< بعد حكم الدستورية العليا.. ثغرة قانونية تهدد بإفلات تجار المخدرات من السجن
النبأ
رئيس التحرير
خالد مهران

بعد حكم الدستورية العليا.. ثغرة قانونية تهدد بإفلات تجار المخدرات من السجن

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

أثار الحكم الصادر عن المحكمة الدستورية العليا، بشأن عدم أحقية هيئة الدواء في تعديل أو إصدار جداول المواد المخدرة، حالة من الجدل القانوني الواسع في الأوساط القضائية والحقوقية، باعتباره حكمًا يتجاوز الإطار التنظيمي والإداري، ليطال جوهر السياسة الجنائية للدولة وحدود الاختصاص بين سلطاتها الدستورية.

فإدراج مادة بعينها ضمن جداول المخدرات لا يُعد مسألة فنية أو إجرائية محضة، وإنما يترتب عليه – بحكم القانون – آثار جنائية مباشرة وجسيمة، قد تصل إلى السجن المؤبد أو الإعدام في بعض الصور، وهو ما جعل المحكمة تحسم مسألة الاختصاص بشكل قاطع، وتؤكد أن تقرير الجريمة والعقوبة، أو توسيع نطاقهما، لا يكون إلا بعمل تشريعي صادر عن الجهة المخولة دستوريًا، أو بناءً على تفويض تشريعي منضبط ومحدد على نحو لا يترك مجالًا للسلطة التقديرية المنفلتة.

جاء الحكم في إطار دعوى دستورية أُحيلت إلى المحكمة الدستورية العليا طعنًا على قرارات صادرة عن هيئة الدواء بتعديل جداول المواد المخدرة الملحقة بقانون مكافحة المخدرات، سواء بإضافة مواد جديدة أو نقل مواد قائمة بين الجداول، بما يترتب عليه تشديد العقوبات الجنائية المقررة لها.

وتمحور النزاع الدستوري حول مدى دستورية منح جهة تنفيذية سلطة إدراج مواد جديدة ضمن الجداول أو إعادة تصنيفها، في ظل ما يترتب على ذلك من تغيير مباشر في الوصف القانوني للفعل، وتشديد العقوبة دون تدخل تشريعي مباشر من البرلمان.

وفي حيثياتها، فرّقت المحكمة بوضوح بين التنظيم الإداري الذي يهدف إلى ضبط تداول المواد وحمايتها صحيًا، وبين العمل التشريعي الذي ينشئ أو يوسع نطاق التجريم والعقاب، معتبرة أن هذا الأخير يُعد من صميم اختصاص السلطة التشريعية، ولا يجوز أن يُمارس تحت ستار قرارات إدارية أو تعليمات تنفيذية.

واستندت المحكمة إلى مبدأ دستوري راسخ، مفاده أن الحرية الشخصية لا يجوز المساس بها إلا بنص تشريعي واضح وصريح، وأن أي إجراء يترتب عليه تجريم فعل أو تشديد عقوبته يُعد – بطبيعته وأثره – تشريعًا لا قرارًا إداريًا، مهما كانت الجهة التي أصدرته أو الغاية المعلنة منه.

وأكدت المحكمة، أن تفويض الجهات التنفيذية في المسائل الفنية والعلمية لا يمتد إلى ما يمس نطاق العقوبات الجنائية، لما في ذلك من إخلال جسيم بمبدأ الفصل بين السلطات، وفتح باب خطير لتغوّل السلطة التنفيذية على اختصاصات أصيلة للبرلمان، بما يهدر مبدأ الشرعية الجنائية ويقوّض الضمانات الدستورية للمحاكمة العادلة.

ولا تكمن أهمية الحكم فقط في إلغاء أو تحجيم صلاحية جهة بعينها، وإنما في انعكاساته المحتملة على عدد كبير من القضايا الجنائية التي بُنيت أحكامها على جداول مواد مخدرة جرى تعديلها أو إصدارها بقرارات إدارية.

قضايا المخدرات

فقضايا المخدرات تعتمد في بنيتها القانونية على عنصر جوهري، يتمثل في ثبوت أن المادة محل الاتهام كانت مدرجة ضمن الجداول القانونية السارية وقت ارتكاب الفعل.

ومن ثم، فإن أي خلل في مشروعية هذا الإدراج، أو في الجهة التي أصدرته، ينعكس مباشرة على سلامة الحكم الجنائي ذاته، وقد يمس أركان الجريمة من أساسها.

ويتردد في الأوساط القانونية تساؤل مشروع حول مدى استفادة المحكوم عليهم من هذا الحكم، لا سيما في القضايا التي صدر فيها حكم بات ونهائي.

ومن الناحية القانونية، لا يترتب على الحكم بعدم الدستورية إلغاء تلقائي للأحكام الجنائية، إلا أن جانبًا معتبرًا من الفقه يرى أن الحكم الدستوري قد يشكّل سببًا جديدًا لإعادة النظر، متى ثبت أن الإدانة تأسست على نص أو قرار فقد سنده الدستوري.

ويظل الأمر – في جميع الأحوال – خاضعًا لتقدير القضاء، ومرتبطًا بتوافر شروط قانونية دقيقة، في مقدمتها إثبات أن إدراج المادة محل الاتهام أو تشديد عقوبتها تم بقرار إداري مخالف لما استقر عليه الحكم الدستوري، وأن هذا القرار كان عنصرًا حاسمًا في تكوين عقيدة المحكمة الجنائية.

 لكل قضية ظروفها وملابساتها 

وفي هذا السياق، قال الدكتور طارق سرور، أستاذ القانون الجنائي، إن الحكم لا يُعد تصريحا عاما بإسقاط الأحكام الجنائية، مشددا على أن لكل قضية ظروفها وملابساتها الخاصة.

وأكد أن عبء الإثبات سيقع على عاتق الدفاع، لإثبات أن تشديد العقوبة كان نتيجة مباشرة لإدراج المادة في جدول معيّن بقرار غير دستوري، وليس مجرد وجود قرار إداري عارض في خلفية التشريع.

وأشار إلى أن المحاكم ستتعامل بحذر شديد مع هذه الطلبات، منعًا لتحويل الحكم الدستوري إلى أداة لهدم منظومة العدالة الجنائية أو الالتفاف على أحكام باتّة دون سند قانوني سليم.

فتح مسارا قانونيا مشروعا

ومن جانبه، قال عبد الرحمن علي، المحامي بالنقض، إن الحكم فتح مسارا قانونيا مشروعا أمام بعض المحكوم عليهم، خاصة في القضايا التي استندت بشكل كامل إلى جداول صادرة بقرارات إدارية، دون غطاء تشريعي صحيح.

وأضاف أن الحكم أعاد التأكيد على قاعدة جوهرية مفادها أن القاضي الجنائي لا يجوز أن يُقيم قضاءه على نص أو قرار فقد سنده الدستوري، وأن إعادة النظر في هذه الحالة لا تُعد استثناءً على حجية الأحكام، بل تطبيقا صحيحا لمبدأ الشرعية الجنائية وسيادة الدستور.