< محمد مازن يكتب: حرب الأهداف الصفرية ومستقبل ميزان القوة في المنطقة
النبأ
رئيس التحرير
خالد مهران

محمد مازن يكتب: حرب الأهداف الصفرية ومستقبل ميزان القوة في المنطقة

محمد مازن
محمد مازن

يشكل الهجوم الأمريكي–الإسرائيلي الواسع على إيران، الذي أُطلق صباح اليوم السبت تحت مسمى "زئير الأسد" إسرائيليًا و"ملحمة الغضب" أمريكيًا، نقطة تحول حادة في مسار الصراع في منطقة الشرق الأوسط، ليس فقط من حيث حجمه واتساع مسرح عملياته، بل من حيث طبيعته المعلنة التي تجاوزت منطق احتواء البرنامج النووي والصاروخي الإيراني إلى خطاب صريح عن إسقاط النظام.

هذا التحول يضع المنطقة أمام معادلة جديدة عنوانها حرب ذات أهداف صفرية، تتجاوز الردع إلى محاولة إعادة تشكيل موازين القوة في المنطقة.

ويحمل توقيت الهجوم، صباح السبت وقبيل عيد بوريم، شحنة رمزية واضحة في الوعي الديني والسياسي الإسرائيلي.

ففي هذا التوقيت يُقرأ مقطع "زاخور" من سفر التثنية، الذي يدعو إلى تذكر هجوم العماليق ومحو ذكرهم، كما يُستعاد في عيد بوريم انتصار الملكة إستير على الوزير الفارسي هامان وفق الرواية الدينية اليهودية.

هذه الاستعارات، وإن كانت ذات طابع أسطوري أدبي في أصلها، جرى توظيفها في خطاب اليمين القومي والديني المتشدد لتأطير الصراع مع إيران باعتباره صراعا وجوديًا ممتدًا عبر التاريخ، وهو توظيف يخدم التعبئة النفسية للجبهة الداخلية ويضفي على القرار العسكري بعدًا رمزيًا يتجاوز الحسابات البحتة.

إضافة إلى ذلك، يأتي التوقيت متزامنا مع العاشر من رمضان، وهو اليوم الذي شن فيه الجيش المصري عملياته العسكرية لاستعادة سيناء عام 1973، حرب أكتوبر المجيدة.

ولا يمكن إغفال احتمال وجود رغبة إسرائيلية رمزية في إعادة تشكيل الذاكرة المرتبطة بهذا التاريخ، أو على الأقل تحييد دلالته النفسية في الوعي العربي عبر حدث عسكري مضاد في اليوم نفسه.

غير أن التوقيت لا يمكن قراءته رمزيا فقط، بل عملياتيا أيضا، فاختيار ساعات الصباح بدلا من الفجر أو جنح الظلام يمثل تحولا مهما في نمط الضربات الكبرى في الحروب الحديثة، فالمعتاد أن تبدأ العمليات تحت غطاء الظلام لتحقيق المباغتة، أما كسر هذا النمط فيستهدف عنصر المفاجأة الذهنية، أي ضرب الخصم في لحظة يظن فيها أن ذروة الخطر قد انقضت مع انتهاء الليل.

كما تشير دراسات عسكرية إلى أن الصباح الباكر قد يشهد فجوة في اليقظة لدى الوحدات التي أنهت نوبات حراسة ليلية مرهقة، ما قد يبطئ الاستجابة الأولى ويمنح المهاجم أفضلية حاسمة في الدقائق الأولى.

ومن بين الدوافع المحتملة أيضا السعي إلى تصفية أهداف بشرية عليا، فقد ركزت إسرائيل على ضرب مقار رئاسية وقد أُشير إلى أن التوقيت الصباحي ارتبط بجهد استخباراتي لتحديد لحظة وجود كبار المسؤولين في مكاتبهم أو مقار القيادة، بما يسمح بمراقبة بصرية مباشرة وتأكيد هوية الأهداف المتحركة قبل تنفيذ الضربة بلحظات، وهو ما يرفع احتمالات نجاح عمليات الاستهداف النوعي.

وجاءت الضربات الأمريكية الإسرائيلية المشتركة مباشرة بعد فشل جولة المفاوضات النووية في جنيف، في رسالة ميدانية تفيد بانتهاء مسار التفاوض والانتقال إلى فرض واقع بالقوة.

غير أن التحول الأبرز في هذه المواجهة يتمثل في التصريح العلني بهدف يتجاوز تدمير القدرات العسكرية إلى إسقاط النظام نفسه.

وأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في خطاب إطلاق العملية أنها تهدف إلى "تدمير الصواريخ الإيرانية وسحق صناعتها الصاروخية" وضمان عدم حصول طهران على سلاح نووي.

وتضمن الخطاب دعوة لتغيير النظام، حيث حث ترامب الشعب الإيراني على "السيطرة على حكومتهم" بمجرد انتهاء الضربات، معتبرًا أن "ساعة حريتهم قد حانت".

ويتقاطع هذا الخطاب مع رؤية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي ربط المواجهة بإزالة خطر وجودي، كما أن استهداف شخصيات عليا، من بينهم المرشد الأعلى علي خامنئي والرئيس مسعود بزشكيان، يعكس أن العملية ليست عملية عسكرية صرفة بل سياسية رأسية تستهدف مركز القرار ذاته، حتى وإن لم تتضح بعد نتائج تلك الاستهدافات.

مع ذلك، لا يبدو الطريق أمام واشنطن وتل أبيب سهلا فالسؤال الجوهري يتعلق بمدى قدرة القوة الجوية وحدها على إسقاط نظام متجذر مؤسساتيًا وأمنيا.

ويرى محللون أن تجارب المنطقة تشير إلى أن القصف المكثف لا يؤدي بالضرورة إلى انهيار السلطة ما لم يترافق مع تدخل بري أو مع انهيار داخلي واسع النطاق، والدخول البري في جغرافيا إيرانية شاسعة ومعقدة يمثل خيارا بالغ الكلفة والمخاطر، ما يجعل الرهان الأساسي منصبا على إحداث تصدع داخلي تحت ضغط الضربات العسكرية والضغوط الاقتصادية والسياسية المتراكمة.

وجاء الرد الإيراني سريعا عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل وقواعد أمريكية في دول الخليج، في خطوة تعكس إدراك طهران لطبيعة المعركة الجديدة.

هذا الرد يهدف إلى ترميم صورة الردع ومنع تثبيت معادلة التفوق الأحادي، كما يسعى إلى توسيع نطاق الاشتباك ورفع كلفة الحرب على واشنطن وحلفائها.

وحتى الآن لم تستهدف إيران حاملات الطائرات الأمريكية مباشرة، ما يشير إلى محاولة ضبط مستوى التصعيد، لكنها أعلنت عمليا دخول حرب مفتوحة قابلة للتطور من ساعة إلى أخرى.

وقال قائد الحرس الثوري الإيراني، إن إيران ستكشف عن أسلحة غير متوقعة، ما يشير إلى استعداد إيران لرفع كلفة حرب واشنطن ضدها، واحتمالات حدوث الاسوأ.

وتتجه السيناريوهات المحتملة نحو ثلاثة مسارات رئيسية، الأول يتمثل في شل القدرات الإيرانية عبر تدمير شامل للبنية الصاروخية والمنشآت النووية ومنصات الإطلاق، بما يحرم إيران من أدوات الردع مستقبلا، وهو مسار يعتمد نجاحه على عمق التحصينات الإيرانية وقدرة المهاجمين على مواصلة الضربات دون الوقوع في استنزاف طويل.

المسار الثاني هو تغيير النظام، سواء عبر انهيار داخلي تحت وطأة الضربات أو عبر تحفيز انتفاضة شعبية، وهو خيار تحيط به شكوك في ظل وجود قاعدة اجتماعية وعقائدية للنظام رغم أزماته.

أما المسار الثالث فهو الانزلاق إلى مواجهة إقليمية شاملة، وقد بدأت ملامحه مع استهداف قواعد أمريكية في السعودية والإمارات والكويت والبحرين والأردن وقطر، ما قد يفتح الباب أمام اضطراب أوسع في أمن الطاقة والملاحة، ويتوقع أن تتجاوز التداعيات المحتملة حدود الأطراف المباشرة.

الداخل الإسرائيلي سيختبر مدى قدرته على التحمل إذا استمرت الصواريخ في السقوط بوتيرة مرتفعة، خصوصا أن حرب ال١٢ يوم السابقة ضد إيران أثبتت أن أنظمة الدفاع الجوي ليست منيعة بالكامل.

الداخل الأمريكي قد يشهد تصاعدا في الجدل السياسي إذا طال أمد الحرب دون نتائج حاسمة، في ظل معارضة داخلية وتراجع في نسب التأييد. 
أما إيران فتقف أمام معادلة دقيقة بين ضرورة الرد القوي للحفاظ على الهيبة وبين تجنب تصعيد يستدرج تدخلا أوسع قد يهدد بنية الدولة نفسها.

في المحصلة، تبدو هذه الحرب مختلفة عن سابقاتها من حيث الهدف المعلن واتساع مسرح العمليات والحمولة الرمزية التي أحيطت بها.

إنها مواجهة تدار تحت سقف إسقاط النظام لا مجرد ردعه، ما يجعلها أكثر خطورة وأقل قابلية للاحتواء السريع. وإذا كانت الضربة الأولى قد دشنت مرحلة جديدة، فإن ما سيحسم مسارها لن يكون التفوق العسكري وحده.