بعضها تحول لـ«أوكار للمخدرات».. البيزنس الخفي لاستديوهات أغاني المهرجانات الشعبية
شهدت الساحة الموسيقية في مصر -خلال السنوات الأخيرة- انتشار استديوهات تسجيل غير مرخصة تعمل بعيدا عن الرقابة الرسمية وتقدم خدمات صناعة الأغاني.
واستغلت هذه الاستديوهات الطلب المتزايد بين الشباب على الشهرة السريعة وغالبا تروج لنفسها عبر منصات التواصل الاجتماعي مثل «تيك توك» و«فيسبوك» و«إنستجرام».
ويرى العديد أن هذه الاستديوهات تساهم في إنتاج محتوى مبتذل يتضمن ألفاظا نابية ومضامين غير لائقة وهي مصدر إنتاج ما يدمر الذوق الموسيقي العام.
مداهمات الشرطة
على مدار السنوات الماضية، كثفت أجهزة الأمن جهودها لمكافحة هذه الظاهرة عبر مداهمات استهدفت العديد من الاستديوهات غير المرخصة.
على سبيل المثال في نوفمبر 2021، ضبطت الشرطة استديو في إحدى العقارات بدائرة قسم شرطة شبرا الخيمة يديره شخص وكان يستخدم برامج مونتاج مقلدة ومصنفات صوتية غير مرخصة وأدار قناة على «يوتيوب» لنشر الأعمال غير القانونية بهدف الربح المادي.
وفي يوليو 2022، تم ضبط استديو بالدقي بالجيزة لذات المخالفات ومصادرة أجهزة الكمبيوتر والميكسرات والميكروفونات والسماعات وغيرها من معدات التسجيل الاحترافية.
وفي نوفمبر 2025 رصدت تحريات الإدارة العامة لمباحث المصنفات استديو بالعجوزة وتم ضبط المدير المسؤول بعد التأكد من إنتاج أغان دون ترخيص، نفس الأمر يتكرر في ديسمبر 2025 ضبط استديو في دائرة مصر الجديدة بالقاهرة.
وأخيرا في يناير 2026، تم ضبط مالك استديو بالأهرام بالجيزة يستخدم مصنفات صوتية غير مرخصة واعترف بالنشاط بهدف تحقيق أرباح مالية دون أي تراخيص.
رغم هذه الحملات، أكدت المصادر أن هذه الوقائع تمثل جزءا صغيرا من الظاهرة، حيث يقدر أن عدد الاستديوهات غير المرخصة أكبر بكثير، وغالبا ما تدار من داخل شقق سكنية أو وتستخدم الغرف بتلك الشقق في هذا النشاط مما يصعب حصرها أو مراقبتها إلا عند تقديم بلاغات مباشرة من متضررين.
تجربة على أرض الواقع
من جانبه، كشف الفنان الشاب محمد صبري في أول تجربة له لتسجيل الأغاني عن تفاصيل اختياره للاستديوهات وفهمه لتكلفة الإنتاج الموسيقي.

وقال «صبري»: «البداية غالبا تكون عبر متابعة صفحات الاستديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي وقراءة آراء من تعامل معهم ثم التواصل لمعرفة الأسعار والخدمات».
وأشار إلى أن خيارات التسجيل تشمل التسجيل فقط والتسجيل مع ميكس وماستر أو تسجيل الموسيقى كاملة ولكل خيار سعر مختلف حسب جودة الاستديو والعروض المقدمة.
وأضاف: «بعض الاستديوهات كانت قبل عامين تأخذ 500 جنيه على كل خدمة منفصلة، والبعض الآخر 1000 جنيه، وبعضها أعلى حسب نوع الخدمة ومستوى الاستديو».
وأوضح «صبري»، أن الدفع يتم عادة عند حضور جلسة التسجيل، أما إذا رغب الفنان في شراء الموسيقى فقط دون حضور السيشن فتتم عملية الدفع أونلاين واستلام المزيكا مباشرة.
وعن تجربته الشخصية قال «صبري»: «سجلت أول ميني ألبوم لي قبل عامين وأنتجت فيه حوالي 5 أو 6 أغاني بتكلفة 1000 جنيه لكل أغنية وأحيانا يقدم الاستديو خصومات لكن بعد ذلك لم أتمكن من تسويق جميع الأغاني وبعضها بقي كملفات فقط دون نشر وكل المصاريف كانت من راتبي الشخصي، دون أي دعم خارجي».
وأضاف: «حاليا تواصلت مع استديوهين لتكرار التجربة الأول قال لي تسجيل الأغنية بـ1500 جنيه والمزيكا فقط بـ1000 جنيه والاستديو الآخر قال التسجيل فقط بـ5000 والمزيكا بـ2000 أي ما تصل الأغنية الواحدة إلى نحو 7000 جنيه، بالإضافة لسعر كتابة الأغنية وأغلبنا يكون معه الكلمات جاهزة من تأليفه أو قام بشرائها من خارج الاستديو لكن والاستديو يتولى تجهيز الموسيقى وهندسة الصوت فقط».
رقابة ذاتية
وفي السياق ذاته، كشف مهندس صوت وصاحب استوديو -رفض ذكر اسمه-، عن أن عمله لا يقتصر على التسجيل بل يشمل الرقابة على جودة ومضمون العمل الفني.
وقال: «أنا من الناس التي لم تضع يدها يوما في أغنية تحتوي على شتائم لأننا نراعي جانبين الأول ديني والثاني تأثير الأغنية على الشباب خاصة إذا استمعوا لمحتوى غير لائق».
وأضاف: «الاستوديوهات لها جوانب إيجابية وسلبية السلبية أحيانا أن مهندس الصوت يسمح بأن يخرج العمل بشكل سيء، إذا المهندس قال لا والفنان أصر على كلام غير مناسب فمن حق المهندس رفض العمل معه وده الصح».
واستكمل: «الرقابة الأولية يجب أن تكون في أيدي الفنان والمهندس قبل أي رقابة حكومية زي ما أنت مسؤول عن تربية ابنك، أما الإيجابي وفرت فرص عمل لشباب ومصدر دخل بعيدا عن العمل عند أشخاص».
وحول الشباب الذين يترددون على الاستوديوهات، أشار المهندس إلى أن أغلبهم لديهم طموح وشغف بالغ حتى لو لم تكن لديهم موهبة كبيرة أو صوت مميز: «هو بيسعى لإشباع شغفه».
وعن الأسعار قال المهندس: «لا يوجد استغلال للشباب والأسعار تبدأ من 2000 جنيه، وقد تصل أحيانا إلى 7000 جنيه حسب المعدات والإيجار كل استديو يختلف عن الآخر».
وتابع أن مهندس الصوت أو صاحب الاستوديو لا يقتصر عمله على الأغاني فقط بل يشمل تسجيل الإعلانات والفويس أوفر وأي خدمة إضافية مثل كتابة الكلمات أو إنتاج المزيكا كل خدمة لها سعر منفصل.
وأكد المهندس أن تكلفة المعدات والبرامج مرتفعة جدا، معقبا: «إنشاء استوديو عزل فقط من خشب يكلف نحو 300 ألف جنيه بخلاف المعدات اي أن تكلفة الأستديو المتوسط يكلف 700 ألف جنيه تقريبا، بخلاف البرامج الأصلية وهي بسعر مرتفع جدا لذلك بعض الشباب يلجئون لتجربة الأمور بأنفسهم عبر برامج غير مرخصة والتعلم عن طريق فيديوهات اليوتيوب».
وأكد المهندس على صعوبة الحصول على ترخيص رسمي للاستوديوهات: «التراخيص مكلفة جدا لذا نطالب بتخفيض أسعار التراخيص لتسهيل عمل الشباب بشكل قانوني دون مشاكل».
فوضى الاستديوهات
وفي السياق ذاته، أكد منظم الحفلات والدي جي ميدو جاويش، المسؤول عن إدارة استوديو «حامدين»، أن الالتزام بالترخيص والعمل داخل الإطار القانوني لم يكن يوما عائقا أمام النجاح، بل كان عاملا أساسيا في الاستقرار وبناء اسم فني يحظى بالثقة داخل السوق.

وأشار إلى أن المشكلة الحقيقية تكمن في انتشار الاستديوهات غير المرخصة التي تعمل خارج المنظومة الرسمية وتتعامل مع المجال باعتباره تجربة مؤقتة ما يؤدي إلى حالة من الفوضى على مستوى الأسعار وجودة المحتوى ويترك العملاء في حيرة دائمة بين القيمة والجودة.
وأكد «جاويش» -في تصريحات خاصة لـ«النبأ»- أن الفن لا يمكن التعامل معه كمنتج له سعر ثابت بل كخدمة إبداعية تتحدد قيمتها وفق عدة عوامل من بينها الخبرة والقيمة الفنية والتاريخ المهني ومدى الجهد والوقت المبذول في العمل.
وأضاف أن بعض الأغاني التي تعتمد على لغة الشارع وبها إسفاف قد تعكس واقعا اجتماعيا عاشه المطرب ولا يقصد بها الإسفاف، خاصة مع تحول هذه اللغة إلى جزء من الذوق العام وأثر ذلك على الموسيقى الحالية.
وتابع أن مع ذلك الاستديو الخاص به يضع معايير صارمة لقبول الأعمال، حيث تراجع الكلمات واللحن والأداء الصوتي بدقة ولا يتم قبول أي عمل لا يتوافق مع اسم الاستديو أو سمعته.
وأوضح أنه في بعض الحالات قد يتعاون مع مطربين أو في مشاريع بها إسفاف أو كلام مبتذل لأسباب شخصية أو احتراما للفنان ورفض خسارته ولكن يفضل حينها عدم وضع اسمه أو اسم الاستديو على العمل ما يتيح له المشاركة دون التأثير على هوية الاستديو وسمعته المهنية.
واعتبر «جاويش» أن دور نقابة المهن الموسيقية ورقابة المصنفات الفنية يمثل إضافة حقيقية للسوق حيث يساهم في تنظيم المجال وفلترة المحتوى وليس عائقا أمام الإبداع.
واختتم تصريحاته بالتأكيد على أن الأغاني التي تنتج بمبالغ مثل 7 آلاف جنيه زهيدة ولا تسمح بتقديم عمل فني حقيقي، مشددا على أن الأغنية الجيدة تحتاج إلى وقت وجهد يصل لـ30 يوم عمل، وليس موسيقى جاهزة أو «معلبة» وأن الجودة والاحترافية لا يمكن استبدالهما بالسعر المنخفض.
فن رديء
على الجانب الآخر، قال الناقد الموسيقي أحمد السماحي، إن موضوع استديوهات «بير السلم» شائك جدا ولا علاقة له بالغناء والفن الحقيقي بل عبارة عن أوكار تدار فيها أعمال مخلة بأمانة الكلمة واللحن.

وأضاف «السماحي» -في تصريحات خاصة لـ«النبأ»- أن هذه الأوكار هي ملتقى لمجموعة من معدومي الموهبة وفقيري الموهبة حيث تمارس فيها كل الرذائل المتوقعة وغير المتوقعة.
وفي تجربة شخصية، أوضح «السماحي» أنه حضر تسجيلا مع أحد المطربين الشعبيين المعروفين وكان ذاهب لمقابلة مؤدي شعبي غير معروف من هؤلاء المرتزقة الذين يسلكون الغناء غصبا عن الفن داخل إحدى تلك الاستديوهات.
وتابع: «دخلت الاستديو وشعرت أن شرطة الأداب أو النيابة هتيجي بسبب ما شاهدته، رأيت كمية كبيرة من المخدرات مثل الهيروين والحشيش وبنات بشكل وصوت لا يليق وكل أنواع الموبقات».
واستكمل: «هذه الأوكار كثيرة جدا ولا يمكن أن تقدم فنا جيدا أو ممتعا وكل ما يقدم فيها هو فن رديء».
وأضاف «السماحي»: «أطالب المسؤولين وخاصة شرطة المصنفات الفنية بالتحرك وإغلاق هذه الأوكار فورا لأنها لا تخرج إلا كل ما هو مسيء وهذا هو ما يسمى بالفن الحرام».
وأضاف: «الفن الحقيقي مثل أغاني فيروز وأنغام وإصالة وشرين وهاني شاكر وكاظم الساهر يسعد الناس، أما ما يقدمه هؤلاء المرتزقة فهو يغيب العقل وخطره أعظم من كل أنواع المخدرات وهو الفن الحرام الذي يتكلم عنه المشايخ ويرفضونه».
وتابع: «هذه الأوكار تضر بمهنة الغناء ويستفيد أصحابها من الملايين عبر تصدير هذه الموبقات على مواقع التواصل الاجتماعي، بينما تكلفتها ملاليم ولا يرتادها سوى معدومي الموهبة لأن الغناء فيها يشبه نعيق الحمير».
واختتم «السماحي« تصريحه بالقول: ÷أدعو الجميع للإبلاغ عن هذه الأوكار كل من يعرف مكانا من هذا النوع ليتم اتخاذ الإجراءات القانونية ضده حفاظا على الفن والمجتمع».
موقف نقابة المهن الموسيقية
من جانبه، علق طارق مرتضى، المتحدث باسم نقابة المهن الموسيقية، على أزمة فوضى الاستديوهات غير المرخصة، قائلا: «إحنا بنتعامل مع المصنف ما بنتعاملش مع المصنف اتعمل فين أنا بتعامل مع المنتج».
وأضاف -في تصريحات خاصة لـ«النبأ»-: «المنتج اللي طلع ده يليق أو منتج مفيهوش أخطاء أو تجاوزات أو المغني عضو نقابة أو لا، انت ممكن تعمله في البيت عندك».
وأكد أن النقابة غير مسؤولة عن الاستوديوهات أو نشاطها وأن مسؤوليتها تنحصر فقط في متابعة المصنفات الفنية وضمان خلوها من التجاوزات والأخطاء.