< إحالة سائق وبائع ملابس إلى جنايات الإسكندرية بعد الثأر
النبأ
رئيس التحرير
خالد مهران

إحالة سائق وبائع ملابس إلى جنايات الإسكندرية بعد الثأر

محكمة الإسكندرية
محكمة الإسكندرية

في مشهد يعكس كيف يمكن لخلاف عابر في الشارع أن يتحول إلى جريمة قتل مكتملة الأركان، قررت نيابة غرب الإسكندرية الكلية إحالة المتهمين "أ.ا.س" سائق، و"م.ا.س" بائع ملابس، إلى محكمة جنايات الإسكندرية، لمحاكمتهما في واقعة قتل المجني عليه "أ.ن.خ" سائق توك توك، وذلك على خلفية مشادة نشبت بسبب أولوية المرور بدائرة قسم شرطة مينا البصل.

القضية المقيدة برقم 12688 لسنة 2025 جنايات قسم شرطة مينا البصل، تكشف تفاصيل صادمة لتحول مشادة مرورية عابرة إلى جريمة قتل عمد سبقها إصرار وترصد، وفق ما أسفرت عنه التحقيقات.

إخطار أمني يكشف بداية الخيط

تعود بداية الواقعة عندما تلقت الأجهزة الأمنية بمديرية أمن الإسكندرية إخطارًا من ضباط قسم شرطة مينا البصل، يفيد بقيام شخصين بالتعدي على سائق توك توك باستخدام سلاح أبيض، ما أسفر عن إصابته إصابات بالغة أودت بحياته لاحقًا.
انتقلت قوة من مباحث القسم إلى مكان البلاغ، حيث تبين أن المجني عليه مصاب بعدة طعنات متفرقة في أنحاء الجسد، وتم نقله في محاولة لإسعافه إلى أحد المستشفيات القريبة، إلا أنه لفظ أنفاسه الأخيرة متأثرًا بإصاباته.

تم تحرير محضر بالواقعة، وأُخطرت النيابة العامة التي باشرت التحقيق على الفور.

مشادة بسبب أولوية المرور

كشفت التحقيقات أن الواقعة بدأت بمشادة كلامية نشبت بين المجني عليه "أ.ن.خ"، أثناء قيادته دراجة بخارية (توك توك)، والمتهم الأول "أ.ا.س" الذي كان يقود سيارة "توناية"، وكان برفقته المتهم الثاني "م.ا.س".

السبب لم يكن سوى أولوية المرور في أحد شوارع منطقة مينا البصل، حيث نشب خلاف حول من له حق العبور أولًا.

تطورت المشادة سريعًا إلى اشتباك بالأيدي، حيث تعدى المتهمان على المجني عليه بالضرب أمام المارة.

تدخل عدد من الأهالي لفض الاشتباك، وتمكنوا من إنهاء المشاجرة في حينها، وغادر المجني عليه المكان معتقدًا أن الأمر انتهى عند هذا الحد، لكن، حسب ما ورد في التحقيقات، لم تنتهِ الواقعة عند هذا الحد.

نية الانتقام تتحول إلى جريمة

أوضحت التحقيقات أن المتهمين لم يكتفيا بالمشاجرة الأولى، بل عقدا العزم والنية على الانتقام من المجني عليه.

غادر المتهمان المكان، ثم توجها لاحقًا إلى موقع وجود المجني عليه، وكانا يحملان سلاحًا أبيض (مطواة)، في خطوة تعكس سبق الإصرار والترصد.

ووفق أقوال الشهود وما توصلت إليه التحريات، اصطحب المتهمان المجني عليه بعيدًا عن أعين المارة لينفردا به، وهناك استل المتهم الأول سلاحه الأبيض وانهال عليه بعدة طعنات متتالية، وُصفت في التحقيقات بأنها "وحشية"، طالت مناطق متفرقة من جسده.

ترك المتهمان المجني عليه غارقًا في دمائه، وفرا هاربين من موقع الحادث.

محاولة إنقاذ لم تكتمل

تم نقل المجني عليه إلى المستشفى في محاولة لإنقاذه، إلا أن الإصابات التي تعرض لها كانت قاتلة، حيث لفظ أنفاسه الأخيرة متأثرًا بجراحه النافذة.

التقرير الطبي المبدئي أشار إلى أن سبب الوفاة يعود إلى طعنات نافذة أدت إلى نزيف حاد، ما تسبب في هبوط حاد بالدورة الدموية انتهى بالوفاة، وبوفاة المجني عليه، تحولت الواقعة من مشاجرة إلى جناية قتل عمد.

تحريات المباحث وضبط المتهمين

كثفت الأجهزة الأمنية تحرياتها لكشف ملابسات الواقعة وضبط الجناة، وتم تحديد هوية المتهمين من خلال أقوال الشهود وفحص كاميرات المراقبة بالمنطقة.

عقب تقنين الإجراءات، تم ضبط المتهمين، وبمواجهتهما بما أسفرت عنه التحريات، تم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيالهما، وإحالتهما إلى النيابة العامة التي باشرت التحقيق.

النيابة وجهت لهما اتهامات بالقتل العمد مع سبق الإصرار والترصد، وحيازة سلاح أبيض دون مسوغ قانوني، وقررت حبسهما على ذمة التحقيقات، قبل أن تُصدر قرارها بإحالتهما إلى محكمة جنايات الإسكندرية.

الشارع كساحة صراع

الواقعة تعيد إلى الواجهة أزمة الخلافات المرورية التي تتحول أحيانًا إلى مشاجرات عنيفة، خاصة في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية والشوارع الضيقة.

مينا البصل، كغيرها من أحياء الإسكندرية الشعبية، تشهد تداخلًا بين سيارات النقل الخفيف، والتوك توك، والمارة، ما يخلق احتكاكات يومية قد تتحول في لحظات غضب إلى اشتباكات خطيرة.

ويرى مختصون أن غياب ثقافة ضبط النفس، إلى جانب الانتشار غير المنضبط لبعض الأسلحة البيضاء، يسهم في تصاعد حدة العنف في مثل هذه الوقائع.

من مشادة عابرة إلى اتهام بالقتل العمد

الفارق بين مشاجرة عادية وجريمة قتل قد يكون قرارًا لحظيًا بالتصعيد، وهو ما يبدو أنه حدث في هذه القضية.

فبدلًا من الاكتفاء بالمشادة الأولى التي انتهت بتدخل الأهالي، اختار المتهمان العودة والانتقام، وهو ما اعتبرته النيابة دليلًا على توافر نية القتل وسبق الإصرار.

ويعاقب القانون على جريمة القتل العمد بعقوبات تصل إلى السجن المؤبد أو الإعدام، حال توافر ظروف مشددة، وهو ما ستفصل فيه محكمة جنايات الإسكندرية خلال جلساتها المقبلة.

انتظار كلمة العدالة

بإحالة المتهمين إلى محكمة الجنايات، تبدأ مرحلة جديدة في القضية، حيث ستنظر المحكمة في الأدلة، وأقوال الشهود، وتقارير الطب الشرعي، وتحريات المباحث، لتحديد المسؤولية الجنائية لكل متهم.

وتنتظر أسرة المجني عليه القصاص، فيما يترقب الشارع السكندري تطورات المحاكمة في قضية بدأت بخلاف على أولوية المرور، وانتهت بجثة سائق توك توك غارقًا في دمائه.

جريمة أخرى تضاف إلى سجل جرائم العنف الناتجة عن لحظة غضب، لكنها تظل تذكيرًا قاسيًا بأن دقيقة تهور قد تدفع ثمنها أسرة كاملة مدى الحياة.