< تراجع أسعار الفضة في الأسواق المحلية والعالمية وسط تقلبات اقتصادية وجيوسياسية وضغوط الدولار
النبأ
رئيس التحرير
خالد مهران

تراجع أسعار الفضة في الأسواق المحلية والعالمية وسط تقلبات اقتصادية وجيوسياسية وضغوط الدولار

أسعار الفضة
أسعار الفضة

كشف تقرير صادر عن «مركز الملاذ الآمن» عن تراجع أسعار الفضة في الأسواق المحلية خلال تعاملات الأسبوع الماضي، في ظل حالة من التقلبات التي تشهدها الأسواق العالمية، حيث انخفضت الأسعار بنحو 5% متأثرة بتراجع الأوقية في البورصة العالمية بنسبة تقارب 4%.

ويأتي هذا التراجع بالتزامن مع ارتفاع أسعار النفط واستقرار الدولار الأمريكي قرب أعلى مستوياته في نحو أربعة أشهر، عقب قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تمديد العقوبات المفروضة على النفط الروسي لمدة 30 يومًا إضافية.

وأوضح التقرير أن أسعار الفضة في السوق المحلية سجلت انخفاضًا ملحوظًا خلال الأسبوع، حيث تراجع سعر جرام الفضة عيار 999 بنحو 7 جنيهات، بعدما افتتح التداولات عند مستوى 145 جنيهًا للجرام، قبل أن يغلق مع نهاية الأسبوع عند نحو 138 جنيهًا. كما بلغ سعر جرام الفضة عيار 925 نحو 128 جنيهًا، بينما سجل جرام الفضة عيار 800 حوالي 111 جنيهًا للجرام، في حين استقر سعر الجنيه الفضة عند مستوى 1024 جنيهًا. وعلى الصعيد العالمي، انخفضت الأوقية من مستوى 84 دولارًا في بداية الأسبوع إلى نحو 80.5 دولارًا بنهاية التعاملات.

وأشار تقرير «مركز الملاذ الآمن» إلى أن استقرار أسعار النفط عند مستويات مرتفعة يواصل التأثير على تحركات الدولار الأمريكي، وهو ما انعكس بدوره على أداء المعادن النفيسة ومن بينها الفضة. ويأتي ذلك في وقت تترقب فيه الأسواق توجهات السياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، وسط توقعات متزايدة بإمكانية خفض أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة.

ورغم أن معنويات الأسواق العالمية تبدو إيجابية نسبيًا، فإنها لا تزال توصف بالهشة، حيث سجلت مؤشرات الأسهم الأمريكية مكاسب محدودة تراوحت بين 0.40% و0.43%. في المقابل، أظهرت البيانات الاقتصادية الأمريكية مؤشرات على تباطؤ النمو الاقتصادي، وذلك بعد فترة إغلاق الحكومة الأمريكية التي استمرت لمدة 43 يومًا، بينما ظل معدل التضخم مرتفعًا وفق مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي، وهو المؤشر المفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي لقياس التضخم.

ووفقًا للبيانات الاقتصادية الصادرة مؤخرًا، تم خفض التقدير الثاني للناتج المحلي الإجمالي الأمريكي للربع الرابع من عام 2025 من 1.4% إلى 0.7% على أساس سنوي، ما يعكس تباطؤًا واضحًا في وتيرة النمو الاقتصادي. وفي الوقت نفسه، استقر مؤشر التضخم الأساسي لنفقات الاستهلاك الشخصي عند مستوى 3.1% خلال شهر يناير، بينما تراجع المعدل الرئيسي من 2.9% إلى 2.8%. وقد ساهمت هذه المؤشرات في تعزيز توقعات المستثمرين بإمكانية اتجاه الاحتياطي الفيدرالي إلى خفض أسعار الفائدة خلال عام 2026.

وعلى الصعيد الجيوسياسي، يواصل التصعيد في منطقة الشرق الأوسط تأثيره على حركة الأسواق العالمية، حيث سجل خام غرب تكساس الوسيط أعلى مستوى له منذ بداية العام، مقتربًا من 113 دولارًا للبرميل. وأدى هذا الارتفاع إلى زيادة أسعار البنزين عالميًا بأكثر من 20% منذ اندلاع الصراع قبل نحو أسبوعين.

كما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن اتخاذ إجراءات صارمة ضد إيران، بالتزامن مع منح إعفاء جزئي لمدة 30 يومًا لبعض الدول لشراء النفط الروسي الخاضع للعقوبات. وتضع هذه التطورات الجيوسياسية الأسواق العالمية في حالة ترقب، خاصة قبل اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي المقرر عقده يومي 17 و18 مارس، والذي قد يحمل إشارات مهمة بشأن مستقبل السياسة النقدية الأمريكية.

شهدت أسعار الفضة تحركات حادة خلال الأسابيع الماضية، حيث مرت السوق بموجة من التقلبات القوية بدأت بهبوط حاد في نهاية شهر يناير، أعقبها تعافٍ ملحوظ خلال شهر فبراير، قبل أن تعود الأسعار إلى التراجع مرة أخرى في أوائل شهر مارس.

وقد أدت هذه التحركات السريعة والمتباينة إلى حالة من الارتباك بين المستثمرين والمتعاملين في الأسواق، خصوصًا في ظل استمرار المؤسسات المالية الكبرى في الحفاظ على تقييماتها طويلة الأجل للمعدن دون تغيير.

وكانت الفضة قد سجلت مستوى قياسيًا بلغ 121.64 دولارًا للأوقية في 29 يناير، قبل أن تتعرض لانخفاض حاد نتيجة ترشيح كيفن وورش لرئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، إلى جانب قرار بورصة شيكاغو زيادة متطلبات الهامش على تداولات المعادن. وقد أدى ذلك إلى موجة بيع قسرية في السوق، أسفرت عن تراجع يومي حاد بنسبة بلغت 31.4% في 30 يناير، وهو أكبر انخفاض يومي تشهده الفضة منذ أزمة مارس عام 1980.

وخلال شهر فبراير، بدأت أسعار الفضة في التعافي تدريجيًا مع تراجع ضغوط البيع وعودة الطلب من قبل المستثمرين، حيث ارتفعت الأسعار بأكثر من 10% لتقترب من مستوى 95.85 دولارًا للأوقية في أوائل شهر مارس. غير أن هذا التعافي لم يستمر طويلًا، إذ تعرضت الفضة لموجة تصحيح جديدة فقدت خلالها نحو 10% من قيمتها خلال 48 ساعة فقط، لتعود الأسعار إلى نطاق أوائل 80 دولارًا للأوقية، في ظل استمرار قوة الدولار وتراجع توقعات خفض أسعار الفائدة.

امتدت تأثيرات تقلبات أسعار الفضة إلى الأسواق المرتبطة بها، حيث شهدت بداية عام 2026 اضطرابات في تدفقات السيولة لدى شركات معالجة الرصاص في الصين، ما أدى إلى تراجع رغبتها في شراء خامات الرصاص المستخدمة في إنتاج الفضة.

كما ساهمت زيادة متطلبات الهامش في بورصتي COMEX وSHFE، إلى جانب ارتفاع التكاليف التمويلية، في زيادة الضغوط على السيولة داخل السوق، الأمر الذي دفع بعض المشاركين إلى تصفية مراكزهم الاستثمارية. ومع ذلك، تشير التقديرات إلى أن سوق خامات الرصاص لا يزال يعاني من شح هيكلي في المعروض، ومن المتوقع أن تعود عمليات الشراء إلى الانتعاش بمجرد استقرار أسعار الفضة.

وفي الوقت ذاته، ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية، حيث بلغ عائد السندات لأجل عشر سنوات نحو 4.287%، وهو ما شكل عامل ضغط إضافي على الفضة، باعتبارها من الأصول التي لا تحقق عائدًا دوريًا للمستثمرين مقارنة بالأدوات المالية المدرة للفائدة.

ورغم التقلبات العنيفة التي شهدتها السوق خلال الفترة الأخيرة، فإن البنوك والمؤسسات المالية الكبرى لم تقم بتعديل توقعاتها طويلة الأجل بشأن أسعار الفضة. وتشير تقديرات أحد أكبر البنوك الأمريكية إلى أن متوسط سعر الأوقية قد يبلغ نحو 81 دولارًا خلال عام 2026.

في المقابل، يرى بنك أوروبي أن الفضة قد تتمكن من الوصول إلى مستوى 100 دولار للأوقية بحلول نهاية العام، بينما تتبنى مجموعة مصرفية عالمية رؤية أكثر تفاؤلًا، إذ تتوقع أن يصل سعر الأوقية إلى نحو 150 دولارًا خلال الربع الثاني من عام 2026.

وتستند هذه التوقعات الإيجابية إلى استمرار العجز في المعروض العالمي من الفضة، إلى جانب الطلب الصناعي القوي على المعدن، خاصة في قطاعات الطاقة الشمسية والإلكترونيات، فضلًا عن التوسع العالمي في مشروعات التحول إلى الطاقة النظيفة وزيادة الاعتماد على التقنيات الكهربائية.

وتشير التطورات الأخيرة في سوق الفضة إلى أن المعدن يقف حاليًا عند نقطة توازن دقيقة بين العوامل المالية قصيرة الأجل والأساسيات الاقتصادية طويلة الأجل. فمن ناحية، يكشف التراجع الحاد الذي شهدته الأسعار عن مدى حساسية الفضة لتقلبات الدولار الأمريكي وتوقعات أسعار الفائدة، بالإضافة إلى تأثير آليات التداول في أسواق العقود الآجلة.

ومن ناحية أخرى، لم تغير المؤسسات المالية الكبرى رؤيتها الأساسية تجاه الفضة، إذ لم يتم تعديل التوقعات المتعلقة بالأسعار المستقبلية أو فرضية العجز المستمر في المعروض العالمي.

وبناءً على ذلك، يرجح أن ما تشهده الأسواق حاليًا لا يمثل تحولًا جوهريًا في أساسيات سوق الفضة، بل يعكس مرحلة من التقلبات المرتفعة ضمن اتجاه صاعد على المدى الطويل، مدعومًا بعوامل العرض والطلب في الأسواق العالمية.