيد الغلق أو تطبيق استثناءات مدروسة لبعض الأنشطة الأكثر تضررا، ودراسة تقديم حزم دعم أو تخفيف أعباء للفئات المتأثرة، إلى جانب التوسع في بدائل ترشيد الطاقة التي لا تؤثر بشكل مباشر على النشاط الاقتصادي.

كما دعا النائب إلى ضرورة إعلان رؤية واضحة ومحددة زمنيا لهذه الإجراءات لتقليل حالة عدم اليقين لدى أصحاب الأعمال، مطالبا الحكومة بتوضيح الأسس التي استندت إليها في اتخاذ هذه القرارات وخططها للتعامل مع تداعياتها بما يحقق التوازن بين متطلبات إدارة موارد الطاقة والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للمواطنين.