< تحذيرات خطيرة.. زيادة أسعار المستشفيات النفسية 900% تهدد بارتفاع معدلات الإدمان والانتحار
النبأ
رئيس التحرير
خالد مهران

تحذيرات خطيرة.. زيادة أسعار المستشفيات النفسية 900% تهدد بارتفاع معدلات الإدمان والانتحار

علاج الإدمان
علاج الإدمان

وزارة الصحة: الزيادات تطبق على القسم الاقتصادى فقط ولا تشمل غير القادرين والمؤمن عليهم

طبيب نفسى: القرار يتسبب فى زيادة أعداد المنتحرين.. والزيادة كارثية

مها عبدالناصر: القرار غير مسؤول ويضاعف معاناة المرضى وأسرهم

 

بدأت وزارة الصحة والسكان، مطلع الشهر الجاري، تنفيذ القرار الوزاري رقم 220 لسنة 2025، والذي يقضي برفع أسعار الخدمات الطبية بمستشفيات الصحة النفسية ومراكز علاج الإدمان الحكومية التابعة للأمانة العامة للصحة النفسية.

وأثار القرار الذي دخل حيز التنفيذ فور صدوره، موجة من الجدل والانتقادات في الأوساط النيابية والطبية والمجتمعية.

تفاصيل القرار

وبحسب اللائحة المرفقة بالقرار، ارتفعت رسوم الإقامة اليومية لتتراوح بين 150 و550 جنيهًا حسب الدرجة، فيما زادت أسعار الجلسات النفسية وجلسات التخاطب إلى 40–50 جنيهًا، ورسوم إصدار الشهادات والتقارير الطبية إلى 100 جنيه بعد أن كانت 30 جنيهًا.

كما ارتفعت تكلفة الفحوصات الطبية الأساسية مثل تحاليل وظائف الكبد والكلى، والسكر، وصورة الدم الكاملة، من نحو 130 جنيهًا إلى 400 جنيه، ووصلت رسوم جلسة العلاج الكهربائي إلى 400 جنيه.

مبررات الوزارة

من جانبها، أكدت وزارة الصحة أن الزيادات تطبق على «القسم الاقتصادي» فقط، ولا تشمل المرضى غير القادرين أو المؤمن عليهم، مشيرة إلى أن 70% من المرضى يتلقون العلاج مجانًا أو عبر التأمين الصحي أو «العلاج على نفقة الدولة».

وأوضحت أن الهدف من القرار هو تحسين جودة الخدمة وتطوير البنية التحتية للمستشفيات والمراكز.

ولم يفلح البيان السابق في احتواء حالة الغضب، فقد أثارت اللائحة الجديدة اعتراضات نيابية عدة وعدد من الشخصيات العامة لا سيما أن الاسعار وصلت لمستويات غير مسبوقة حتى وإن كانت للقسم الاقتصادي.

وتقدم النائب فريدي البياضي، عضو مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، بسؤال عاجل إلى وزير الصحة والسكان، بشأن الآثار الكارثية للائحة المالية الجديدة لمستشفيات الصحة النفسية، والتي وصفها بأنها تمثل امتدادًا خطيرًا لتخلي الدولة عن مسؤولياتها الدستورية تجاه الفئات الأكثر ضعفًا في المجتمع.

وأشار النائب إلى أن اللائحة الجديدة، التي بدأ العمل بها هذا الأسبوع، ترفع تكلفة إقامة المريض المحتجز من 150 جنيهًا إلى 550 جنيهًا يوميًا، دون أن تشمل هذه التكلفة أي خدمات طبية، في خطوة تثير تساؤلات دستورية وإنسانية خطيرة.

وأضاف «البياضي» أن «اللائحة السابقة كانت تنص على تخصيص 60% من أسرة المستشفيات الحكومية للعلاج المجاني، قبل أن تُخفض إلى 25%، واليوم يبدو أن وزارة الصحة قررت إلغاء النسبة بالكامل في مستشفيات الصحة النفسية، دون إعلان أو شفافية».

معاناة المرضى

من جانبها، قالت النائبة مها عبد الناصر، عضو مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، إن قرار وزارة الصحة والسكان رقم 220 لسنة 2025 بزيادة أسعار الخدمات الطبية في مستشفيات الصحة النفسية ومراكز علاج الإدمان بنسبة تصل إلى 900%، «غير مسؤول ويُضاعف معاناة المرضى وأسرهم في وقت لا يحتمل فيه المواطنون مزيدًا من الأعباء».

وأضافت «عبد الناصر»: «بموجب القرار الجديد، ارتفعت أسعار العلاج في مستشفيات الصحة النفسية لتتراوح بين 150 إلى 550 جنيهًا في اليوم، أي ما يقرب من 4500 - 16500 جنية شهريًا، بالإضافة إلى تكاليف الكشف الطبي التي وصلت إلى 200 جنيه في بعض الحالات، حيث إن هذه الزيادة لا تشمل سوى الإقامة، بينما تظل الخدمات الطبية والعلاجية في غاية الارتفاع».

وحذرت من عزوف المرضى عن تلقي العلاج، وتساءلت: «كيف لأسر فقيرة بالكاد تجد قوت يومها أن تتحمل هذا العبء المالي؟».

ولفتت إلى أن هذه الزيادة ستدفع المرضى للتخلي عن العلاج، وهو ما سيؤدي إلى زيادة معدلات الإدمان بشكل غير مسبوق، كما حذرت من ارتفاع معدلات الانتحار في ظل عدم قدرة المرضى النفسيين على تحمل هذه التكاليف.

قرارات مخالفة للدستور

بدورها قالت النائبة هناء أنيس رزق الله، عضو لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب، إن هذه الزيادة التي بدأت الوزارة تنفيذها مؤخرًا أثارت موجة من التساؤلات الدستورية والإنسانية، لا سيما أنها لا تتضمن تقديم أي خدمات طبية ضمن التكلفة الجديدة، مما يضع عبئًا ماليًا ثقيلًا على أسر المرضى.

وأكدت عضو لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب، أن هذه الخطوة تتعارض مع حق العلاج المجاني الذي نص عليه الدستور في المادة 18، مشيرة إلى أن اللائحة السابقة كانت تضمن تخصيص نسبة 60% من أسرة المستشفيات الحكومية للعلاج المجاني، والتي تم تقليلها لاحقًا إلى 25%، أما اليوم فتشير المؤشرات إلى إلغاء هذه النسبة تمامًا في مستشفيات الصحة النفسية.

ولفتت عضو أمانة المرأة المركزية بحزب الشعب الجمهوري، إلى أن هذا الإجراء يفتقر إلى الشفافية والإعلان المسبق، مما يزيد من القلق حول دوافع القرار وآثاره على الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع.

وأضافت أن هذه الخطوة تمثل حلقة جديدة في مسلسل تحميل المواطن أعباء انهيار الخدمات العامة، خاصة في قطاع الصحة النفسية الذي يجب أن يُعامل كمسؤولية مجتمعية ودستورية، لا كرفاهية يمكن التضحية بها.

وناشدت «رزق الله» وزارة الصحة مراجعة قرارها والتراجع عن تطبيق الزيادة على حالات الحجز الإجباري على الأقل، مع التأكيد على ضرورة حماية حق العلاج المجاني الذي يكفله الدستور.

وطالبت النائبة هناء أنيس رزق الله،  وزير الصحة  بتوضيح الأساس الذي اعتمدت عليه الوزارة في إصدار اللائحة المالية الجديدة لمستشفيات الصحة النفسية، مؤكدة أهمية الشفافية والإعلان الواضح لتفاصيل هذه القرارات التي تؤثر بشكل مباشر على حياة المواطنين.

وشددت على ضرورة إعلان موقف الوزارة من حق العلاج المجاني، خصوصًا في المستشفيات النفسية، وضرورة ضمان توفير الرعاية الطبية لكل مريض، دون تحميل أسرهم أعباء مالية تفوق طاقاتهم.

وأكدت أن المراجعة الفورية لهذه اللائحة ضرورية للحفاظ على حقوق المواطنين والدفاع عن مبدأ العدالة الصحية في مصر.

في السياق ذاته، طالبت حملة «مصيرنا واحد»، وزارة الصحة والسكان، بضرورة كشف حقيقة القرار رقم 220 لسنة 2025 والخاص، بإصدار لائحة مالية وإدارية لصندوق تحسين الخدمة بمستشفيات الصحة النفسية، ومراكز علاج الإدمان التابعة للأمانة العامة للصحة النفسية، ومرفق بالقرار الوزاري قوائم أسعار للخدمات العلاجية التي تقدمها مستشفيات الصحة النفسية وعلاج الإدمان.

وتضمنت قوائم الأسعار تكلفة الإقامة فقط للمريض لليوم الواحد بدء من 150 جنيهًا للدرجة الثالثة و180 جنيهًا للثانية و300 جنيه للأولى و380 جنيها للأولى الممتازة، بينما كانت الإقامة بالجناح تكلفتها 550 جنيهًا يوميا، ذلك بخلاف تكاليف الخدمات العلاجية من أدوية وفحوصات طبية منها التحاليل الروتينية، حيث تخطت تكاليف وظائف الكلي والكبد والسكر وصورة الدم 400 جنيه، فضلًا عن جلسات العلاج الكهربائي التي وصل سعر الجلسة الواحدة 400 جنيه.

كما تضمنت قوائم الأسعار خدمات العيادات الخارجية بمستشفيات الصحة النفسية الحكومية، مثل اختبار الذكاء بتكلفة 150 جنيهًا وجلسة الرعاية النهارية للأطفال والمراهقين بسعر 45 جنيهًا، بينما كانت الاستشارة النفسية على المنصة الإلكترونية سعرها 50 جنيهًا.

وأشارت الحملة فى بيان لها، إلى أن نتائج الأبحاث القومية التي أجرتها الأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان وخلصت إلى تخطي نسبة الإدمان في مصر 3% من سكانها.

وأظهرت النتائج أن 25% من السكان يعانون من أعراض نفسية، كما تستعرض تصريحات الحكومة بتنفيذ توجيهات رئيس الجمهورية بالاهتمام بقطاع الصحة النفسية وعلاج الإدمان.

وأوضحت أنه إذا صح هذا القرار، فإن الحملة تؤكد أنه كارثة محققة لقطاع عريض من المرضى لهم احتياجات وظروف خاصة، وأضرار هذه الكارثة ستنعكس على المجتمع المصري بجميع فئاته.

وطالبت الحملة، وزارة الصحة باستدراك ومنع هذه الكارثة وإلغاء تطبيق هذا القرار الوزاري المشار إليه، مؤكدة رفضها تخلي وزارة الصحة والسكان عن مسؤوليتها نحو حقوق العاملين في أجور وبيئة مناسبة وتدريب وتعليم مهني، وتستنكر محاولات تحقيق بعض هذه الحقوق بتحميل المريض أعباء مالية مجحفة نظير حقه في العلاج.

من ناحيته، قال الدكتور فادي صفوت، طبيب الأمراض النفسية، أن هذه الزيادة تعد كارثة، لما يترتب عليها من أزمات اجتماعية خطيرة أبرزها زيادة أعداد المنتحرين.

وأضاف: «شهادة من واقع عملي في مستشفى العباسية على مدار 10 أعوام، شاهدت خلالها حالات إنسانية صعبة جدًا، لا يمكن نسيانها».

وتابع: «أذكر حين تم رفع ثمن تذكرة المترو إلى خمسة جنيهات، لم يتمكن كثير من الأهالي من الحضور إلى العيادة، رغم أن رسوم الكشف ما تزال جنيهًا واحدًا فقط، هذا هو مستوى الفقر الذي تعاني منه الأسر التي ترعى مرضى نفسيين في مصر».

واستكمل: «ومع مرور الزمن والتغيرات الاقتصادية، تغيرت طبيعة المترددين على العيادات الخارجية، فصار من بينهم طلاب جامعيون وأفراد من الطبقة المتوسطة».

واستطرد: «وذلك يرجع إلى أمرين وهما حملات التوعية، وارتفاع أسعار العلاج النفسي في العيادات الخاصة».

وأضاف: «لكن الأسوأ كان نقص الأدوية الحاد، حتى أن مريضًا نفسيًا قد يأتي إلى المستشفى ولا يجد دواءً مضادًا للذهان واحدًا متاحًا في بعض الأيام!، ورغم كل ذلك، الناس تستمر في الحضور، لأنه لا يوجد بديل».

وواصل: «أما اليوم، فالكارثة أكبر، مع قرار رفع أسعار الخدمات في مستشفى العباسية بشكل جنوني، أصبحت التذكرة بـ10 جنيهات، وهذا أهون ما في الأمر، خصوصًا أنه لا يوجد ضمان أساسًا بوجود الدواء؛ لكن الطامة الكبرى هي أن أسعار الحجز وصلت إلى مستويات المستشفيات الخاصة، بعد أن كانت هناك أماكن مجانية للمعدمين، وأقسام اقتصادية بـ3000 جنيه شهريًا، وأصبح السعر اليوم يبدأ من 5400 ويصل إلى 18000 جنيه شهريًا».

وأشار إلى أن هذا القرار يتعارض بوضوح مع نص هيكل مستشفيات الأمانة العامة، والذي ينص على أن «يجب تخصيص ما لا يقل عن 60% من الأسرة للعلاج المجاني، دون تحمل أي رسوم من المرضى أو أسرهم».

ولفت إلى النتائج المتوقعة واضحة، والتى تتمثل في ارتفاع عدد المنتحرين، وزيادة الضغط على أقسام الطوارئ، وتحميل الشرطة عبئًا إضافيًا، وارتفاع عدد السجناء من المرضى النفسيين، علاوة على تزايد عدد المرضى في الشوارع، وارتفاع معدلات الجريمة، والتسبب في خسائر اقتصادية فادحة، وانهيار مستقبل العديد من الأسر.

وكشف أن نسبة مرضى الفصام عالميًا هي 1% من السكان، ومصر بها أكثر من 100 مليون نسمة، بخلاف ملايين اللاجئين، معقبا: «يعني لدينا ما لا يقل عن مليون مريض فصام، هذا غير مرضى الاضطرابات الأخرى والإدمان، هل من رجل رشيد يُبصر ويتحرك قبل أن تقع الكارثة؟».