< قرارات الترشيد الحكومية تزيد الضغوط على الأسواق وترفع معدلات البطالة
النبأ
رئيس التحرير
خالد مهران

اقتصاد حرب..

قرارات الترشيد الحكومية تزيد الضغوط على الأسواق وترفع معدلات البطالة

مصطفى مدبولي رئيس
مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء

يبدو أن مصر تقف على أعتاب أزمة طاقة تفرض نفسها بقوة على المشهد الاقتصادي، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية عالميًا وتراجع المعروض من مصادر الطاقة، بالتزامن مع ارتفاع حاد في الأسعار، وهذا المشهد المعقد انعكس بشكل مباشر على الداخل المصري ومعدلات البطالة، حيث بدأت الحكومة في اتخاذ إجراءات استثنائية لضبط الاستهلاك ومواجهة تداعيات الأزمة المتصاعدة.

وجاءت الإجراءات الاستثنائية، في الوقت التى تواجه فيه مصر قفزة غير مسبوقة في فاتورة واردات الغاز الطبيعي التي ارتفعت إلى 1.65 مليار دولار شهريًا، مقارنة بـ560 مليون دولار قبل اندلاع الحرب، بزيادة تتجاوز مليار دولار، مما يمثل عبئًا إضافيًا على الاقتصاد، حيث تفاقمت أزمة الطاقة في مصر بصورة ملاحظة مع اندلاع الحرب في الشرق الأوسط وبعد تعطل إمدادات الغاز القادمة من إسرائيل، والتي تُعد أحد المصادر المهمة لتغذية الشبكة المحلية، وخصوصًا خلال فترات ذروة الاستهلاك.

ومنذ بدء التصعيد تأثرت عمليات الإنتاج والنقل في حقول الغاز الواقعة شرق البحر المتوسط؛ مما دفع إلى تقليص أو وقف ضخ الغاز إلى مصر كإجراء احترازي مرتبط بالظروف الأمنية، وهو ما انعكس سريعًا على توافر الإمدادات.

ويأتي هذا التوقف في وقت حساس، إذ يشهد الطلب المحلي على الكهرباء والغاز ارتفاعًا موسميًا يضع ضغوطًا إضافية على الحكومة لتوفير بدائل سريعة، سواء عبر زيادة الاستيراد من الأسواق العالمية أو اللجوء إلى إجراءات ترشيد الاستهلاك.

إجراءات حكومية لترشيد الاستهلاك

وفي هذا الإطار، وجّه مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، بحزمة من القرارات العاجلة تستهدف ترشيد استهلاك الكهرباء والطاقة، شملت تخفيف إنارة الشوارع والميادين العامة، في محاولة لتقليل الضغط على الشبكة القومية للكهرباء، خاصة في أوقات الذروة.

كما تضمنت الإجراءات تحديد مواعيد غلق المحال التجارية والمولات، عند الساعة التاسعة مساءً، وهو ما يمثل تحولًا ملحوظًا في نمط النشاط التجاري، ويعكس حجم التحديات التي تواجهها الدولة في إدارة موارد الطاقة المتاحة، في ظل ارتفاع تكلفة الإنتاج والاستيراد.

وامتدت قرارات الحكومة لتشمل إغلاق الحي الحكومي عند الساعة السادسة مساءً، إلى جانب التوسع في تطبيق نظام العمل من المنزل لبعض الموظفين، بهدف تقليل استهلاك الطاقة داخل المباني الحكومية وخفض الأحمال الكهربائية، خصوصًا في ظل الضغوط الحالية على قطاع الكهرباء.

فيما تشهد الأسواق المحلية موجة من ارتفاع الأسعار وزيادة تكاليف الإنتاج، نتيجة ارتفاع أسعار الوقود محليًا؛ نتيجة أزمة الطاقة العالمية، ما يضع الاقتصاد المصري أمام اختبار صعب لتحقيق التوازن بين تأمين احتياجات الطاقة والحفاظ على استقرار الأسواق.

في المقابل، أثارت هذه القرارات حالة من الجدل وخاصة غلق المحال التجارية الساعة 9 مساءً، حيث واجه عدد من الانتقادات بين أصحاب المحال التجارية والمصنعين والمستثمرين، الذين يرون أنها قد تُفاقم الضغوط على النشاط الاقتصادي بدلًا من احتوائها.

وأشاروا إلى أن تقليص ساعات العمل وغلق المحال مبكرًا سيؤديان إلى تراجع حجم المبيعات اليومية وانخفاض الإيرادات، في وقت يعاني فيه التجار بالفعل من أعباء متزايدة تشمل الضرائب وارتفاع تكاليف التشغيل من كهرباء وإيجارات وخامات، فضلًا عن أجور العمالة.

كما حذّر عدد من المستثمرين من أن استمرار هذه الإجراءات دون حلول موازية قد يدفع بعض الأنشطة إلى تقليص حجم أعمالها أو الخروج من السوق، وهو ما قد ينعكس بدوره على سوق العمل من خلال تسريح جزء من العمالة، بما يضيف تحديًا جديدًا أمام الاقتصاد في مرحلة تتطلب دعم الإنتاج وتحفيز الاستثمار، لا تقليصه.

آثار اقتصادية واجتماعية

وفي تحرك برلماني بشأن إجراءات الحكومة لترشيد الاستهلاك، تقدم الدكتور أحمد خليل خير الله رئيس الهيئة البرلمانية لحزب النور بمجلس النواب، بطلب إحاطة إلى المستشار هشام بدوي، رئيس المجلس، موجّهًا إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير التنمية المحلية، بشأن الآثار الاقتصادية والاجتماعية لقرار تنظيم مواعيد غلق المحال العامة.

وأوضح «خير الله» في طلبه، أن القرار الخاص بتحديد مواعيد الإغلاق، خاصة الساعة التاسعة مساءً، ألحق أضرارًا مباشرة بقطاع التجارة، الذي يمثل ركيزة أساسية في الاقتصاد، مشيرًا إلى أن تراجع القوة الشرائية يهدد استقرار المنشآت الصغيرة والمتوسطة.

وأكد الدكتور أحمد خليل، أن بعض أصحاب المحال قد يضطرون إلى تقليص العمالة نتيجة انخفاض ساعات التشغيل، في ظل غياب الحوافز أو التسهيلات الداعمة، ما قد يؤدي إلى زيادة معدلات البطالة.

وتساءل رئيس الهيئة البرلمانية لحزب النور عن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتعويض المتضررين، وإمكانية مراجعة مواعيد الغلق في المحافظات ذات النشاط التجاري المكثف، إلى جانب خطة حماية العمالة المتضررة.

وشدد «خير الله» على ضرورة وضع آليات واضحة لحماية العمالة وضمان استقرار الأوضاع المعيشية للأسر المتأثرة، بما يحقق التوازن بين تنظيم العمل ودعم النشاط الاقتصادي.

أعتاب تطبيق اقتصاد حرب 

ومن ناحيته، قال الدكتور عادل عامر، الخبير الاقتصادي ومدير عام مركز المصريين للدراسات السياسية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية، إن الحكومة وضعت في موقف صعب بسبب الحرب على الإيران، والتي تسببت في ارتفاع أسعار الطاقة، حيث لجأت الحكومة لقرارات الإغلاق وعدم إنارة الشوارع، والعمل بشكل جزئي بديلًا لقطع الكهرباء عن المنازل والمناطق الصناعية بـ«3 ساعات» خلال فصل الصيف كما حدث في الماضي، أو رفع الأسعار.

وأضاف «عامر» -في تصريحات خاصة لـ«النبأ»-، أن القرار لن يؤثر على المواطن بشكل مباشر  ولكن سيؤثر على القطاع الخاص حيث سيضطر إلى تقليل العمالة ليتماشى مع التغييرات في ساعات العمل وانخفاضها، وهو ما يزيد حجم البطالة الفترة المقبلة.

وأشار «عامر»، إلى أن الحدة الاقتصادية ستتمثل في انخفاض حجم المبيعات للمحال التجارية، ونسبة التوزيع وتوفير تكاليف التشغيل من الضرائب والكهرباء، وغاز، مياه.

وتابع: «رغم الأثار السلبية للقرار على العمالة والمبيعات، ولكنه أفضل من قطع الكهرباء الذي حدث خلال السنوات الماضية، حيث كان يكبد الدولة خسائر فادحة وخاصة مع وقف بعض المصانع لخطوط إنتاجها، وهو ما كان يضر الاستثمار بشكل كبير».

وأكد الخبير الاقتصادي، أن الدولة على أعتاب تطبيق اقتصاد حرب في مصر، في الظل الظروف الراهنة، ويجب على المواطن الوقوف بجانب الحكومة لتخطى هذه المرحلة، ويتكييف مع الظروف الحالية ومواعيد الإغلاق الجديدة، لاستمرار دورة العمل والإنتاج في الأسواق.

وأوضح أن الاقتصاد المصري حاليًا ليس يعاني فقط من القرارات الخاصة بترشيد الاستهلاك ولكنه يتأثر بجميع الأحداث الجارية من تعطيل سلاسل الإمداد وزيادة أجور الشحن بالإضافة إلى تعطيل السفن، وزيادة المواد البترولية.