< هشام عز العرب يكتب مقال هام عن كيفية تحصين النظام المصرفي
النبأ
رئيس التحرير
خالد مهران

هشام عز العرب يكتب مقال هام عن كيفية تحصين النظام المصرفي

المصرفي الكبير هشام
المصرفي الكبير هشام عز العرب

• إن قدرة أي دولة على الصمود لا تنفصل عن قدرة نظامها المصرفي على الصمود.

• لذلك، فإن تحصين النظام المصرفي ضد الصدمات يُعد ضرورة حتمية.

• وعند دمجه بالتحول الرقمي، يصبح التمويل المستدام درعًا قويًا. 

نشر اليوم موقع  World economic  forum مقالًا للمصرفي الكبير هشام عز العرب رئيس مجلس إدارة البنك التجاري الدولي CIB، ليتحدث عن أهمية تحصين الأنظمة المصرفية ضد الصدمات، ودور التحول الرقمي والتمويل المستدام في بناء قطاع مالي أكثر مرونة وقدرة على دعم النمو الاقتصادي طويل الأجل في ظل التحولات وتزايد حدة التقلبات الاقتصادية والسياسية، والتي جعلت مسألة الصمود والقدرة على مواجهة الأزمات أولوية قصوى للدول والمؤسسات على حد سواء، ومع تداخل التحديات الجيوسياسية، والاضطرابات المالية، والتطورات التكنولوجية المتسارعة، يبرز النظام المصرفي باعتباره أحد أهم ركائز الاستقرار الاقتصادي. 

وقال المصرفي الكبير هشام عز العرب في مقاله الآتي: 

 في عالم اليوم، أصبحت التقلبات العالمية هي الثابت الجديد. فالتوترات الجيوسياسية، وتغيّر التحالفات، واضطرابات سلاسل الإمداد، وعدم الاستقرار المالي، تمارس ضغوطًا مستمرة على اقتصادات الدول على اختلاف أحجامها. وفي الوقت نفسه، تسهم التطورات التكنولوجية في تعزيز الإنتاجية، وإعادة تشكيل توقعات العملاء، وإعادة تعريف كيفية خلق القيمة.

وفي ظل هذا المشهد من عدم اليقين والتحول، تبرز حقيقة واحدة: إن قدرة أي دولة على الصمود لا تنفصل عن قدرة نظامها المصرفي على الصمود. إن الصمود اليوم يتطلب بنية جديدة: القدرة على تحصين القطاع المالي ضد الصدمات. 

البنوك ليست مجرد وسطاء؛ بل هي الجهاز الدوري لأي اقتصاد. فهي تدعم النمو، وتمكّن الاستثمار، وتغذي القطاع الخاص، وتوفر بشكل متزايد بنية تحتية رقمية تربط المستهلكين والشركات بالنظام المالي الأوسع.

وعندما تتعثر البنوك، تتزعزع الاقتصادات؛ وعندما تتكيف البنوك وتبتكر، تصبح ركائز للاستقرار الوطني. ومن ثم، فإن تحصين النظام المصرفي ضد الصدمات ليس مجرد خيار حصيف، بل ضرورة لا غنى عنها.

معادلة جديدة للصمود: التكنولوجيا والتمويل المستدام

 جلب التحول الرقمي السرعة والشفافية ومكاسب هائلة في الكفاءة إلى الخدمات المالية. فالقدرة على معالجة المدفوعات في الوقت الفعلي، وتوفير إجراءات انضمام سلسة، وأتمتة إدارة المخاطر، ونشر حلول قائمة على البيانات، قد حسّنت بشكل كبير تجربة العملاء والمرونة التشغيلية. غير أن التحول التكنولوجي وحده غير كافٍ.

ولحماية الاقتصادات فعليًا من الصدمات الخارجية، يجب دمج التحول الرقمي بالتمويل المستدام. ويعني ذلك إدماج معايير الاستدامة في كل منتج رقمي، وكل شراكة، وكل معاملة، وكل قرار ابتكاري.

يضمن التمويل المستدام توجيه تخصيص رأس المال لدعم النمو الشامل، والمسؤولية البيئية، والتقدم الاجتماعي. وعندما يقترن بالتحول الرقمي، فإنه يخلق نموذجًا تتحرك فيه البنوك بسرعة أكبر، ولكن في الاتجاه الصحيح أيضًا. ويعزز هذا التكامل قوة الميزانيات العمومية، ويحسن ملفات المخاطر، ويوسع نطاق الشمول المالي، ويخلق قيمة اقتصادية طويلة الأجل.

تحصين البنوك الفردية ضد الصدمات

في حين أن الحجة على المستوى الكلي قوية، فإن الحاجة إلى التحصين ضد الصدمات لا تقل إلحاحًا على المستوى المؤسسي. وبالنسبة للبنوك العاملة في الأسواق الناشئة، حيث يُعد التقلب جزءًا من البيئة، يجب تصميم الصمود عمدًا ضمن نموذج التشغيل. ويشمل ذلك أربعة عناصر أساسية:

1. المرونة الاستراتيجية: القدرة على الاستجابة للاضطرابات الاقتصادية في الوقت الفعلي، وإعادة تخصيص الموارد حسب الحاجة، وتكييف استراتيجيات الائتمان والسيولة ورأس المال.2. النطاق التكنولوجي: الاستفادة من القدرات الرقمية لتنويع مصادر الدخل، وخفض تكلفة خدمة العملاء، وبناء أدوات قوية لإدارة المخاطر.3. حوكمة قائمة على الاستدامة: ضمان أن تأخذ عملية اتخاذ القرار في الاعتبار الأثر المجتمعي طويل الأجل، والمتطلبات التنظيمية، وثقة أصحاب المصلحة.4. تنمية رأس المال البشري: تمكين الفرق بالمهارات والثقافة وأنماط القيادة التي تعزز التنفيذ والابتكار والصمود. 

فالبنك الذي يتقن هذه الأبعاد لن يكتفي بالنجاة من الصدمات، بل سينمو من خلالها.

 

تجربة CIB: دراسة حالة في تحصين البنوك ضد الصدمات

في مصر وفي أنحاء المنطقة، تُعد الحاجة إلى الصمود محسوسة بعمق. ففي البنك التجاري الدولي (CIB)، نعمل على بناء هذه القدرة منذ عقود. واليوم، ونحن نبني بنكنا الرقمي، تُدمج الاستدامة في جميع منتجاتنا وعملياتنا وأطر المخاطر وشراكاتنا. وهدفنا واضح: خلق قيمة لعملائنا، وفي الوقت نفسه تعزيز قوة الاقتصاد المصري. 

لقد شكّل هذا النهج طويل الأمد الحمض النووي للبنك. ففي عامي 2003-2004، كنتُ جزءًا من فريق صغير عمل عن كثب مع البنك المركزي المصري لبناء سوق فعّال وسائل قادر على امتصاص الصدمات النظامية. وقد أثمرت هذه الجهود: فعندما اندلعت الأزمة المالية العالمية في 2008، ظل القطاع المصرفي المصري مستقرًا. وفي السنوات التي تلت ذلك، اجتاز القطاع ثورتين، وعدة تعديلات في أسعار الصرف، وجائحة كوفيد-19، وسلسلة من الصدمات الخارجية. 

لم يكن هذا الصمود محض صدفة، بل كان نتيجة هندسة واعية قائمة على الانضباط، واستشراف المستقبل، والحوكمة القوية.

التحول من أجل المستقبل: التوسع الرقمي والنمو المرتكز على العميل

 ترتكز قصة تحول CIB على فهم ديناميكيات السوق المتغيرة واستباق احتياجات العملاء. وقد ركزت استراتيجيتنا باستمرار على تسخير قوة التكنولوجيا لتوسيع النشاط التجاري، وتعميق علاقات العملاء، وتعزيز الأداء التشغيلي. 

وقد مكّننا ذلك من تحقيق نمو مرن، والتفوق على نظرائنا في الأسواق الناشئة، وترسيخ سمعة قائمة على الموثوقية والابتكار. وفي الوقت نفسه، يضمن التزامنا بالتمويل المسؤول أن يعود نجاحنا بالنفع على المجتمعات التي نخدمها. ومع توسعنا في إفريقيا جنوب الصحراء، نحمل هذه المسؤولية عبر الحدود. لم نعد مجرد مصرفيين وطنيين، بل أصبحنا مواطنين إقليميين وعالميين نُسهم في الاستقرار المالي والتنمية المستدامة.

لماذا يحدد التمويل المستدام مستقبل الغد

يُعد التمويل المستدام حجر الزاوية في الصمود طويل الأجل. فهو يحدد ما إذا كان الاقتصاد قادرًا على تحمل الصدمة القادمة – سواء كانت جيوسياسية، أو اقتصادية، أو صحية، أو بيئية. ومن خلال توجيه رأس المال نحو استثمارات مسؤولة، يبني التمويل المستدام مجتمعات أقوى، ويعزز الإنتاجية، ويحسن القدرة التنافسية الوطنية.

وعند دمجه بالتحول الرقمي، يصبح التمويل المستدام درعًا قويًا. قد تأتي الصدمة، لكن أثرها يُمتص ويُخفف، ثم يتحول في نهاية المطاف إلى فرصة.

وهذا تحديدًا ما تحتاجه إفريقيا والمنطقة أكثر من أي وقت مضى: نمو متين، وشامل، ومدعوم بالتكنولوجيا، قادر على الصمود أمام تقلبات عصرنا. إن التحصين ضد الصدمات ليس استراتيجية دفاعية، بل استثمار في المستقبل؛ والتزام ببناء أنظمة ومؤسسات واقتصادات لا تكتفي بالنجاة من الصدمات، بل تخرج منها أقوى.