< كمال الحكيم يكتب: عملية سفنكس الأسرار الكاملة لضرب المفاعل النووي العراقي.. الحلقة السادسة
النبأ
رئيس التحرير
خالد مهران

كمال الحكيم يكتب: عملية سفنكس الأسرار الكاملة لضرب المفاعل النووي العراقي.. الحلقة السادسة

كمال الحكيم
كمال الحكيم

بالطبع لم يكن خفيًا عليك وأنت تقرأ أن كلًا من بنيامين، ذلك العالِم، وصديقه استيك هما من رجال الموساد الإسرائيلي، وقد أوقعا حليم في الفخ.

بعد يومين التقى الشركاء الثلاثة في باريس، وكان استيك متحمسًا ومتسرعًا أكثر من جاك دنوفان، والذي فاجأ حليم بطلب رسم للمفاعل العراقي مع بعض التفاصيل عن موقعه ومقدرته وموعد تركيبه بالضبط.

كان مبرر استيك في طلب هذه المعلومات استيضاح خلفية السوق الشرقية ودراسة هذه المعلومات لكي يتعرف الشركاء على الحاجة الفعلية لهذا السوق لتوفير المفاعلات التي ستكون مطلوبة ومواصفاتها.

بالطبع كل ما طلبه استيك من حليم هي معلومات سرية لا يجوز تداولها، وكان هناك جزء كبير من المعلومات لا يمكن نقله شفاهة، بل كان يلزم أن يكون هناك نسخ من الأوراق والرسومات الخاصة بذلك.

إذن فما الحل...؟
دون أن يشعر حليم بأنه أصبح جاسوسًا.

اقترح عليه بنيامين، الشريك الثالث والذي يظهر بمظهر العالم الفيزيائي، استخدام أوراق كربونية مخصوصة يستطيع هو إحضارها من ألمانيا، بحيث يقوم حليم بوضعها على الأوراق والمستندات المطلوب تصويرها، ولكنها لا تطبع ما تم نسخه على صفحاتها، فتبقى الورقة خالية بيضاء دون أي بيانات أو رسومات، ولكن بعد ذلك يتم التظهير عليها بشكل معين فتظهر عليها كافة البيانات التي نُسخت على الورقة.

بعد تدريب حليم على استخدام هذه النوعية من الأوراق جيدًا، تم تدريبه على كيفية إخفائها أيضًا دون أن يتلاحظ لأفراد الأمن في مصنع سرسيلي ذلك أبدًا.

الآن أصبح حليم على درجة كافية من كيفية الحصول على المعلومات، وجاء الوقت لتنفيذ ما تعلمه حتى ينال المقابل النقدي المغري لذلك.

في أول مرة طلب استيك رسمًا هندسيًا للمفاعل العراقي بحجة دراسة الأحجام التي يحتاجها السوق الشرقي في هذا الشأن، وكان حليم يرى منطقية طلب استيك في ذلك حتى يتسنى له ولبنيامين معرفة الأحجام، كما أخبره استيك من جانب، وأقنعه العالم بنيامين من جانب آخر.

استخدم حليم الأوراق التي أحضرها له بنيامين مدعيًا أنها تُصنع في ألمانيا، ولكن بالطبع لم يكن خفيًا عليك أن الأوراق كان يتم إحضارها من الموساد في تل أبيب.

استطاع حليم أن ينسخ الصور والرسومات الهندسية للمفاعل الذي هو تحت الإنشاء دون أن يكتشف أحد ما قام به.

في اللقاء التالي حضر حليم ومعه الأوراق البيضاء التي نُسخت عليها الرسومات التي طلبها بنيامين، واستلمها منه ممتنًا لذلك، وسلمه استيك حقيبة الأموال المتفق عليها، ولكن في اليوم التالي طلب بنيامين من حليم طلبًا آخر، وهو تحديد موقع المفاعل في الأراضي العراقية بحجة دراسة الطبيعة المناخية الملائمة للنوعيات التي يمكن تسويقها.

بذات الطريقة نسخ حليم صور الموقع الجغرافي للمفاعل على الورق الأبيض وقام بتسليمه لبنيامين، وتسلم في ذات الجلسة الحقيبة الثانية من الأموال المتفق عليها نظير هذه الرسومات الجغرافية.

كانت تُرسل الأوراق التي يتسلمها استيك إلى رئيس الخلية في نفس الساعة، والذي يقوم بإرسالها إلى تل أبيب في نفس اليوم.

عاد استيك يطلب من حليم بعض الرسومات الخاصة بتصميم المفاعل والمرتبطة بقدرته، بحجة أنهم يجب أن يعرفوا جيدًا ما هي القدرات المطلوبة في هذا السوق، خاصة أنهم لا يستطيعون توفير كل القدرات.

ببساطة بالغة استجاب حليم مرة أخرى لطلب قدرات المفاعل العراقي، وقام بنقل المعلومات والرسومات إلى استيك، ونال المقابل المالي بكل بساطة.

حتى جاء اليوم الذي طلب فيه استيك من حليم معرفة موعد تركيب المفاعل العراقي بشكل دقيق.

كان هذا الطلب غريبًا وغير مبرر، فما يفيدك يا استيك أنت أو بنيامين من معرفة موعد تركيب المفاعل العراقي وبكل دقة... إن هذا لن يفيدك في عمليات البيع والسمسرة التي كنت تتحدث عنها دائمًا؟؟؟؟؟

هكذا بدأ يحدث حليم نفسه...

لم يتوقف استيك عن الطلبات، ففي كل مرة يأتي حليم بما طُلب منه يجد قائمة جديدة بطلبات جديدة مع حقيبة أموال في كل مرة تكون جاهزة في يد استيك يقوم بتسليمها إلى حليم.

كثرة الطلبات ودقة التفاصيل المطلوبة، والأموال المبالغ فيها بعض الشيء التي يتقاضاها مقابل ما يقدمه من معلومات، جعلت حليم يستشعر بشيء مريب، وبدأت تدور في رأسه الشكوك، وغلبه الإحساس بأنه أصبح جاسوسًا وتورط في ذلك، وبدأ الخوف من انكشاف أمره يقلقه ويمنع النوم من زيارة جفونه ليلًا.

لم يكن حليم ليخبر أحدًا بتفاصيل صفقاته مع استيك مطلقًا، حتى زوجته لم تكن على علم بأي شيء، ولكن الآن يستشعر أنه قد وقع في الشرك.

إنه يشعر بأنه أصبح جاسوسًا لجهة ما.

كل ما فكر فيه حليم هو أن يلجأ إلى صديقه القديم جاك دنوفان... إنه يظن أنه المنقذ له فيما هو فيه.

اتصل حليم بجاك مستنجدًا إياه صارخًا:
"عليك أن تساعدني يا صديقي".
إنك رجل أعمال ولك اتصالات بأصحاب المناصب.
جاك، عندي مشكلة كبيرة ولا أستطيع إخبارك بها تليفونيًا.
إنني في ورطة يا صديقي وأحتاج إليك (لهذا السبب هم الأصحاب).

تلقى جاك المكالمة بهدوء وطمأنه بشكل عام، وأخبره أنه الآن في لندن، وسيكون موجودًا خلال يومين على الأكثر، وبمجرد أن يعود سيلتقياه في جناحه الخاص في فندق السوفتيل.

انتظر حليم عودة جاك على أحر من الجمر، ظنًا منه أنه سيقابل المنقذ والمخلص.

التقى جاك بعد يومين بحليم في الجناح الخاص، ولم يتوانَ حليم للحظة أن يصب كامل التفاصيل وأدقها إلى جاك.

لقد خُدعت يا صديقي... لقد تم الاتفاق مع الشركة الألمانية في أمستردام، وحكى التفاصيل... أنا آسف يا جاك، كنت دومًا أنت الصديق الجيد... لقد دفعني الجشع إلى ما فعلت... إنها زوجتي، لطالما كانت دائمًا تدفعني من أجل الحصول على المزيد من المال لأحسن وضعي... رأيت الأمل ولم أفكر... لقد كنت أنانيًا بحماقة... أرجوك سامحني، أنا بحاجة إلى مساعدتك.

كان جاك دائمًا رجلًا شهمًا مع حليم، استمع إليه دون أن يبدو عليه أي غضب لما قال حليم، ولكن كان كل ما يشغله كيف يساعد صديقه الذي لجأ إليه.

حليم، يبدو بالفعل أنك في ورطة كبيرة، ولا أُخفي عليك أنا أشعر من حديثك أن هؤلاء الألمان تابعون للـCIA.

انتبه حليم لما يقوله جاك فزعًا:
لقد أعطيتهم كل ما يريدون... ولكنهم ما زالوا يسألون عن المزيد.

نظر له جاك وقال:
دعني أفكر في الأمر.
لكن عليك أن تتأكد أنك لست وحدك من أغرته الأموال.
أظن أنني أعرف من سيجد لنا طريقة لحل هذه الورطة، ولا أعتقد أن الأمر بهذا السوء يا صديقي.

ارتَح قليلًا واستمتع بوقتك.

في ذات الليلة التقى حليم وجاك في الفندق وجلسا سويًا يتناقشان، وبعدها أحضر جاك مومسًا فرنسية لحليم، وأكد له أنها ستريح أعصابه هذه الليلة.

في ذات اليوم، وبعد اللقاء الأول بين حليم وجاك، أرسل جاك تقريرًا إلى تل أبيب بما حدث، وكانت المفاجأة أن الموساد لم يرصد أي تصرف لحليم من خلال الخلية الفرنسية تشير إلى أنه وصل إلى مرحلة الريبة والشك في الأمر بهذا الشكل.

كان الرد بعد مناقشات في تل أبيب، والذي أُرسل إلى جاك، أنه يجب عليه احتواء حليم تمامًا وإبلاغه أن جاك استطاع الوصول لمعرفة حقيقة الأمر.

عاد حليم لمقابلة جاك، الذي أخبره بكل ثقة أنه تأكد من خلال علاقاته أن هؤلاء الألمان تابعون فعلًا للـCIA، وأن العملية برمتها تابعة لها.

انتفض حليم.
اصفر وجهه.
جفت الدماء في عروقه.

نظر إلى جاك نظرة توسل وقال:
سوف يشنقونني... سوف يشنقونني.

اهدأ يا صديقي، أنا أستطيع أن أؤكد لك أنه لن يحدث ذلك.
إن الأمور ليست بهذه الدرجة من السوء.
صدقني، لن يدري أحد.
كل ما هنالك أنهم يحتاجون منك بعض المعلومات فقط، وبعدها سيتركونك.

نظر له حليم متعجبًا:
ماذا!!!!
ماذا يمكنني أن آتي به لهم أكثر من ذلك؟

نظر له جاك وهو يسحب ورقة من جيبه وهو يقول:
آه... نعم هذه.
هم فقط يريدون أن يعرفوا كيف سيتصرف العراق عندما تُعرض عليه فرنسا بدلًا من المواد النفيسة ما يُسمى بالكراميل.
قل لهم هذا، وهم لن يزعجوك بعد اليوم.
فهم لا يريدون قتلك،
إنما المعلومات فقط.