< عادل توماس يكتب: المحكمة الدستورية تعيد رسم خريطة قضايا المخدرات في مصر
النبأ
رئيس التحرير
خالد مهران

عادل توماس يكتب: المحكمة الدستورية تعيد رسم خريطة قضايا المخدرات في مصر

عادل توماس
عادل توماس

في خطوة قضائية بالغة الأهمية، أصدرت المحكمة الدستورية العليا حكمًا تاريخيًا بعدم دستورية قرار رئيس هيئة الدواء المصرية رقم 600 لسنة 2023، المتعلق باستبدال وتعديل بعض الجداول والملحقات الملحقة بقانون مكافحة المخدرات، الحكم أعاد التأكيد على أن التجريم والعقاب لا يكونان إلا بقانون صادر عن السلطة التشريعية، وليس بقرارات إدارية، بما يرسخ مبدأ سيادة القانون وحماية الحقوق والحريات.

خلفية القرار محل الجدل

صدر قرار 600 لسنة 2023 بهدف إدخال تعديلات على جداول المخدرات من خلال استبدال بعض المواد، وإضافة مواد جديدة، ونقل بعض المركبات من جدول إلى آخر، وذلك استنادًا إلى الجداول الملحقة بالقانون رقم 182 لسنة 1960 بشأن مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها، وقد جرى العمل بهذا القرار داخل جهات الضبط والتحقيق والمحاكم، واعتُبر أساسًا لتوجيه الاتهام في عدد كبير من القضايا.

المواد التي تناولها قرار رئيس هيئة الدواء

شمل القرار مجموعة من المواد ذات الطبيعة التخليقية أو النفسية التأثير، من بينها مشتقات الفينتانيل الصناعية، ومركبات الكانابينويد الصناعي المعروفة تجاريًا بأسماء مثل الفودو والاستروكس، إضافة إلى مشتقات الأمفيتامينات التخليقية ومواد مستحدثة جرى تداولها حديثًا في الأسواق غير المشروعة، وقد تم إدراج هذه المواد أو نقلها بين الجداول بقرار إداري دون صدور قانون من البرلمان.

الأساس الدستوري الذي استند إليه الحكم

أكدت المحكمة أن الدستور أناط بالسلطة التشريعية وحدها سلطة سن القوانين الجنائية وتحديد الجرائم والعقوبات، وأنه لا يجوز تفويض جهة إدارية في إنشاء جرائم جديدة أو توسيع نطاق التجريم، كما شددت على أن مبدأ الشرعية الجنائية يقتضي وضوح النصوص وصراحتها، وألا يكون التجريم نتاج قرارات تنفيذية.

ماذا يعني سقوط القرار من الناحية القانونية

سقوط قرار 600 لسنة 2023 يعني اعتباره كأن لم يكن منذ تاريخ صدوره، وعدم جواز الاستناد إليه في تحريك الدعوى الجنائية أو توقيع العقوبات، وبذلك تصبح كل القضايا التي تأسست حصريًا على هذا القرار بلا سند قانوني صحيح.

الأثر المباشر على القضايا المنظورة

يمتد أثر الحكم إلى جميع القضايا التي ما زالت قيد التحقيق أو المحاكمة، حيث يتعين على المحاكم القضاء بعدم قبول الدعوى أو الحكم بالبراءة في حال كان الاتهام قائمًا على القرار الملغى.

مصير الأحكام النهائية والباتة

لم يقتصر أثر الحكم على القضايا المنظورة فقط، بل شمل كذلك الأحكام النهائية والباتة الصادرة استنادًا إلى القرار، إذ يتعين وقف تنفيذ العقوبات المقضي بها وإخلاء سبيل المحكوم عليهم فورًا.

التزام النيابة العامة بتنفيذ الحكم

أحكام المحكمة الدستورية العليا ملزمة للكافة وواجبة النفاذ بذاتها، وعلى النيابة العامة المبادرة إلى مراجعة جميع القضايا والأحكام التي تأسست على القرار الملغى، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لتنفيذ مقتضى الحكم.

انعكاسات الحكم على السياسة الجنائية

يعيد هذا الحكم التأكيد على أن إدخال أي مادة جديدة إلى جداول المخدرات أو تعديل تصنيفها يجب أن يتم عبر المسار التشريعي الكامل داخل البرلمان، بما يضمن خضوع هذه التعديلات للنقاش المجتمعي والرقابة الدستورية.

رسالة الحكم إلى المجتمع

يحمل الحكم رسالة واضحة بأن حماية الحقوق والحريات تظل في مقدمة أولويات الدستور، وأن التوسع في التجريم خارج الإطار التشريعي مرفوض، وأن دولة القانون لا تستقيم إلا باحترام حدود الاختصاص بين السلطات.

الحكم يعيد ضبط العلاقة بين الدولة والمواطن

من وجهة نظر قانونية، لا يمكن النظر إلى حكم المحكمة الدستورية باعتباره مجرد إلغاء لقرار إداري، بل هو إعادة تأسيس لقواعد جوهرية تحكم علاقة الدولة بالمواطن في المجال الجنائي. فالتجريم هو أخطر أدوات السلطة، لأنه يمس الحرية الشخصية مباشرة، وأي توسع فيه خارج الإطار التشريعي يفتح الباب أمام المساس غير المبرر بحقوق الأفراد.

الحكم يبعث برسالة قوية مفادها أن حسن النية في مواجهة ظاهرة انتشار المخدرات لا يبرر تجاوز الدستور أو القفز على اختصاص البرلمان، وأن حماية المجتمع يجب أن تسير جنبًا إلى جنب مع حماية الحقوق والحريات، لا على حسابها.

كما أن الحكم يفرض على السلطة التنفيذية مراجعة منهجها في التعامل مع الظواهر المستحدثة، واللجوء إلى المسار التشريعي الطبيعي عند الحاجة إلى إدخال مواد جديدة إلى جداول المخدرات، بدلًا من الاعتماد على قرارات إدارية قد تُعرّض آلاف القضايا للبطلان.

ومن زاوية أوسع، فإن هذا الحكم يعزز ثقة المواطنين في القضاء الدستوري باعتباره صمام الأمان الحقيقي للشرعية، ويؤكد أن باب العدالة يظل مفتوحًا لتصحيح أي انحراف تشريعي أو تنفيذي، مهما كانت دوافعه.

وبذلك يمكن القول إن الحكم لا يحقق فقط مصلحة المتهمين في القضايا المرتبطة بقرار 600 لسنة 2023، بل يخدم المصلحة العامة، لأنه يرسخ دولة القانون، ويؤكد أن مكافحة الجريمة لا تكون إلا في إطار دستوري سليم يحفظ كرامة الإنسان ويصون حريته.

انتصار جديد لسيادة القانون

يمثل حكم اليوم محطة فاصلة في تاريخ العدالة الجنائية المصرية، ويؤكد أن الدستور يعلو ولا يُعلى عليه، وأن التجريم لا يكون إلا بقانون، في انتصار جديد لمبادئ الشرعية الدستورية وصون الحريات العامة.