شكوك تدور حول الرئيس الأمريكى..
سر تلاعب «ترامب» فى مسار الأسواق العالمية
«هل يتلاعب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مسار الأسواق العالمية؟» سؤال فرض نفسه بقوة خلال فترات متكررة من ولايته، بعدما شهدت أسواق الذهب والفضة والنحاس والنفط والعملات الرقمية تقلبات حادة تزامنت بشكل لافت مع تصريحاته وتغريداته الفترات الأخيرة.
ففي كل مرة كان يلوّح فيها بفرض رسوم جمركية، أو يعلن تهدئة مفاجئة في التوترات التجارية، أو هدنة لوفق إطلاق النار في غزة، آخر هذه التصريحات المشاورات التي وصفها بـ«المثمرة» بين واشنطن وطهران، كانت الأسواق تتحرك بسرعة، صعودًا أو هبوطًا، وكأنها تستجيب لإشارات غير مباشرة، حيث انخفض النفط 20 دولارًا، بنسبة 10% تقريبا وارتفعت الأسهم بنسبة 2% تقريبا.
ولم تؤثر تصريحات «ترامب» فقط على أسعار النفط، بل الأمر أثر على أسواق الذهب، فبعد أن واجهت أسعار المعدن الأصفر عالميًا تراجعات حادة خلال الفترة الأخيرة، فقد فيها أكثر من 23% من قيمته منذ اندلاع الحرب بين إيران وإسرائيل، حيث هبط من مستوى 5400 دولار للأوقية في بداية أولى جلسات التداول مع اندلاع الحرب، إلى نحو 4128 دولارًا بداية تعاملات الأسبوع الجاري، فاقدًا نحو 1272 دولارًا، بما يعادل تراجعًا نسبته 23.6%.
ولكن سرعان ما ارتفع الذهب مرة أخرى، عقب تصريحات ترامب حول تأجيل ضرب منشأت الطاقة في إيران، حيث وصل سعر الأوقية عالميًا إلى أكثر من 4400 دولار، محققة مكاسب تتخطي الـ200 دولار في أقل من ساعة.
كما ارتفعت أسعار الفضة في المعاملات الفورية بنسبة 2.5% لتصل إلى 69.47 دولارًا للأونصة، في نظره تفاؤلية حول انتهاء الحرب، بعدما هبطت لأدنى مستوى لها منذ بداية العام الجاري، لتصل إلى 61،76 دولارا.
أما بالنسبة للعملات الرقمية، تحولت إلى الارتفاع عقب تصريحات الرئيس الأمريكي، بعدما لامست البيتكوين أدنى مستوياتها منذ أسبوعين، وذلك على خلفية هدوء المخاوف المتعلقة بالتضخم والاضطرابات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وإعلان هدنة بين واشنطن وطهران.
فيما صعدت أسعار النحاس بنسبة تقارب 3% عقب تغريدة «ترامب»، قبل أن تعاود التراجع، عن جزءًا من مكاسب الجلسة السابقة، بعد صعود أسعار النفط عقب نفي إيران أي محادثات مع أميركا لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط.
وارتفعت البيتكوين بنسبة 4.25% إلى 71270 دولارًا، بعدما لامست 67362 دولارًا وهو أدنى مستوى منذ التاسع من مارس.
وأثار التزامن، شكوكًا واسعة بين المستثمرين والمحللين حول ما إذا كانت هذه التصريحات مجرد مواقف سياسية عفوية، أم أدوات ضغط محسوبة تحمل في طياتها قدرة على توجيه دفة الأسواق، ولو بشكل غير مباشر.
نشاط غير اعتيادي في الأسواق
ويرى خبراء، أن هناك تحركا واضحا قبل وبعد تصريحات ترامب عن الوضع الحالي، لافتين إلى أن حدث في الأسواق تحركات سبقت مباشرة إعلان دونالد ترامب تأجيل قرار ضرب منشآت الطاقة في إيران بدقائق معدودة.
وأوضح الخبراء، أن هذه الفترة شهدت تنفيذ صفقة مجمعة لشراء عقود مستقبلية لمؤشر S&P 500 بقيمة اسمية بلغت نحو 1.5 مليار دولار، إلى جانب بيع عقود مستقبلية للنفط بقيمة تقارب 192 مليون دولار، وهو ما يُعد حجم تداول يفوق ما بين 4 إلى 6 أضعاف متوسط أي صفقة أخرى خلال فترة إغلاق السوق.
وأضاف الخبراء، أن هذا النشاط غير الاعتيادي يثير تساؤلات حول احتمالية وجود أطراف كانت على دراية مسبقة بالقرار قبل إعلانه رسميًا، ما مكّن بعض المستثمرين من تحقيق أرباح ضخمة في وقت قياسي، مشيرين إلى أن مثل هذه التحركات تعزز الشكوك حول وجود ارتباطات مباشرة بين بعض المتعاملين في السوق وصناع القرار.
بينما اتهم البعض، الرئيس الأمريكي، بالتلاعب بالأسواق من أجل تحقيق أرباح خيالية لاصدقائه أمراء الحرب.
في مواجهة هذه الاتهامات الضمنية، صرّح المتحدث باسم البيت الأبيض، كوش ديساي، بأن تركيز الإدارة ينصب فقط على مصلحة الشعب الأمريكي، مؤكدًا أن البيت الأبيض لا يتسامح مع استغلال المسؤولين للمعلومات الداخلية لتحقيق مكاسب غير مشروعة، واصفًا التقارير التي تلمح لذلك بـ«غير المسؤولة».
ومع ذلك، عبّر مديرو صناديق تحوط عن «إحباطهم» من تكرار هذه الصفقات الاستباقية، حيث وصف أحد المتداولين ذوي الخبرة ما حدث بأنه «غير طبيعي» تمامًا، خاصة في يوم يفتقر للبيانات الاقتصادية الهامة أو تصريحات مسؤولي الفيدرالي.
النفط شريان الحرب
وفي هذا السياق، قال الدكتور أحمد معطي، محلل أسواق المال العالمية، إن تصريحات الرئيس الأمريكي عن تأجيل ضرب منشأة الطاقة الإيرانية، تسببت في حالة تفاؤلية في الأسواق المالية العالمية.
وأضاف «معطي»، أن التصريحات أثرت على النفط بشكل كبير ولا سيما هو شريان هذه الحرب، مما أدى إلى ترجعات في أسعار برميل النفط ليصل إلى 96 دولارًا بدلًا من 120 دولار للبرميل.
وتابع: «بالنسبة للمعادن مثل الذهب والفضة شهدت انخفاضات عنيفة خلال الفترة الماضية، لكن مع التصريحات بدأت في تحقق مكاسب مرة أخري، حيث انعكاسات هذه التصريحات كبير جدًا على الأسواق العالمية».
وأشار محلل أسواق المال العالمية، إلى أن استقرار الأسواق، لن يتم إلا في حالة الوصول إلى اتفاق بين واشنطن وإيران ووقف الحرب بشكل كامل، موضحًا: «في حالة انتهاء الحرب على إيران ستخفض الأسعار خلال أسبوعين فقط».
جغرافيا الاقتصاد
على الجانب الآخر، يرى الدكتور محمد موسى، أستاذ الاقتصاد السياسى، أن الآثار الاقتصادية لتصريحات ترامب الأخيرة على الأسواق العالمية، رد فعل طبيعي في ظل حساسية الأسواق للتصريحات السياسية.
وقال «موسى»، إن الحرب الدائرة رغم ارتباطها بالجغرافيا السياسية والعسكرية، إلا أن العامل الحاسم فيها يظل الجغرافيا الاقتصادية.
وأشار أستاذ الاقتصاد السياسي، إلى أن العوامل الاقتصادية كانت وراء اندلاع الأزمة، وستكون أيضًا العامل الرئيسى فى إنهائها خلال الفترة المقبلة.
وأكد أن تصريحات دونالد ترامب قد تحمل طابع المراوغة السياسية، سواء بهدف كسب الوقت أو تحقيق مكاسب تفاوضية، مشيرًا إلى أن هذه المراوغة لا تقل عن أساليب التفاوض الإيرانية، بل قد تتجاوزها فى بعض الأحيان، خاصة فى ظل سوابق تتعلق بإدارة المفاوضات والضربات المتزامنة.
وأوضح «موسى» أن سلوك الأطراف المختلفة، سواء الولايات المتحدة أو إسرائيل أو إيران، يعكس نمطًا من المراوغة السياسية في إدارة الأزمة، ما يزيد من تعقيد المشهد ويؤثر بشكل مباشر على مسار المفاوضات.
ولفت إلى أن أسعار النفط تمثل العامل الأكثر تأثيرًا فى الاقتصاد العالمى، حيث تتحكم فى مختلف مفاصل الاقتصاد، بدءًا من الطاقة والغاز، مرورًا بالأسمدة الزراعية، وصولًا إلى المواد المستخدمة فى الصناعات التكنولوجية مثل الكبريت المستخدم فى الرقائق الإلكترونية.