< محمد مازن يكتب من بكين: من بنما إلى قناة السويس.. خطر إشعال واشنطن حرب الموانئ ضد الصين
النبأ
رئيس التحرير
خالد مهران

محمد مازن يكتب من بكين: من بنما إلى قناة السويس.. خطر إشعال واشنطن حرب الموانئ ضد الصين

محمد مازن
محمد مازن

لم تكن الموانئ البحرية عبر التاريخ مجرد أرصفة لعبور السفن، بل كانت شرايين للاقتصاد العالمي، ونقاط التقاء بين التجارة والسيادة والتنمية، غير أن التحولات الجيوسياسية المتسارعة في مطلع عام 2026 تنذر بانزلاق خطير، تتحول فيه هذه البنية التحتية الحيوية من أدوات للتكامل الاقتصادي إلى أسلحة ضغط في صراع القوى الكبرى، وعلى رأسها المواجهة المتصاعدة بين الولايات المتحدة والصين.

قضية موانئ بنما، التي أبطلت فيها المحكمة العليا عقود تشغيل شركة سي كيه هاتشيسون الصينية لميناءي بالبوا وكريستوبال، تمثل نموذجا كاشفا لهذا التحول. فالقرار، رغم غلافه القانوني، جاء في سياق سياسي واضح، ترافق مع ضغوط أمريكية علنية، وتصريحات من الرئيس دونالد ترامب وكبار مسؤولي الإدارة  تربط بين الوجود الصيني في الموانئ وبين “تهديد الأمن القومي”. هنا، لم يعد الخلاف حول كفاءة التشغيل أو الشفافية، بل حول من يملك حق الوجود الاقتصادي في الممرات الاستراتيجية.

ما يجري اليوم يتجاوز منطق “المنافسة العادلة” بين القوى الاقتصادية. فالولايات المتحدة لم تعد تكتفي بموازنة النفوذ الصيني أو تقديم بدائل استثمارية، بل انتقلت إلى ما يمكن وصفه بـ الإزاحة القسرية، عبر أدوات قانونية وسياسية وأمنية. ويأتي ذلك في إطار مقاربة أوسع تُسوق تحت شعار “إزالة المخاطر”، لكنها في جوهرها تعيد إحياء منطق قديم يقوم على احتكار النفوذ الجغرافي، كما تعكسه عقيدة " دونرو" النسخة المحدثة من “عقيدة مونرو” لترامب في نصف الكرة الغربي.

الأدهى أن الاستراتيجية الأمريكية لا تتوقف عند حدود بنما؛ بل تمتد لتشمل جامايكا حيث تمارس واشنطن حسب تقارير ضغوطا لتقليص نفوذ الشركات الصينية في ميناء كينغستون.

وفي المكسيك ايضا، هناك مطالبات أمريكية بمراجعة امتيازات الموانئ القريبة من الحدود الأمريكية بدعوى مكافحة التهريب وحماية سلاسل التوريد.

وفي أستراليا، عاد الجدل حول ميناء داروين الذي يعود إلى عام 2015  عندما منحت حكومة إقليم الإقليم الشمالي عقد إيجار طويل الأجل 99 عاما لشركة لاندبريدج الصينية لإدارة الميناء، وهو ميناء ذو أهمية استراتيجية لقربه من القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في شمال البلاد.

ورغم أن الصفقة تمت في إطار تجاري بحت، فإنها تحولت لاحقا إلى كابوس أمني في الخطاب الأمريكي-الأسترالي. ومع تصاعد التوتر مع الصين، أعادت كانبيرا فتح الملف، وناقشت علنا إمكانية إلغاء أو إعادة التفاوض على العقد، مستندة إلى قوانين جديدة للاستثمار الأجنبي والأمن القومي.

قضية داروين تعد مثالا مبكرا على التحول من الانفتاح الاقتصادي إلى إعادة تسييس البنية التحتية داخل المعسكر الغربي نفسه، كما تكشف حدود الثقة حتى بين الحلفاء عندما يتعلق الأمر بالصين.

وتمثل باكستان إحدى أكثر الساحات حساسية في الصراع الأمريكي-الصيني على الموانئ، بسبب موقع ميناء جوادر عند مدخل بحر العرب وقربه من مضيق هرمز. فالميناء يعد حجر الزاوية في الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني، وأحد أهم امتدادات مبادرة “الحزام والطريق” نحو المياه الدافئة.

وعلى عكس بنما، التي لجأت إلى إجراء قضائي مباشر لإلغاء العقود الصينية، تحاول باكستان حاليا موازنة النفوذ الصيني عبر توجيه دعوة للولايات المتحدة لبناء ميناء منافس في موقع قريب ميناء باسني.

وفي أواخر عام 2025، أفادت تقارير بأن قائد الجيش الباكستاني عاصم منير، عرض على الولايات المتحدة فرصة بناء وتشغيل ميناء بحري عميق في باسني، الواقعة على بعد نحو 100 كيلومتر فقط من ميناء جوادر الذي تديره الصين.

ويُنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها محاولة لتهدئة مخاوف إدارة ترامب، ومواجهة القلق الأمريكي، حيث تنتقد واشنطن بشدة الممر الاقتصادي الصيني–الباكستاني، وتعتبر ميناء جوادر قد يشكل تهديدا لسلامة خطوط الملاحة البحرية الإقليمية.

فى ضوء هذه الخلفية، لا يتعلق الامر هنا باستهداف الصين فحسب، بل في تقويض مبدأ استقرار العقود، وهو حجر الأساس لأي نظام تجاري عالمي. فعندما تصبح اتفاقيات امتياز موقعة منذ عقود عرضة للإلغاء بفعل تغير المزاج السياسي أو ميزان القوى، تكون الرسالة التي تبعث إلى المستثمرين الدوليين مقلقة: لا ضمانات حقيقية، ولا فصل واضح بين القانون والسياسة.

وفي الواقع، تأثير هذا النهج لا يتوقف عند حدود دولة بعينها، فالموانئ ليست مشاريع محلية معزولة، بل عقد مركزية في شبكات سلاسل التوريد العالمية. وأي اضطراب في إدارتها أو تشغيلها ينعكس مباشرة على تكاليف الشحن، واستقرار الإمدادات، وأسعار السلع، من آسيا إلى أوروبا وإفريقيا.

ومع مخاوف تصاعد تسييس البنية التحتية، قد تجد الشركات العالمية نفسها مضطرة لإعادة رسم خرائطها اللوجستية على أسس سياسية لا اقتصادية، ما يعني كلفة أعلى وكفاءة أقل للجميع.

كما أن تشجيع هذا المسار يفتح الباب أمام سابقة خطيرة. إذا أصبحت مصادرة أو إلغاء الاستثمارات الأجنبية تحت ذرائع “الأمن القومي” ممارسة مقبولة دون معايير دولية واضحة، فإننا نقترب من العودة إلى عصر الحمائية والنزاعات التجارية المفتوحة، حيث تسود منطق القوة على سيادة القانون.

والخاسر الأكبر في هذا الصراع ستكون الدول النامية والاقتصادات المتوسطة، ففي أمريكا اللاتينية وإفريقيا وآسيا، لعبت الاستثمارات الصينية دورا محوريا في سد فجوات هائلة في البنية التحتية، لم تكن المؤسسات الغربية مستعدة أو قادرة دائما على تمويلها.

اليوم، تدفع هذه الدول إلى خيارات قسرية، إما الاصطفاف مع أحد المعسكرين، أو المخاطرة بفقدان الاستثمارات والثقة معا.

وفي حالة قناة السويس والمنطقة الاقتصادية المحيطة بها تبرز حساسية هذا التوازن، فالقناة ليست مجرد ممر تجاري، بل رمز للسيادة الوطنية، وأي محاولة لتحويلها إلى ساحة صراع نفوذ ستنعكس سلبا على استقرار التجارة العالمية نفسها.

ولذلك، بدلا من هذا المسار التصادمي ينبغي  الحوار بين القوى الكبرى والذي بات ضرورة، لا ترفًا، لمنع انزلاق الموانئ وقبلها سلاسل التوريد إلى ساحات صراع بالوكالة، فالعالم المترابط اقتصاديا يحتمل منطق “كسر العظم” الجيوسياسي دون أثمان باهظة.

في نهاية المطاف، المستفيدون من تسييس الموانئ ليسوا شعوب الدول المضيفة، بل القوى التي تسعى إلى إعادة تشكيل النظام العالمي على أسس ضيقة.

أما الخاسر الحقيقي، فهو النظام التجاري الدولي نفسه، ومعه فرص النمو والتنمية لمليارات البشر، ولهذا، فإن تحويل البنية التحتية الحيوية إلى أداة صراع ليس مجرد مخاطرة سياسية، بل رهان خاسر على مستقبل الاقتصاد العالمي.