“هيحبس تلت الشعب”...
مشروع قانون الكهرباء يشعل ثورة غضب نواب البرلمان ضد الحكومة
مصطفى بكرى: المشروع هيحبس تلت الشعب.. ومين يقدر يدفع 100 ألف جنيه غرامة؟
ضياء داوود: الشعب بيقول الحكومة سرقاني.. والمسألة سياسية واجتماعية وليست فنية
تحوّلت مناقشات مشروع تعديل قانون الكهرباء داخل مجلس النواب إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين الحكومة وعدد كبير من النواب، في مشهد عكس حجم الغضب والرفض الذي قوبل به المشروع منذ طرحه، وسط تحذيرات برلمانية من أن تمريره بصيغته الحالية قد يؤدي إلى سجن أعداد كبيرة من المواطنين وتحميلهم أعباء معيشية وقانونية لا تحتمل، في وقت يشهد فيه الشارع ضغوطًا اقتصادية متصاعدة.
وجاءت اعتراضات النواب مدفوعة بمخاوف من أن يفتح مشروع القانون الباب أمام مزيد من التضييق على المواطنين، خاصة محدودي ومتوسطي الدخل، مع تقليص فعلي لدور الدولة الرقابي والاجتماعي، فضلًا عن تغليظ العقوبات بصورة قد تؤدي، على وصف النواب إلى معاقبة المواطن بدلًا من معالجة جذور أزمة الكهرباء، وعلى رأسها مشكلات التقنين، والعدالة في احتساب الاستهلاك، وفشل تطبيق قوانين التصالح السابقة.
ويتضمن مشروع القانون المقدم من الحكومة مواجهة ظاهرة سرقة التيار الكهربائي عبر تشديد العقوبات الجنائية، إلى جانب إتاحة مسارات للتصالح، بهدف الحفاظ على حقوق الدولة والحد من الخسائر الناتجة عن التعديات على الشبكة الكهربائية، والتي تُكبّد الموازنة العامة خسائر كبيرة سنويًا.
ونص المشروع على تعديل المادة (70)، بحيث يعاقب كل من يرتكب مخالفات تتعلق بتوصيل الكهرباء دون سند قانوني أو الامتناع عمدًا عن تقديم الخدمات المرخص بها، بالحبس مدة لا تقل عن سنة، وغرامة لا تقل عن 100 ألف جنيه ولا تزيد على مليون جنيه، أو بإحدى العقوبتين، مع مضاعفة العقوبة في حال العود، وإلزام المحكوم عليه برد مثلي قيمة استهلاك التيار الكهربائي المستولى عليه.
كما شمل المشروع تعديل المادة (71)، لمعاقبة كل من استولى بغير حق على التيار الكهربائي بذات العقوبات، مع تشديد العقوبة حال تسبب الجريمة في انقطاع التيار، أو إذا وقعت الجريمة عن طريق التدخل العمدي في تشغيل معدات أو أجهزة إنتاج أو نقل أو توزيع الكهرباء، وهو ما اعتبره نواب توسعًا كبيرًا في نطاق التجريم.
وأجاز المشروع التصالح في الجرائم المنصوص عليها، مقابل سداد قيمة الاستهلاك أو مثليها أو ثلاثة أمثالها وفقًا لمرحلة الدعوى، مع إلزام المتصالح بسداد قيمة ما تم إتلافه من معدات أو أجهزة، ويترتب على التصالح انقضاء الدعوى الجنائية ووقف تنفيذ العقوبة حال إتمامه.
الحكومة تدافع عن نفسها
وفي محاولة لاحتواء الانتقادات، دافعت الحكومة عن المشروع، حيث أكد المستشار محمود فوزي، وزير الشؤون النيابية والقانونية والتواصل السياسي، احترام الحكومة لكافة الآراء المطروحة داخل البرلمان، مشددًا على أن مشروع القانون لا يتضمن أي تجريم جديد، إذ إن جريمة الاستيلاء غير المشروع على التيار الكهربائي مجرّمة بالفعل منذ سنوات طويلة.
وأوضح «فوزي»، أن الدولة استثمرت مليارات الجنيهات في تطوير وتوسيع شبكة الكهرباء، وأن نسبة الفاقد في التيار تصل إلى نحو 20%، نصفها تقريبًا بسبب سرقة التيار، مؤكدًا ضرورة وجود ردع عام وخاص لحماية المال العام، مع مراعاة الظروف الاجتماعية عند تطبيق القانون من جانب القضاء، مشددًا على أن الحكومة لا تتعجل إقرار التشريع ومستعدة لتقديم جميع البيانات والإحصائيات المطلوبة للوصول إلى صيغة متوازنة، غير أن هذه التبريرات لم تنجح في تهدئة غضب النواب.
وهاجم النائب ضياء الدين داوود، مشروع القانون، قائلا، إن الحكومة تتحدث عن حماية حق الدولة، بينما «الشعب بيقول الحكومة سرقاني»، منتقدًا خلو المذكرة الإيضاحية من بيانات دقيقة توضح حجم سرقة الكهرباء، أو تقييم حقيقي للأثر التشريعي للقوانين السابقة التي سبق أن غلّظت العقوبات دون نتائج ملموسة على أرض الواقع.
وأضاف «داوود»: «إحنا مش بنناقش نص قانوني بس.. دي سياسة عامة، والمسألة اجتماعية وسياسية قبل ما تكون فنية»، مشيرًا إلى أن المواطن تحمّل تكلفة إنشاء محطات الكهرباء عبر الاقتراض، ثم يُفاجأ اليوم بعقوبات مغلظة دون حلول جذرية لمشكلات التقنين أو العدادات أو تقدير الاستهلاك.
مطالب بسحب المشروع
وفي لهجة لا تقل حدة عن «داوود»، تساءل النائب مصطفى بكري: «إزاي هتحبسوا تلت الشعب المصري؟»، معتبرًا أن الحد الأدنى للغرامة البالغ 100 ألف جنيه غير قابل للتطبيق على أرض الواقع، خاصة في القرى والمناطق الريفية التي لم تُتح لها فرصة حقيقية لتقنين أوضاعها أو تركيب عدادات قانونية.
وأضاف «بكري»: «مين يقدر يدفع 100 ألف؟ ومليون كمان؟»، محذرًا من غياب العدالة في العقوبة بين المواطن البسيط الذي يعيش في مسكن محدود الإمكانيات، وبين من يسرق الكهرباء لمصانع أو كومباوندات تحقق أرباحًا ضخمة، مؤكدًا أن الحكومة «مخطئة في هذا القانون».
وطالب بسحب المشروع لحين الانتهاء من قانون التصالح، محذرًا من أزمة اجتماعية كبرى حال تمريره، قائلًا: «أنا هابقى في مواجهة مع الناس… أعداد ضخمة من البشر، إزاي القانون ده هيتطبق؟».
من جانبه، طرح النائب طاهر الخولي تساؤلًا مباشرًا حول جدوى تغليظ العقوبات، قائلًا: «هل تعديلات 2015 ثم 2020 حققت ردعًا عامًا أو خاصًا؟»، معتبرًا أن العودة مجددًا لتغليظ العقوبة بعد خمس سنوات تعكس فشل السياسة التشريعية لا نجاحها.
وأضاف: «الناس مش عارفة تتصالح ولا قادرة تدخل الكهرباء لبيتها، والأولى بالحكومة معالجة هذه الأزمة بدل ملاحقة المواطنين بالعقوبات»، مؤكدًا أن الأولوية يجب أن تكون لمعالجة جرائم إتلاف المنشآت الكبرى ومحطات الكهرباء، لا المواطن العاجز عن توصيل الخدمة.
أما النائب عاطف مغاوري، فاعتبر أن البدء بتغليظ العقوبات «فأل غير حسن»، قائلًا: «القوانين اللي بتبدأ بالعقاب بيبقى فيها رغبة انتقامية، والمجلس لازم يترفع عن الدور ده».
وأضاف: «قبل ما تفتش في جيب المواطن، فتش في جيبك سبع مرات»، منتقدًا غياب الشفافية بشأن تكلفة إنتاج الكهرباء والامتيازات المالية داخل القطاع، في ظل استمرار تحميل المواطن تبعات زيادات متتالية في أسعار الكهرباء خلال السنوات الأخيرة.