«صرخة لم تُسمع».. إحالة أم وسائق «توكتوك» إلى الجنايات بتهمة قتل طفل كرموز
في واحدة من القضايا التي هزّت الرأي العام في محافظة الإسكندرية، قررت نيابة غرب الإسكندرية الكلية إحالة كل من المتهم الأول “ع.م.ع” سائق توك توك، والمتهمة الثانية “ي.ص.م” ربة منزل، إلى محكمة جنايات الإسكندرية، لاتهامهما بقتل الطفل “ص.ا.م” البالغ من العمر 10 سنوات، وهو نجل المتهمة الثانية من زواجها السابق، وذلك عقب سلسلة من الاعتداءات انتهت بوفاته متأثرًا بإصاباته.
القضية المقيدة برقم 9532 لسنة 2025 جنح قسم شرطة كرموز، تكشف تفاصيل مأساوية لواقعة عنف أسري انتهت بجريمة قتل، كان ضحيتها طفلًا لم يتجاوز العاشرة من عمره، كل ذنبه – حسب التحقيقات – أنه طلب السفر إلى والده بمحافظة الجيزة.
بداية البلاغ.. طفل يصل المستشفى جثة هامدة
تعود بداية الواقعة عندما تلقت الأجهزة الأمنية بمديرية أمن الإسكندرية إخطارًا من ضباط قسم شرطة كرموز، يفيد بوصول طفل إلى المستشفى مصابًا بإصابات متفرقة في أنحاء جسده، وفي حالة إعياء شديد، قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة متأثرًا بما تعرض له من اعتداء.
البلاغ أثار الشكوك حول طبيعة الإصابات، خاصة مع تعددها وتباين مواضعها، ما دفع رجال المباحث إلى فتح تحقيق عاجل لكشف ملابسات الواقعة، والوقوف على حقيقة ما جرى داخل منزل الأسرة.
خلفية أسرية مضطربة.. طلاق وزواج جديد
كشفت التحقيقات أن المتهمة الثانية “ي.ص.م” كانت قد انفصلت عن زوجها – والد الطفل المجني عليه – قبل فترة، لتتزوج من المتهم الأول “ع.م.ع” سائق توك توك. وبعد انتقال الطفل للإقامة مع والدته وزوجها الجديد، بدأت – حسب أقوال وتحريات – ملامح توتر داخل المنزل.
التحريات أفادت بأن الطفل كان يتعرض للاعتداء بشكل متكرر من قبل المتهمين، سواء بالضرب أو التعنيف، في ظل رفض الزوج الجديد وجوده، وهو ما شكل بيئة غير آمنة للطفل، انتهت بمشهد مأساوي في يوم الواقعة.
يوم الحادث.. “أريد السفر إلى والدي”
حسب ما جاء في التحقيقات، فإن يوم الواقعة بدأ بطلب من الطفل بالسفر إلى والده في محافظة الجيزة. الطلب البسيط تحول إلى شرارة أشعلت مشادة داخل المنزل، حيث رفض المتهم الأول سفر زوجته مع الطفل، واندلع خلاف بين الزوجين بسبب هذا الأمر.
وتشير التحقيقات إلى أن المتهم الأول عاد بالطفل ووالدته إلى مسكنهما، وهناك تطورت الأمور بشكل مأساوي. إذ قام المتهم – وفق ما ورد بالأوراق – بتمزيق ملابس الطفل والتعدي عليه بالضرب مستخدمًا عصا خشبية “شومة”، موجهًا له ضربات متفرقة في أنحاء جسده.
وخلال الاعتداء، ظل الطفل – حسب أقوال الشهود والتحريات – يردد عبارات تعبر عن رفضه البقاء معهما، ويتمسك برغبته في الذهاب إلى والده، ما أثار غضب المتهمين بشكل أكبر.
اشتراك الأم في الاعتداء
لم تتوقف الواقعة عند اعتداء الزوج، إذ أظهرت التحقيقات أن المتهمة الثانية – والدة الطفل – شاركت في التعدي عليه، حيث وجهت له عدة ضربات أثناء الاعتداء، في مشهد صادم يعكس حجم العنف الذي تعرض له الطفل داخل منزله.
وبحسب التحقيقات، غادر المتهم الأول المنزل لفترة قصيرة، وعند عودته لاحقًا، وجد الطفل في حالة إعياء شديد، فاقدًا القدرة على الحركة بشكل طبيعي، وعليه آثار ضرب واضحة.
تم نقل الطفل إلى المستشفى في محاولة لإسعافه، إلا أنه توفي متأثرًا بإصاباته، لتتحول الواقعة من قضية ضرب إلى جناية قتل.
تقرير الطب الشرعي.. إصابات متعددة
أثبتت التقارير الطبية المبدئية أن الطفل تعرض لإصابات متعددة في أنحاء جسده، نتيجة الضرب بآلة صلبة، ما أدى إلى تدهور حالته الصحية بشكل سريع، وانتهى بوفاته.
التقرير أشار إلى وجود كدمات وسحجات وآثار ضرب، وهو ما عزز من شبهة الاعتداء العنيف المتكرر، وليس مجرد واقعة ضرب عابرة.
تحريات المباحث.. اعتداءات سابقة
كشفت تحريات رجال المباحث أن الطفل كان يتعرض للاعتداء بصورة متكررة من قبل المتهمين، وأن الجيران لاحظوا في أوقات سابقة سماع صرخاته، دون أن يتخيل أحد أن الأمر سينتهي بوفاته.
التحريات أكدت كذلك أن المتهم الأول كان يعترض على سفر الطفل إلى والده، وهو ما تسبب في تصاعد التوتر داخل المنزل يوم الواقعة.
قرار النيابة.. إحالة إلى الجنايات
عقب استكمال التحقيقات وسماع أقوال المتهمين والشهود، ومواجهة المتهمين بما أسفرت عنه التحريات والتقارير الطبية، قررت نيابة غرب الإسكندرية الكلية إحالة المتهمين إلى محكمة جنايات الإسكندرية، لاتهامهما بقتل الطفل المجني عليه.
القرار جاء بعد ثبوت وجود شبهة جنائية قوية، وتوافر أدلة تشير إلى اشتراك المتهمين في الاعتداء الذي أودى بحياة الطفل.
جريمة تهز كرموز.. ومطالب بالحماية
الواقعة أثارت حالة من الحزن والغضب بين أهالي منطقة كرموز، خاصة أن المجني عليه طفل في عمر الزهور، وكان من المفترض أن ينعم بالأمان داخل منزله.
في انتظار كلمة القضاء
ومع إحالة المتهمين إلى محكمة جنايات الإسكندرية، تنتظر القضية أولى جلسات المحاكمة، حيث ستُعرض أوراقها كاملة أمام هيئة المحكمة، للفصل في الاتهامات المنسوبة إلى المتهمين، وتحديد المسؤولية الجنائية لكل منهما.
قضية الطفل “ص.ا.م” ليست مجرد رقم في سجلات المحاكم، بل قصة ألم لطفل انتهت حياته بين جدران منزل كان يفترض أن يكون ملاذه الآمن. وبين سطور التحقيقات، تبقى كلماته الأخيرة – وفق ما ورد بالأوراق – شاهدة على مأساة لم تجد من ينقذه في الوقت المناسب.
ويبقى الحكم النهائي بيد العدالة، لتقول كلمتها في واحدة من أبشع قضايا العنف الأسري التي شهدتها الإسكندرية مؤخرًا.