< بطلب رئاسي.. هل ينجح مقترح إحالة المتلاعبين بالأسعار إلى القضاء العسكرى بضبط الأسواق؟
النبأ
رئيس التحرير
خالد مهران

بطلب رئاسي.. هل ينجح مقترح إحالة المتلاعبين بالأسعار إلى القضاء العسكرى بضبط الأسواق؟

النبأ

المادة 204 بالدستور: لا يجوز محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكرى إلا فى حالات محددة

أستاذ قانون دستورى: الدستور حدد الحالات التى يتم فيها اللجوء إلى القضاء العسكرى ولا تتضمن الحالة الراهنة

فقيه دستورى: الدولة يمكنها تكييف بعض جرائم التلاعب بالأسعار باعتبارها تهديدًا للأمن القومى الاقتصادى

رأفت فودة: الدستور يسمح للرئيس بتحديد بعض الجرائم المدنية العادية التى يمكن إحالتها للمحاكم العسكرية لأسباب يراها ويقدرها

«فودة»: ما تمر به مصر من ظروف اقتصادية طارئة جراء الحرب المشتعلة بالأقليم هى حالة طوارئ

باحث اقتصادى: قواعد السوق الحرة تنظم الاقتصاد بالأوقات الطبيعية وفى الأزمات تكون غير قادرة على تحقيق انضباط الأسواق

«بيومى»: من يتلاعب بالأسعار فى الوقت الحالى خائن للوطن والخيانة تقتضى محاكمة عسكرية

 

أثار حديث الرئيس عبدالفتاح السيسي بشأن إمكانية إحالة المتلاعبين بالأسعار إلى القضاء العسكري، لمواجهة ظاهرة استغلال التجار للظروف الإقليمية المشتعلة والأزمات الاقتصادية، سجال مشتعل بين مؤيد ومعارض في الأوساط القانونية والاقتصادية، رغم وصف الرئيس لوضع مصر بأنها في حالة «شبه طوارئ»، والتي نتج عنها ضغوطًا بالسوق المصري مرتبطة بارتفاع الأسعار، والتي تؤثر على القدرة الشرائية للمواطنين واستقرار الأسواق.

رغم ثناء الكثير من المواطنين على تصريحات «السيسي»، مؤكدين أنها ستكون بمثابة رادع للتجار والمحتكرين، إلا أنها أثارت نقاشًا وتساؤلات عدة حول مدى دستورية الإجراء وحدود تطبيقه؟ وهل هذا الطرح يعني أن الوزارات والمؤسسات المعنية تفتقر لآليات رادعة لضبط الأسواق؟ أم أنها فشلت في أداء دورها؟

مقترح رادع

توجيه الرئيس السيسي بضرورة اتخاذ إجراءات رادعة ضد من يتلاعب باحتياجات الناس، جاء خلال مشاركته في حفل الإفطار الذي نظمته الأكاديمية العسكرية -قبيل بضع أيام- مطالبًا لحكومة بدراسة إمكانية محاكمة المتلاعبين بالأسعار أو محتكري السلع الأساسية، محاكمات عسكرية، في حال ثبوت تورطهم بممارسات تضر بالمواطنين أو اقتصاد الدولة.

وطمأن «السيسي» المواطنين قائلًا: «اطمئنوا بفضل الله سبحانه وتعالى؛ إحنا بخير»، لاسيّما وأن الحكومة أكدت أن لديها خطط جاهزة لتطبيقها لضمان استقرار الأسواق، توفير كميات كافية من السلع الغذائية والأساسية للمواطنين.

تمتلك الدولة أكثر من أداة قانونية أو مؤسسة معنية لمواجهة الاحتكار ومراقبة الأسواق، على رأسها جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية، وجهاز حماية المستهلك، بخاف مباحث التموين والمحاكم الاقتصادية المختصة بالنظر في الجرائم الاقتصادية.

على الرغم من تواجد تلك المؤسسات التي تمتلك لديها آلياتها، إلا أن حالة التذبذب في أسعار بعض السلع، نتيجة ارتفاع تكاليف الاستيراد وتقلبات سلاسل الإمداد الدولية، في ظل التورات العسكرية والسياسية بالمنطقة، أشعلت الجدل بشأن مقترح المحاكمات العسكرية، باعتبارها ناجزة وباتة.

اختصاصات دستورية

وخلال السنوات الماضية توسعت اختصاصات القضاء العسكري، لتشمل بعض جرائم الاعتداء على المنشآت العامة أو الحيوية التي تحميها القوات المسلحة، وذلك بموجب تعديلات تشريعية في أعقاب انتشار التهديدات الأمنية.

وينظم الدستور بوضوح اختصاصات القضاء العسكري، وتنص المادة 204 على أنه «لا يجوز محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري إلا في حالات محددة»، وأبرزها الجرائم التي تمثل اعتداءً مباشرًا على القوات المسلحة أو منشآتها أو معسكراتها أو المعدات والأسرار العسكرية أو ما في حكمها.

وتشمل تلك الحالات، الاعتداء على المنشآت أو المرافق الحيوية التي تتولى القوات المسلحة حمايتها، الأمر الذي وسع نظاق تفسير نطاق اختصاص القضاء العسكري في كثير من القضايا.

الدكتور رأفت فودة

وفي الوقت الذي يرى فيه فريق من الفقهاء الدستوريين أن إحالة المتلاعبين بالأسعار للقضاء العسكري قد تواجه تحديًا دستوريًا، باعتبارها جرائم اقتصادية وتجارية، التي تختص بها المحاكم الاقتصادية أو الجنائية، خصوصًا وأن الدستور ينص على أن الأصل في هو محاكمة المدنيين أمام القضاء المدني، على أن يكون اللجوء للقضاء العسكري استثناءً محدودًا بنصوص واضحة.

وامتنع أستاذ القانون الدستوري محمد الذهبي، عن التعليق على المقترح، مؤكدًا أن الدستور حدد الحالات التي يتم فيها اللجوء إلى القضاء العسكري، والتي لا تتضمن الحالة الراهنة.

جرائم أمن قومي

ويرى فريقٌ آخر، أن الدولة يمكنها تكييف بعض جرائم التلاعب بالأسعار باعتبارها تهديد للأمن القومي الاقتصادي، لاسيَّما في حالة ارتباطها بممارسات احتكارية للسلع الاستراتيجية أو تلاعب ممنهج يؤدي لاضطراب الأسواق أو نقص السلع الأساسية، وعليه قد يتطلب الأمر إجراء تعديلات تشريعية أو استحداث نصوص قانونية جديدة لتحديد الحالات التي يعتبر فيها الاحتكار أو التلاعب بالأسعار جريمة أمن قومي.

«الدستور المصري يسمح لرئيس الجمهورية بتحديد بعض الجرائم المدنية العادية التي يمكن إحالتها للمحاكم العسكرية؛ لأسباب يراها ويقدرها»، حسب قول أستاذ القانون الدستوري بجامعة القاهرة الدكتور رأفت فودة في حديثه مع «النبأ الوطني».

ويوضح، ما تمر به مصر من ظروف اقتصادية طارئة جراء الحرب المشتعلة بالأقليم، هو حالة طوارئ، وبالتالي فارتكاب جرائم التلاعب بالأسعار أو الاحتكار في هذه الظروف، يمكن إدراجه ضمن الحالات التي نص الدستور على أن يُحال فيها المدنين للمحاكم العسكرية، لسرعة البت فيها؛ وفي هذه الحالة يكون للقضاء العسكري -وفقًا للدستور- نفس الحقوق وعليه نفس الواجبات والضمانات بالنسبة للقضاء العادي.

تهديد مباشر

تلويح الرئيس بإمكانية إحالة المتلاعبين بالأسعار والمحتكرين للمحاكامات العسكرية، هو رسالة ردع لكل من تسول له نفسه ارتكاب تلك الجرائم، والمقترح جاء من باب التحوط، وأنه من الممكن إقامة دوائر عاجلة وفورية في المحاكم العسكرية، تتولى البت في هذه الجرائم حسب ما يراه الرئيس، وفقًا لـ«فودة».

ويصف أستاذ القانون الدستوري، اتهامات المؤسسات المعنية بمراقبة وضبط الأسواق بالفشل، بأنها غير دقيقة؛ لأنه في ظل الظروف الراهنة هي غير قادرة على مراقبة السوق بشكل كامل كلٍ على حدة، خصوصًا وأن المتلاعبين والمحتكرين ينتشرون في أوقات الأزمات بشكل كبير.

ويختتم «فودة» حديثه في هذا الشأن، هذا التحرك جاء بناءً على تقرير رصدتها الجهات المعنية ورفعتها للرئيس التي يتصرف وفقًا لها بما يحفظ كرامة المواطن والمصلحة العامة، مُشيرًا إلى دول عدة في المنطقة وخارجها بدأت في اتخاذ إجراءات مشابهة وصارمة تجاه هذا النوع من جرائم الاحتكار والتلاعب بالأسعار.

الدكتور أحمد بيومي

قواعد غير كافية

في الأوقات الطبيعية قواعد السوق الحر هي من تنظم الاقتصاد، أما في أوقات الأزمات فإن تلك القواعد لا تكفي لتحقيق انضباط الأسواق؛ لأن بعض المتلاعبين من التجار تسول لهم أنفسهم جني مكاسب سريعة على حساب الأمن القومي والمواطنين، حسبما يؤكد الباحث الاقتصادي بالمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية الدكتور أحمد بيومي، في حديثه مع «النبأ الوطني».

ويُضيف أن مقترح المحاكمات العسكرية هدفه الردع أو تهديد من تسول له نفسه التلاعب بالأسعار، لأن من يفعل ذلك يعتبر خائن للوطن، والخيانة تقتضي وجود محاكمة عسكرية، وعليه فإن الإحالة للقضاء العسكري، أشبه بقواعد القوة القهرية التي يتم تطبيقها في أوقات الأزمات -وتنقضي بانقضاء الأزمة- نظرًا لما يميزها من إنجاز وردعًا وفصلًا، بخلاف القضاء المدني الذي يأخذ وقتًا أطول وينتهي بتوقيع غرامات ليس إلا.

ويؤكد «بيومي» أن الارتفاع الحالي في الأسعار ناتج عن استغلال التجار، وأن التضخم المتوقع حدوثه لا ينطبق على البضائع الموجودة حاليًا في المخازن.

تأثير اقتصادي

ومن الناحية الاقتصادية، في حالة تطبيق المقترح فإنه تأثيره سيكون إيجابي لحظي، بمعنى أنه سيحقق استقرارًا في الأسواق والحفاظ على معدلات التضخم عند مستواها المناسب، والحيلولة دون إثقاله على كاهل المواطن، في ظل توقع حدوث تضخم كبير بالتزامن ارتفاع أسعار المحروقات.

الكثير من الدول تلجأ إلى اتخاذ إجراءات صارمة، في أوقات الأزمات، ففي وقت الحرب الروسية الأوكرانية التي أدت إلى قطع إمدادات الغاز الروسي عن أوروبا ما أدى لارتفاع الأسعار اضطرت الحكومات الأوروبية إلى إجراءات بينها وضع حد أقصى لشراء السلع بالنسبة للمواطنين، وفقًا للدكتور أحمد بيومي.

وبشأن فشل المؤسسات المعنية بضبط الأسواق من عدمه، يختتم «بيومي»، أنها تمتلك آليات لتحقيق انضباط السوق بالفعل، إلا أنه في الوقت الحالي مترهبة نوعًا ما بسبب الإصلاح الوزاري، وأوقات الأزمات تستوجب سرعة التنفيذ ومعاونة جهات أخرى، مُشددًا على أنه وإن طال أمد الحرب الإيرانية الأمريكية فإن السوق سيتكيف مع الأوضاع، لأن مصادر توريد الطاقة سيتغير.