ads

جدّات آخر زمن

نيفين مسعد
نيفين مسعد
نيفين مسعد


لم يسعدني الحظ بأن أرى جدّتي لأمي فقد توفيت رحمها الله وهي في ريعان شبابها، لكني ما زلت أحتفظ في ذهني بصورة جدّتي لأبي. امرأة قوية الشكيمة لا يغلبها أحد، لها جيش من الأولاد والبنات غير من توفي منهم ببعض الأمراض التي كانت تعاني منها مصر في النصف الأول من القرن الماضي. تضع فوق عينيها نظارة طبية سميكة وترتدي ثوبا أسود يرتفع عن الأرض بعدة سنتيمترات، تغطي رأسها بطرحة شيفون سوداء وتتأبط حقيبة جلدية ضخمة. في الواقع كان هذا هو مظهر الكثير من نساء الطبقة الوسطى اللائي ينحدرن من أصول ريفية، فقد كانت لهن طريقة مصرية خاصة في الاحتشام لا هي خليجية ولا هي أفغانية. أما نساء الطبقة الوسطي من القاهريات فكن يضعن على رؤوسهن قبعة، وفي هذا الباب كان يوجد إبداع كثير.
***
أذكر جدتي وهي تجلس متربعة على الكنبة الجوبلان في صالة البيت، تُدّخن السجائر الملفوفة في ورق البفرة وتدردش مع ابنها البيه في شؤون العائلة، كانت تكبره بأحد عشر عاما، هكذا كانوا يقولون لنا ويتفاخرون بأن جدتي في يوم عرسها كانت تلهو مع قريناتها فوق كوم من القش. في الظاهر كان يبدو من نقاش الجدة مع ابنها أنها تشاوره في الأمر باعتباره الابن البكري وأول فرحتها، أما في الواقع فإنها كانت هي الآمرة الناهية، وكان هو يعرف ذلك. صورتها في ذهني، صورة امرأة مكتنزة، يخلو فكّاها من الأسنان فإن هي ضحكت حملتك ضحكتها المحببة على الابتسام حملاَ، ثم إن الفكّين الأملسين كانت لهما ميزة أخرى، فما أكثر ما منحاها حجة معقولة للاعتذار عن الطعام الذي لا تريده باعتباره بالنسبة لها طعاما "صعب المضغ" ، ومتى حدث ذلك كانت أمي تفهم الرسالة وتدع الأمور تمر. امرأة يخشاها الجميع ومنهم أبي، وتسربت هذه الخشية إلى نفوسنا نحن الأحفاد فكنّا نحبها كثيرا ونترقب زيارتها من وقت لآخر لكننا كنا نحتفظ معها بمسافة لا نتجاوزها أبدا. لم تكن تعرض علينا أن تلاعبنا وكانت هداياها لنا نقودا وليس لعبا فنشأنا نعرف أن الجدّات لا يلاعبن أحفادهن، وإن سمعنا أنهن أحيانا ما يحكين حواديت مسلية.

***
الآن اختلف الوضع كثيرا، فمع أن سن زواج النساء تقدم إلى نهاية العشرينيات وربما نهاية الثلاثينيات، وبالتالي أصبح يفصل الجدّات عن أبنائهن وأحفادهن عدد معتبر من السنين إلا أن المسافة الإنسانية اقتربت كثيرا بين الجدّات والأحفاد. يندر أن أَجِد في جيلي من يناديها أحفادها ب "تيتا" فأسماؤنا تُنطق مجردة، وفي معظم الأحيان يدللنا الأحفاد بألقاب من نحتهم نذوب فيها عشقا. نلاعبهم كثيرا ونحسن الاختفاء منهم ونتفنن في البحث عن أماكن لا يصل إليها الجن الأزرق في لعبة "الاستغماية " وقد صار اسمها " hide and seek “ . نعطيهم الورق والألوان نظير قبلة وننتظر رسومات يقولون إنها لنا، وهي في الحقيقة تعبر عن مشاعرهم تجاهنا أكثر مما تصوّر عيوننا وأنوفنا وآذاننا. نشعرهم بأنهم أهّم من في الكون ويردون إلينا براءتنا. هذا التغير في واقع الأمر هو جزء من تغير أكبر طال العلاقات الأسرية عموما، انكسرت الهيبة التي كانت تخلق حاجزا في علاقة الأبوين بالأبناء والأجداد بالأحفاد، هل هذه ظاهرة جيدة أم سيئة ؟ فيها من هذا وذاك، أغامر بالقول إن المجال الوحيد الذي طالته الديمقراطية هو مجال العلاقات الأسرية، لم يعد مسموحا للأهل بتحديد التخصص الدراسي أو نوع الأصدقاء أو زوج المستقبل كما كان يحدث أيام زمان، صار التمرد أسلوب حياة. تنتصر الدموع التي يذرفها الصغار وهم يتمردون على الثياب الثقيلة في عز طوبة، تنتصر على تحذيرات الكبار وليكن بعد ذلك ما يكون: نوبة برد سخيفة أو نزلة شعبية لا قُدّر الله، إنها القوة الناعمة التي يتكلمون عنها.

***
لم تعد جدّات اليوم مثل جدّات زمان، هذا ليس اكتشافا عظيما بل ولا هو حتى مجرد اكتشاف ، لكن الأمر حين يوضع في إطار جماعي يتجسد أكثر. شاءت الظروف أن أذهب مع حفيدتي إلى مدرستها بمناسبة "يوم الأجداد والجدّات". في هذا اليوم يتجول الأجداد والجدّات في الفناء والحديقة والفصول، يلتقون المدرسين ويتعرفون على الجانب المخفي من يوم الصغار. لا وجه للمقارنة بين هؤلاء الجدّات وبين جدّتي لأبي، آثار الچيم تظهر جلية على الأقوام الممشوقة، الألوان الزاهية للملابس تشيع جوا من البهجة في المكان، البالونات المطلة من الحقائب تلامس تلك المثبتة على الجدران، وحين يظهر المفاعيص الصغار ليقدموا عروضهم الغنائية تتناثر قلوب الجدّات على المسرح من الزاوية إلى الزاوية. لم نعد نشبه جدّاتنا في هيئتنا ومظهرنا وصرنا نعبر حاجز الستين والسبعين كما نعبر الطريق الخالية، أما أهم شيء فهو أننا صرنا نرى أحفادنا أكثر ممن سبقونا، والرؤية هنا بمعنى الإدراك والاهتمام لا بمعنى النظر والإبصار ، فخاطر الأحفاد له حساب ورغبتهم لها احترام وحبل التفاهم مرخيّ على غاربه. تخلينا عن حالة الاستعلاء على الصغار ودخلنا إلى عالمهم، فلما دخلنا إلى عالمهم كان علينا أن نفعل مثلهم ونقلّد لبسهم ونمتثل لقواعدهم ونقدم نموذجا مختلفا عن جدّاتنا السابقات .

جدّات آخر زمن هن حقا جدّات آخر لطافة.

نقلا عن "الشروق"