حكم المحكمة العليا يقلب الطاولة: هل فقد ترامب ورقته الأقوى في التفاوض مع شي قبل قمة بكين؟
في لحظة مفصلية من الصراع التجاري بين أكبر اقتصادين في العالم، أصدرت المحكمة العليا الأمريكية حكما تاريخيا بأغلبية ستة قضاة مقابل ثلاثة، يقضي بإبطال التعريفات الجمركية الواسعة التي فرضها الرئيس دونالد ترامب استنادا إلى قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية الصادر عام 1977.
وأكدت المحكمة أن هذا القانون، الذي وضع لمواجهة تهديدات خارجية حقيقية في حالات الطوارئ الوطنية، لا يجوز استخدامه لفرض رسوم جمركية شاملة وغير محددة المدة لأغراض تجارية بحتة. وبذلك سقطت الرسوم التي شكلت العمود الفقري لاستراتيجية الضغط الأمريكية على بكين منذ منتصف عام 2025، والتي بلغت في بعض فئات السلع الصينية 145%.
لم تكن هذه الرسوم مجرد إجراء مالي، بل مثلت أداة تفاوضية ضمن الحرب التجارية بين واشنطن وبكين. فقد استخدمتها الولايات المتحدة" كسلاح سياسي ضد الصين" --بتعبير خبراء صينيين-- لدفع الصين إلى إبرام صفقات ضخمة مثل بيع تطبيق تيكتوك وشراء المزيد من فول الصويا، وزيادة طلبيات طائرات بوينغ، وتعزيز واردات الطاقة الأمريكية، وتسهيل الوصول إلى المعادن الأرضية النادرة، إضافة إلى إعادة هيكلة سلاسل التوريد.
وبدأت آثار هذه الرسوم المرتفعة بالظهور في حركة التجارة. فقد أظهرت بيانات مكتب التحليل الاقتصادي الأمريكي أنه في ديسمبر من العام الماضي، ولأول مرة منذ أربعة عقود، صدّرت تايوان — التي تخضع لتعريفة قدرها 15% فقط — إلى الولايات المتحدة سلعا بقيمة 24.7 مليار دولار، متجاوزة الصادرات الصينية التي بلغت 21.1 مليار دولار في الشهر نفسه. وعلى مدار عام 2025 بأكمله، ظلت الصين أكبر مصدر آسيوي للولايات المتحدة، إذ شحنت سلعا تزيد قيمتها على 308 مليارات دولار، فيما بلغت صادرات تايوان أكثر من 201 مليار دولار مقارنة بنحو 116 مليار دولار في العام السابق. كما تقلص العجز التجاري الأمريكي مع الصين بمقدار 93.4 مليار دولار ليصل إلى نحو 202 مليار دولار، في حين تضاعف العجز مع تايوان تقريبًا ليبلغ نحو 147 مليار دولار، مما يشير إلى إعادة توجيه مسارات التجارة.
وفي أول رد فعل رسمي على الحكم، حثت بكين واشنطن على إلغاء ما وصفته بالإجراءات التجارية الأحادية وغير القانونية التي أعلنها ترامب بعد ساعات من صدور القرار. وأكدت وزارة التجارة الصينية أنها ستجري تقييما شاملا للحكم لدراسة آثاره المحتملة على المصالح التجارية الصينية.
وكان ترامب قد أعلن في غضون ساعات من صدور الحكم زيادة التعريفات الجمركية العالمية إلى 15% استنادًا إلى المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974، التي تتيح فرض رسوم استيراد مؤقتة لمدة تصل إلى 150 يومًا لمعالجة مشكلات ميزان المدفوعات. ومن المقرر أن تدخل هذه التعريفات حيز التنفيذ سريعا.
وكتب ترامب على منصته “تروث سوشيال” محذرًا من أن أي دولة تحاول الالتفاف على قرار المحكمة العليا، ولا سيما الدول التي “استغلت” الولايات المتحدة لسنوات، ستواجه تعريفات أعلى بكثير. وقد فاجأت هذه التحركات بعض المسؤولين الأمريكيين، ما يعكس حالة من الارتباك في صياغة السياسة التجارية.
ويرى مراقبون أن إلغاء هذه التعريفات يمثل تحولا جوهريا في البيئة التفاوضية قبيل القمة المرتقبة بين ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ في بكين خلال الفترة من 31 مارس إلى 2 أبريل 2026. وتُعد هذه أول زيارة لترامب إلى الصين منذ عام 2017، وأول لقاء شخصي بين الزعيمين منذ هدنة أكتوبر 2025 في كوريا الجنوبية. وبموجب الحكم، يُرفع العبء الأكبر من الرسوم الخاصة بالصين، لتبقى خاضعة لتعريفة أساسية عالمية بنسبة 15% ولمدة 150 يومًا وفق المادة 122.
ويرى المحللون أن الحكم يقيد قدرة ترامب على تصعيد الحرب التجارية بشكل أحادي، ويحد من أدوات الضغط المتاحة لإلزام الصين بصفقات شراء واسعة أو بتخفيف القيود على المعادن الاستراتيجية. كما يفتح المجال أمام بكين للمطالبة بتنازلات أمريكية في ملفات حساسة، مثل القيود على تصدير أشباه الموصلات المتقدمة، والرسوم المرتبطة بمكافحة الفنتانيل، أو مستوى الدعم العسكري والسياسي لتايوان. ويعتبر خبراء أن هذا التطور يضع الصين في موقف تفاوضي أقوى، مع امتلاكها أدوات للرد عبر فرض قيود على صادراتها الاستراتيجية إذا تصاعدت المطالب الأمريكية.
ويرى المراقبون أن التوصل إلى نتائج بناءة في المحادثات قد يسهم في استقرار سلاسل التوريد العالمية وتعزيز ثقة المستثمرين، في حين أن أي تصعيد جديد قد يطلق موجة اضطرابات تطال الأسواق والشركات حول العالم.
في المحصلة، لم يكن حكم المحكمة العليا الأمريكية قرارا قانونيا عابرا، بل تطورا أعاد رسم معادلة التفاوض بين واشنطن وبكين قبيل قمة حاسمة. وبين العجز التجاري، واختلالات ميزان المدفوعات، وضغوط سلاسل التوريد، تتشكل مرحلة جديدة قد تعيد تعريف العلاقة بين القوتين الاقتصاديتين الأكبر عالميا وتترك آثارا ممتدة على الأسواق الدولية.