محمد مازن يكتب: الصين تدخل عصر الابتكار الكبير.. ماذا يعني ذلك لمصر والدول العربية ؟
مع بداية كل ربيع تتجه أنظار العالم إلى بكين حيث تنعقد اجتماعات ما يُعرف بـ "الدورتين"، أي اجتماعي المجلس الوطني لنواب الشعب والمجلس الوطني للمؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني.
وخلال هذين الاجتماعين الهامين لا يجري فقط استعراض أداء الاقتصاد والسياسات العامة، بل تُطرح أيضا الخطوط العريضة لمسار التنمية الصينية في السنوات المقبلة، الأمر الذي يجعل "الدورتين" محطة جديرة بالمتابعة لفهم توجهات ثاني أكبر اقتصاد في العالم.
وتكتسب اجتماعات هذا العام أهمية خاصة لتزامنها مع انطلاق الخطة الخمسية الخامسة عشرة للصين للفترة 2026–2030، وهي مرحلة مفصلية في مسار التحديث الصيني الذي يستهدف الوصول إلى اقتصاد متقدم قائم على الابتكار بحلول عام 2035.
فبعد عقود رسخت خلالها الصين مكانتها باعتبارها أكبر قاعدة صناعية في العالم، تسعى اليوم إلى تحويل نفسها إلى " قاعدة الابتكار" أو "مصنع الابتكار" في العالم إن جاز التعبير.
وتضع الخطة الجديدة مفهوم "التنمية عالية الجودة" في صميم الاستراتيجية الاقتصادية، وهو مفهوم يتجاوز مجرد التوسع الكمي في الإنتاج إلى التركيز على نوعية النمو وكفاءة الاقتصاد.
ولهذا تولي بكين اهتماما متزايدا بتطوير الصناعات الناشئة والصناعات المستقبلية، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة والحوسبة المتقدمة والتصنيع الذكي والطاقة الجديدة والمواد المتقدمة.
وفي هذا السياق تسعى الصين إلى تعزيز قدراتها في عدد من المجالات التكنولوجية التي يتوقع أن تشكل ركائز الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة، مثل الروبوتات الصناعية والتكنولوجيا الحيوية والحوسبة الكمية وتكنولوجيا الاتصالات المتقدمة بما فيها شبكات الجيل السادس، إضافة إلى مجالات مثل طاقة الهيدروجين والواجهات العصبية بين الدماغ والحاسوب.
وتشير تحليلات اقتصادية إلى أن الخطة الخمسية الجديدة تمنح الصناعات التكنولوجية المتقدمة وزنا غير مسبوق في هيكل الاقتصاد الصيني. وتشمل هذه الصناعات الجيل الجديد من تكنولوجيا المعلومات، ومركبات الطاقة الجديدة الذكية المتصلة، والروبوتات الصناعية، والتكنولوجيا الحيوية، والمعدات المتطورة، إضافة إلى مجالات مستقبلية مثل التكنولوجيا الكمية والتصنيع الحيوي وطاقة الهيدروجين.
كما تعمل الصين على إنشاء آليات لزيادة الاستثمار وتقاسم المخاطر في هذه القطاعات، بما يسهم في تسريع تطوير الصناعات المستقبلية.
ويرى العديد من المحللين أن التخطيط بعيد المدى الذي تتميز به السياسات الاقتصادية الصينية يشكل أحد عوامل الاستقرار في الاقتصاد العالمي، خصوصا في ظل حالة عدم اليقين التي يشهدها النظام الاقتصادي الدولي. فاستمرار الاستثمار في البحث العلمي والبنية التحتية الرقمية والصناعات المتقدمة يخلق محركات جديدة للنمو العالمي ويعزز سلاسل التوريد التكنولوجية العابرة للحدود.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية هذه التحولات بالنسبة للدول العربية التي تسعى بدورها إلى تنويع اقتصاداتها وتعزيز التحول نحو اقتصاد المعرفة.
فالتقاطع بين مسار التحديث الصناعي في الصين وبرامج الإصلاح الاقتصادي في العديد من الدول العربية يفتح آفاقا واسعة للتعاون في مجالات التكنولوجيا المتقدمة.
وبدأت بالفعل نماذج ملموسة لهذا التعاون تظهر خلال السنوات الأخيرة، ففي قطاع الطاقة النظيفة، برزت مشاريع مشتركة واسعة النطاق.
وشاركت شركة باور تشاينا في تنفيذ مشاريع للطاقة الشمسية في السعودية بقدرات إنتاجية تصل إلى آلاف الميجاواط، في إطار التحول نحو الطاقة المتجددة الذي تتبناه المملكة ضمن رؤية السعودية 2030.
كما أسهمت شركات صينية في تطوير محطات للطاقة الشمسية في كل من مصر والإمارات، بما يعزز مكانة المنطقة كمركز متنام لإنتاج الطاقة النظيفة.
وفي مصر، يشكل التعاون الصناعي مع الصين نموذجا آخر للتكامل الاقتصادي، حيث تستضيف منطقة تيدا للتعاون الاقتصادي والتجاري بين الصين ومصر في منطقة السويس الاقتصادية الخاصة عددا من الشركات الصينية العاملة في مجالات الصناعات المتقدمة والمعدات الكهربائية ومواد البناء، وهو ما يسهم في نقل التكنولوجيا وتوفير فرص عمل محلية وتعزيز القدرات التصنيعية.
ويشكل مسألة توطين التكنولوجيا محورا مهما في التعاون المستقبلي، كما تعكسه التصريحات المصرية حول أهمية التعاون في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، خاصة في إطار الاتفاق الذي توصلت إليه الدولتان في عام 2024 بشأن توطين التكنولوجيا الحديثة والصناعات المتقدمة الصينية في مصر. وهذا التوجه يعكس رغبة في الانتقال إلى شراكة إنتاجية تكنولوجية.
وفي مجال الاتصالات والبنية التحتية الرقمية، توسعت شركة هواوي الصينية في بناء شبكات الجيل الخامس في عدد من الدول العربية، من بينها السعودية والإمارات والبحرين، كما شاركت في إنشاء مراكز للحوسبة السحابية والبيانات الضخمة لدعم التحول الرقمي في المنطقة.
وتعمل شركة علي بابا كلاود بدورها على توسيع حضورها في الشرق الأوسط عبر تقديم خدمات الحوسبة السحابية وتحليل البيانات الضخمة، ما يدعم بناء بنية تحتية رقمية حديثة في عدد من الاقتصادات العربية.
كما يمتد التعاون بين الجانبين إلى مجالات البحث العلمي والابتكار، فقد شهدت السنوات الأخيرة إطلاق منصات للتعاون العلمي والتكنولوجي بين الصين والدول العربية، من بينها مشروع منتزه الابتكار العلمي والتكنولوجي الصيني العربي الدولي الذي يهدف إلى إنشاء منصة تجمع الشركات والباحثين من الجانبين لتطوير مشاريع مشتركة في مجالات التصنيع الذكي والاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا الصحية.
ويرى الباحث الصيني تشو تشاو يي، مدير معهد الشرق الأوسط في جامعة بكين أن الصناعات الناشئة والصناعات المستقبلية التي تركز عليها الخطط الصينية تتوافق بدرجة كبيرة مع جهود إعادة الهيكلة الاقتصادية في الشرق الأوسط.
ويشير إلى أن هذا التعاون يقوم على تكامل واضح بين طرف يمتلك التكنولوجيا وسلاسل التوريد المتقدمة، وطرف يمتلك رأس المال والطلب السوقي المتنامي.
لكن لا يخلو طريق التعاون من تحديات، إذ يتطلب التعاون في الصناعات الناشئة والصناعات المستقبلية تنسيقا على مستوى السياسات وتصميما لآليات مناسبة تتعلق بسيادة البيانات ومعايير التكنولوجيا.
كما أن بعض التقديرات تشير إلى أن التعاون لا يزال دون المستوى المأمول في مجالات الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء والتكنولوجيا المالية.
ولتعزيز هذا التعاون، دعا مصطفى إبراهيم، نائب رئيس لجنة الصين في جمعية رجال الأعمال المصريين، إلى توسيع استخدام العملات المحلية في التبادلات التجارية بين مصر والصين، وتشجيع البنوك الوطنية والتجارية في البلدين على فتح فروع متبادلة لدعم عمليات التمويل التجاري.
كما تشمل التوصيات إنشاء هيئة عربية صينية مشتركة لتنظيم التعاون في هذه المجالات، وتطوير أنظمة قانونية موحدة لحماية حقوق الملكية الفكرية، وإنشاء صندوق استثماري مشترك متخصص.
وفي السياق ذاته، رأى أنس الفدّا، نائب رئيس مجلس الأعمال السعودي الصيني، أن سياسة الانفتاح الاقتصادي التي تنتهجها الصين تعكس رؤية استراتيجية طويلة المدى لتعزيز التكامل مع الاقتصاد العالمي.
ويشير إلى أن الأوساط الاقتصادية في السعودية بدأت تلمس نتائج هذا الانفتاح بوضوح، حيث شهدت المملكة دخول آلاف الشركات الصينية سنويًا لاستكشاف فرص الاستثمار.
ويضيف الفدّا أن مواءمة مبادرة الحزام والطريق مع رؤية السعودية 2030 يمكن أن تسهم في تطوير البنية التحتية ووسيع التعاون في مجالي الاقتصاد الرقمي والطاقة النظيفة.
وفي ضوء هذا التكامل المتنامي بين الإمكانات الصينية والفرص العربية، تبدو آفاق التعاون التكنولوجي بين الجانبين واسعة ومتعددة.
فالذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والطاقة النظيفة والتكنولوجيا الحيوية كلها مجالات يمكن أن تشكل أساسا لشراكات استراتيجية طويلة المدى.
في الختام، تمثل اختراقات الصين في مجالات متقدمة مثل تكنولوجيا الكم فرصة ثمينة للدول العربية للانضمام إلى ركب التقدم التكنولوجي العالمي. فالانفتاح الصيني على التعاون الدولي، كما تجسده السياسات المعلنة والمشاريع القائمة، يقدم نموذجا للتعاون التكنولوجي والمشاركة في بناء مستقبل مشترك.
وبينما تستعد الصين لثورتها التكنولوجية القادمة، تقف الدول العربية أمام فرصة تاريخية لبناء شراكات تكنولوجية استراتيجية تعيد تشكيل ملامح التعاون بين الجانبين لعقود قادمة.