ads

«متاتيا».. أيقونة مهندس إيطالى ابتلعها «نفق الأزهر»

النبأ
دسوقى البغدادي


كان لـ«مقهى متاتيا» قيمة تاريخية، فمنه بدأ التحضير للثورة العرابية، وانطلقت منه دعوات الفكر والتنوير لم يكن مقهى متاتيا مجرد مكان للتسلية وتناول المشروبات، بل مكان يجتمع فيه المفكرون والأدباء مع الناس فيوحد أفكارهم ونضالهم، تلك هى أهمية المكان الذي كان يضم كل فئات المجتمع.


اختلفت المصادر حول العام الذى بنيت فيه عمارة ”متاتيا” الشهيرة التى حملت اسم المهندس الإيطالى والتى حملت أيضا اسم المقهى الشهير فبين أعوام (1870 و1875 و1877) أنشأ المهندس سالف الذكر عمارة شامخة فى القلب من ميدان العتبة، وحتى ذلك الوقت كانت عمائر القاهرة لا تزيد عن عدد أصابع اليد الواحدة وبطبيعة الحال كانت عمارة متاتيا المبهرة أشهرها على الإطلاق‏، لعدة أسباب أولها: أن بها واحدة من أهم اللوكاندات (لوكاندة مصر).


ثانيا: أن المهندس متاتيا استقدم عددا من فرق الأوكروبات الأوروبية التى كانت تقيم عروضها أسفل العمارة ومنذ ذلك الحين شغلت الناس وأصبحت ملء السمع والبصر، ثالثا:‏ أن المهندس أنشأ مقهى عموميا حمل اسمه واسم العمارة (متاتيا).‏


وكان هذا المقهى هو الأكبر ‏‏فى القاهرة من حيث المساحة، والأهم من حيث الموقع الجغرافى حيث كان يطل على ترام العتبة الشهير الذى أنشأه الخديوى، وكان يشغل بقية واجهة عمارة متاتيا المطلة على ميدان العتبة‏.‏


كانت أرض “عمارة متاتيا” فى القرن الـ‏19‏ أرضا خلاء‏،‏ ولذا كان ميدانا العتبة والأوبرا الحاليان ميدانا واحدا اسمه “ميدان أزبك”، نسبة إلى أزبك باشا العثمانى الذى اتخذ من تلك المنطقة المركزية فى وسط القاهرة مقرا له.‏


فى العام ‏1869م، وبمناسبة الاحتفالات العالمية التى صاحبت افتتاح قناة السويس‏ كلف الخديوى إسماعيل المهندس الفرنسى هوسمان بإعادة تخطيط الميدان، لكن ولأسباب غير معروفة ترك هوسمان المهمة وتولى الأمر بعده مهندس إيطالى حباه الله بنزعة فنية فى تصميماته، اسمه “متاتيا”.


وحتى تلك اللحظة لم يكن هوسمان ولا متاتيا يعرفان أن الأخير سيصبح واحدا من أشهر الأسماء فى تاريخ الحياة الثقافية والاجتماعية فى مصر، فقد قام بتحديث المنطقة المركزية لمدينة القاهرة‏، وخطط حديقة الأزبكية وصمم دار الأوبرا فى مكانها التاريخى الشهير قبل أن تحترق ‏(‏حاليا‏:‏ جراج الأوبرا المتعدد الطوابق بعد أن نقلت الأوبرا إلى منطقة الجزيرة الواقعة بين ميداني التحرير بالقاهرة والجلاء بالدقى‏).


المهم فى أمر المقهى أن عددا من الرواد والزعماء والمشاهير ليس المصريين فحسب، بل من كافة البلدان العربية، اتخذوا منه مكانا يجلسون فيه ويلتقون خلاله بأصدقائهم بل ويمارسون أنشطتهم الثقافية والتنويرية بين أركان المقهى وفوق كراسيه ومن أهم رواد المقهي جمال الدين الأفغانى، أديب إسحق الصحفى الشامى المصرى عبد الله النديم، محمود سامى البارودى، الشيخ محمد عبده، سعد باشا زغلول، أمير الشعراء أحمد بك شوقى، شاعر النيل حافظ إبراهيم، إبراهيم عبد القادر المازنى، الرئيس التونسى الحبيب بورقيبة.


وهكذا لعب المقهى دورا لا يمكن تجاهله فى الحياة الثقافية والاجتماعية والسياسية المصرية منذ إنشائه وحتى هدمه، وبه كانت شرارة أول تجمع سياسى فى مصر وسمى بتجمع “الوطنى الحر” على يد الأفغانى (ويصنف عند بعض المؤرخين باعتباره أول حزب سياسى أيضا قبل حزب مصطفى كامل 1907م)، ولأهمية الأفغانى وارتباط المقهى به وبدوره فى مصر، وضع الناس صورة كبيرة له، على أحد جدرانه.


فى ظهيرة يوم 12 أكتوبر 1992م، كانت مصر على موعد مع زلزال مخيف ضرب القاهرة وعدد من المحافظات بقوة 5.5 درجة على مقياس ريختر، ولأن التربة المصرية والبنى التحية غير مؤهلة لتحمل هذا النوع من الكوارث الطبيعية، فقد أحدث الزلزال وتوابعه التى استمرت قرابة أربعة أيام تصدعا بعدد من المبانى الأثرية المهمة خاصة فى وسط القاهرة المفعمة بالجمال التراثى الذى نال منه الزلزال منالا كبيرا.


وخلال 7 سنوات بعد الزلزال ظلت عمارة متاتيا ثابتة متماسكة حتى صدر أمر من محافظ القاهرة عام 1999م، بهدم أدوار عمارة متاتيا الأثرية، ثم هدم كل ما تبقى منها لصالح مشروع نفق الأزهر، فكانت تلك نهاية أحد أشهر المقاهى فى مصر والذى كان شاهدا على حروب عالمية وصولات وجولات سياسية ومعارك فكرية وأدبية وثورات وقامات.