< اضطراب أسعار الذهب محليًا وعالميًا.. النفط والدولار يحددان الاتجاهات في الأسواق
النبأ
رئيس التحرير
خالد مهران

اضطراب أسعار الذهب محليًا وعالميًا.. النفط والدولار يحددان الاتجاهات في الأسواق

أسعار الذهب
أسعار الذهب

شهدت أسعار الذهب في الأسواق المحلية حالة من الاستقرار النسبي المائل للارتفاع الطفيف خلال تعاملات الأسبوع الماضي، في وقت تكبدت فيه الأوقية خسائر حادة في البورصة العالمية، وسط تقلبات قوية مدفوعة بتغيرات سعر الدولار الأمريكي وارتفاع أسعار النفط، إلى جانب استمرار التوترات الجيوسياسية، وذلك وفقًا للتقرير الصادر عن منصة «آي صاغة» المتخصصة في متابعة أسواق الذهب والمجوهرات.

قال المهندس سعيد إمبابي، المدير التنفيذي لمنصة «آي صاغة»، إن أسعار الذهب في السوق المحلية سجلت ارتفاعًا طفيفًا بنحو 0.1% خلال الأسبوع الماضي، بما يعادل نحو 10 جنيهات لجرام الذهب عيار 21، وهو الأكثر تداولًا في مصر.

وأوضح أن جرام الذهب عيار 21 افتتح تعاملات الأسبوع عند مستوى 6915 جنيهًا، قبل أن يتراجع إلى أدنى مستوى له عند 6730 جنيهًا، ثم يعاود الارتفاع ليغلق عند 6925 جنيهًا بنهاية الأسبوع، في ظل تحركات متباينة تعكس حالة عدم الاستقرار في السوق.

وأضاف أن سعر جرام الذهب عيار 24 سجل نحو 7914 جنيهًا، بينما بلغ سعر جرام الذهب عيار 18 نحو 5936 جنيهًا، في حين وصل سعر الجنيه الذهب إلى نحو 55،400 جنيه.

وأشار إمبابي إلى أن السوق المحلية لا تزال تتداول عند مستوى أقل من السعر العالمي بفارق يصل إلى 292 جنيهًا، وفقًا لسعر صرف الدولار الرسمي بالبنك المركزي، وهو ما يعكس حالة ضعف في الطلب المحلي على الذهب خلال الفترة الحالية.

على الصعيد العالمي، شهدت أسعار الذهب تراجعًا ملحوظًا خلال الأسبوع الماضي، حيث افتتحت الأوقية التعاملات عند مستوى 4497 دولارًا، قبل أن تهبط إلى أدنى مستوى لها في أربعة أشهر عند 4098 دولارات خلال جلسة يوم الاثنين، ثم تعاود التعافي الجزئي لتغلق عند 4494 دولارًا بنهاية تعاملات يوم الجمعة.

وجاءت هذه التحركات في إطار نطاق تداول واسع اتسم بالتذبذب الحاد، حيث تراوحت الأسعار بين مستويات 4100 و4600 دولار للأوقية، في ظل حالة من عدم اليقين التي تسيطر على الأسواق العالمية.

تتأثر أسعار الذهب حاليًا بعدة عوامل رئيسية تتجاوز دوره التقليدي كملاذ آمن، يأتي في مقدمتها الارتفاع الكبير في أسعار النفط، حيث تجاوز سعر خام برنت مستوى 110 دولارات للبرميل، ما يعزز الضغوط التضخمية على الاقتصاد العالمي.

في المقابل، يواصل الدولار الأمريكي فرض ضغوطه على الذهب، حيث ارتفع مؤشر الدولار إلى مستوى 100.17، مما يقلل من جاذبية المعدن الأصفر للمستثمرين، خاصة مع كونه مسعرًا بالدولار.

كما تلعب عوائد سندات الخزانة الأمريكية دورًا محوريًا في تحركات الذهب، حيث استقرت عوائد السندات لأجل 10 سنوات عند مستوى 4.438%، ما يزيد من جاذبية الاستثمار في أدوات الدخل الثابت مقارنة بالذهب الذي لا يحقق عائدًا مباشرًا.

في سياق متصل، أشار عدد من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى التحديات التي تواجه السياسة النقدية، في ظل استمرار صدمات أسعار الطاقة.

فقد حذرت آنا بولسون، رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في فيلادلفيا، من تداعيات ارتفاع أسعار الوقود والأسمدة، وتأثيرها المباشر على معدلات التضخم، بينما وصف توماس باركين، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في ريتشموند، صدمة أسعار النفط بأنها تضيف طبقة جديدة من الضبابية على المشهد الاقتصادي، داعيًا إلى التريث والإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير حتى تتضح الرؤية.

شهدت تعاملات يوم الخميس أكبر خسائر أسبوعية للذهب، حيث تراجع سعر الأوقية بنسبة 2.7% ليصل إلى 4384.38 دولارًا، متأثرًا بارتفاع الدولار وأسعار النفط.

ورغم ذلك، قام بنك "كومرتس" برفع توقعاته لأسعار الذهب بنهاية العام إلى 5000 دولار للأوقية، بدلًا من 4900 دولار، في إشارة إلى أن التراجعات الحالية قد تكون مؤقتة ولا تعكس الاتجاه طويل الأجل.

ساهم تراجع الأسعار العالمية في تحفيز الطلب الفعلي بشكل طفيف، حيث قام التجار في الهند بخفض الخصومات إلى 61 دولارًا للأوقية مقارنة بـ 75 دولارًا في الأسبوع السابق، كما تراجعت العلاوات في السوق الصينية لتتراوح بين 14 و18 دولارًا للأوقية.

ومع ذلك، يظل هذا التحسن محدودًا وهشًا، في ظل استمرار الضغوط الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط وقوة الدولار، وهو ما قد يدفع المستثمرين إلى زيادة رهاناتهم ضد خفض أسعار الفائدة، وبالتالي زيادة الضغوط على الذهب.

تتجه أنظار الأسواق حاليًا نحو بيانات الوظائف الأمريكية المرتقب صدورها في 3 أبريل، حيث تشير توقعات وكالة رويترز إلى إضافة نحو 55 ألف وظيفة جديدة، مع استقرار معدل البطالة عند 4.4%.

وتكتسب هذه البيانات أهمية كبيرة، نظرًا لتأثيرها المباشر على توجهات السياسة النقدية الأمريكية، خاصة في ظل توقعات باستمرار التشديد النقدي وعدم خفض أسعار الفائدة خلال عام 2026، وفقًا لأداة FedWatch التابعة لمجموعة CME، مع وجود احتمال بنسبة 35% لرفع الفائدة بنهاية العام.

كما أظهرت بيانات جامعة ميشيجان تراجع ثقة المستهلك الأمريكي خلال شهر مارس، بالتزامن مع ارتفاع توقعات التضخم على المدى القصير، ما يعزز من احتمالات استمرار السياسة النقدية المتشددة.

كشفت بيانات حديثة عن قيام البنك المركزي التركي ببيع أو تسييل نحو 60 طنًا من الذهب خلال الأسبوعين الماضيين، سواء عبر البيع المباشر أو من خلال عمليات مقايضة للحصول على سيولة تقدر بنحو 8 مليارات دولار، ما أدى إلى تراجع احتياطياته إلى نحو 772 طنًا، وهو أدنى مستوى في 13 شهرًا.

ويرى محللون أن هذه التحركات لا تعكس تخارجًا كاملًا من الذهب، حيث تُستخدم غالبًا كأدوات للحصول على سيولة مؤقتة، إلا أن تكرار مثل هذه العمليات من قبل بنوك مركزية أخرى قد يشكل ضغطًا هبوطيًا على أسعار الذهب عالميًا.

على صعيد التوترات الجيوسياسية، عادت أسعار الذهب للارتفاع لتقترب من مستوى 4500 دولار للأوقية، مدعومة بتصاعد الأحداث في الشرق الأوسط، بما في ذلك القصف الإسرائيلي لبيروت واستهداف صواريخ إيرانية للعاصمة السعودية، وهو ما عزز من الطلب على الذهب كملاذ آمن.

ورغم ذلك، تعرضت الأسواق لموجة بيع قوية دفعت أسعار الذهب للتراجع بنحو 15% خلال الشهر الجاري، وبنسبة 16% منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير، وذلك نتيجة الارتفاع القوي في الدولار الأمريكي.

على المدى الطويل، لا يزال الاتجاه العام لأسعار الذهب مدعومًا بعودة المشترين الانتهازيين الذين يستغلون التراجعات السعرية للدخول إلى السوق، ما يعزز من فرص الصعود مستقبلًا.

كما تعمل عدة مراكز مالية آسيوية، مثل هونج كونج وسنغافورة، على تعزيز دورها في سوق الذهب العالمي من خلال تطوير أنظمة المقاصة وزيادة السعات التخزينية، بهدف دعم مكانة الذهب كأصل احتياطي استراتيجي في ظل تصاعد حالة عدم اليقين العالمي.

وفي ظل هذه المعطيات، تترقب الأسواق صدور المزيد من البيانات الاقتصادية الأمريكية، خاصة المتعلقة بسوق العمل وثقة المستهلك ومبيعات التجزئة، لتحديد اتجاه السياسة النقدية الأمريكية، وبالتالي رسم ملامح حركة أسعار الذهب خلال الفترة المقبلة.