< تحرير السوق أم خصخصة.. تفاصيل التحركات الحكومية بشأن قطاع الكهرباء
النبأ
رئيس التحرير
خالد مهران

تحرير السوق أم خصخصة.. تفاصيل التحركات الحكومية بشأن قطاع الكهرباء

عدادات كهرباء منزلية
عدادات كهرباء منزلية

استشارى كهرباء: الإصلاحات تهدف لتطوير القطاع وليست خصخصة

خبير كهرباء: فصل شركة النقل خطوة أساسية لتنظيم السوق دون بيع الأصول.. وإشراك القطاع الخاص يهدف لتقديم أفضل خدمة بأفضل سعر

 

محمد سليم: تحقيق 40% طاقة متجددة لن يتم دون مشاركة القطاع الخاص

 

في ظل النقاشات المتصاعدة حول خصخصة بعض القطاعات الحيوية للدولة، احتل مستقبل شركات الكهرباء في مصر مكانة بارزة في الحوار العام، وسط مخاوف متزايدة من أن تؤدي أي خطوات مقبلة إلى بيع أصول مملوكة للدولة أو التنازل عن السيطرة عليها، الأمر الذي تنفيه الحكومة بشكل قاطع، مؤكدة أن الهدف من الإصلاحات الأخيرة لا يرتبط بالخصخصة، وإنما يركز على تطوير القطاع وتنظيمه بأسلوب يضمن أعلى مستويات الكفاءة، ويحقق استدامة الخدمة الكهربائية للمواطنين، مع الحفاظ على ملكية الدولة كعنصر أساسي في منظومة الطاقة الوطنية.

الخصخصة تعني بشكل أساسي نقل ملكية أو إدارة جزء من القطاع العام إلى القطاع الخاص، وهو ما يثير مخاوف متعددة، تبدأ من فقدان الدولة السيطرة على أصول استراتيجية، ولا تنتهي عند احتمالات ارتفاع الأسعار على المستهلكين أو تراجع الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية للخدمات المقدمة.

وتظل المخاوف أكثر وضوحًا عندما يتعلق الأمر بالشركات المملوكة للدولة، والتي تؤدي دورًا حيويًا في حياة المواطنين اليومية والاقتصاد الوطني، حيث يرى الكثيرون أن أي خطوة لبيع أو طرح أسهم هذه الشركات أمام المستثمرين الأجانب أو المحليين قد تؤدي إلى تقليص دور الدولة في القطاع، وتحويل إدارة أصولها من هدف اجتماعي واستراتيجي إلى هدف ربحي بحت.

ففي السنوات الأخيرة، اتخذت الحكومة سلسلة إجراءات فعلية لتنظيم قطاع الكهرباء وتهيئة السوق أمام مشاركة القطاع الخاص، وذلك ضمن إطار قانوني وارد في قانون الكهرباء الموحد رقم 87 لسنة 2015، والذي تضمن فصل الشركة المصرية لنقل الكهرباء عن الشركة القابضة.

وأصدرت الجمعية العامة للشركتين، قرارًا بفصل الشركة المصرية لنقل الكهرباء عن الشركة القابضة لكهرباء مصر، وجعلها كيانًا مستقلًا مسؤولًا عن تشغيل الشبكة القومية، وذلك للمساهمة في تحرير السوق وتشجيع مشاركة المنتجين والمستهلكين المختلفين عبر الشبكة، بما في ذلك القطاع الخاص، ويُعد هذا الإجراء خطوة أساسية لتنفيذ أحكام القانون التي تنظم فصل أنشطة النقل عن الإنتاج والتوزيع.

كما شملت التحركات بدء تطبيق تصميم سوق الكهرباء، فعقب فصل شركة النقل، يعمل جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك على إعداد وثيقة تصميم السوق، التي تتضمن مراحل تحرير أسعار الكهرباء تدريجيًا، تبدأ بتحريرها لفئات معينة من العملاء (مثل الجهد الفائق والعالي)، وتنتقل لاحقًا لتحقيق تحرير أشمل في السوق.

وتم منح تراخيص وآليات للبيع المباشر بين المنتج والمستهلك، حيث سمحت الدولة للشركات الخاصة في مجال الطاقة المتجددة بإبرام اتفاقيات بيع مباشر للطاقة الكهربائية للمستهلكين الصناعيين عبر الشبكة القومية، وهو ما يمثل تطبيقًا عمليًا لإشراك القطاع الخاص في إنتاج وتوريد الكهرباء دون المرور بالنموذج التقليدي السابق.

وتضمنت التحركات أيضًا تهيئة الأطر التنظيمية والاستثمارية، حيث أعلنت الحكومة عن سياسات لتهيئة بيئة استثمارية جاذبة أمام القطاع الخاص، من خلال تحسين التشريعات وتذليل العقبات أمام الشركاء في مشروعات الطاقة، وتوسيع الفرص الاستثمارية في مشروعات الطاقة المتجددة، والتوسع في الشبكات الكهربائية.

ويقوم قانون الكهرباء رقم 87 لسنة 2015 على تحرير السوق وإشراك القطاع الخاص، من خلال نصوص قانون الكهرباء الموحد رقم 87 لسنة 2015، الذي ينظم الفصل بين أنشطة الإنتاج والنقل والتوزيع، وتفويض دور الجهات المنظمة، مثل جهاز تنظيم مرفق الكهرباء، في إصدار التراخيص والإشراف على السوق، والسماح بأنواع معينة من العقود والتعاقدات بين المنتجين والمستهلكين، بما يخلق بيئة أكثر تنافسية.

ووفق هذه التحركات، تعمل الدولة على تنظيم وتحرير السوق تدريجيًا من خلال تنفيذ آليات قانونية وتشغيلية تسمح للقطاع الخاص بالمشاركة في أنشطة محددة داخل منظومة الكهرباء، مع استمرار ملكية الدولة للشبكة القومية، وأدوار الجهات التنظيمية وفق التشريعات المعمول بها.

تطوير وليس خصخصة

وفي هذا السياق، قال المهندس الاستشاري مصطفى الشربيني، استشاري الكهرباء والطاقة المتجددة، إن الإجراءات الأخيرة في قطاع الكهرباء تهدف إلى تنظيم وتطوير القطاع بشكل تدريجي ومنظم، وليست خصخصة.

وأوضح «الشربيني» -في تصريح لـ«النبأ»- أن الفترة الأخيرة شهدت نقاشات واسعة حول مستقبل الشركات المملوكة للدولة، وخاصة الشركة المصرية لنقل الكهرباء، بعد سلسلة من الخطوات التنظيمية والإجرائية، مشيرًا إلى أن التفسيرات اختلفت بين من يرى أن هذه الإجراءات تمهيدًا للخصخصة، ومن يعتبرها خطوات طبيعية لتلبية متطلبات التطوير وتحسين الأداء.

ولفت «الشربيني»، إلى أن جميع الإجراءات الحالية تأتي في إطار القانون، وبخاصة قانون الكهرباء الموحد رقم 87 لسنة 2015، الذي ينظم الفصل بين أنشطة الإنتاج والنقل والتوزيع، وينظم سوق الكهرباء بشكل تدريجي، ويعزز دور جهاز تنظيم مرفق الكهرباء.

وأضاف أن ما يجري تنفيذه ليس استحداث سياسات جديدة أو بيع أصول، وإنما تطبيق نصوص قانونية قائمة.

ويُعد فصل الشركة المصرية لنقل الكهرباء عن الشركة القابضة للكهرباء خطوة تنظيمية رئيسية تهدف إلى تحقيق الحياد في إدارة وتشغيل الشبكة القومية للكهرباء، وإتاحة فرص متكافئة لجميع منتجي الكهرباء، ورفع كفاءة التشغيل وتحسين مستوى الخدمة.

وشدد «الشربيني»، على أن ملكية الدولة للشبكة القومية تُعد مرفقًا استراتيجيًا ضروريًا للحفاظ على تأمين احتياجات المواطنين من الكهرباء، ودعم النشاط الاقتصادي، وضمان استقرار المنظومة الكهربائية.

وأوضح أن تحرير السوق لا يعني الخصخصة، بل هو فتح السوق تدريجيًا أمام مشاركة القطاع الخاص في بعض الأنشطة، مع استمرار الدولة في دورها التنظيمي والرقابي.

وأضاف أن السيناريوهات المستقبلية تشمل الطرح الجزئي للأصول بنسبة أقل، مع الاحتفاظ بأغلبية الدولة وجذب تمويل دون فقدان السيطرة، والشراكات التشغيلية عبر عقود إدارة أو امتياز لتطوير أجزاء من الشبكة، في نموذج قريب من الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP)، وتحرير السوق بالكامل دون خصخصة الأصول، مع دور تنظيمي أقوى لجهاز تنظيم الكهرباء.

وأشار «الشربيني»، إلى أن توقيت تنفيذ هذه السيناريوهات يعتمد على عدة عوامل اقتصادية ومالية، من بينها الالتزام بالإصلاح الهيكلي للقطاع وربطه بالمؤسسات الدولية، وضخ استثمارات لتوسيع الشبكة لاستيعاب الطاقات المتجددة، وتنفيذ مشروعات الربط الكهربائي الإقليمي مع أوروبا وإفريقيا والخليج، وتزايد الطلب الصناعي على الكهرباء النظيفة.

وأوضح أن الدولة وحدها لا تستطيع تمويل كل شيء، لذا يتحول دورها من مشغّل مباشر إلى منظم وضامن لاستدامة الخدمات وجودتها، بما يضمن استمرار تلبية احتياجات المواطنين، وتحقيق مشاركة فعّالة وآمنة للقطاع الخاص، مع الحفاظ على ملكية الدولة كعنصر أساسي في المنظومة.

أفضل خدمة للمستهلك

من جانبه، قال محمد سليم، خبير شؤون الطاقة، إن الدولة بحاجة إلى إشراك القطاع الخاص، موضحًا أنها لن تتمكن من التعاقد مع شركة النقل باعتبارها المشغّل الرئيسي للشبكة إلا عبر إعادة هيكلة القطاع وفقًا لقانون تحرير الطاقة.

وأكد «سليم» -في تصريح لـ«النبأ»- أن هذا التوجه لا يعني تسليم القطاع للقطاع الخاص أو خصخصته بالشكل المتعارف عليه، وإنما يهدف إلى الوصول إلى أفضل خدمة للمستهلك بأفضل سعر.

وأضاف أن قانون تحرير سوق الكهرباء منذ عام 2015 لا يعني الخصخصة بمعناها الواضح، بل يضمن وصول الدعم إلى مستحقيه، مشيرًا إلى أن تحرير السوق لا يشترط ارتفاع الأسعار، وقد يؤدي إلى انخفاضها أو استقرارها وفقًا لآليات العرض والطلب.

ولفت إلى أن الدولة تستهدف رفع مساهمة الطاقة المتجددة إلى نحو 40% من مزيج إنتاج الكهرباء، مقارنة بنحو 14% حاليًا، مؤكدًا أن تحقيق هذا الهدف لن يكون ممكنًا دون إشراك حقيقي وفعّال للقطاع الخاص.

وأوضح أن فصل شركة نقل الكهرباء عن الشركة القابضة منذ نحو شهرين يمثل خطوة أولى، داعيًا إلى تسريع تنفيذ باقي مراحل الإصلاح، مؤكدًا أن مردود هذه الإجراءات سيكون ممتازًا على المدى المتوسط والطويل.