ads
ads

رسم المصحف على سبعة أحرف

رشا هاشم
رشا هاشم
رشا هاشم



ما من يوماً يمر إلا وتتجلى حكمة الخالق جل وعلى،  في حقائق كونية مبهرة، منها وجود نظام رقمي يشمل جميع كلمات القرآن وآياته وسوره، ويعتمد هذا النظام على الرقم سبعة،  الأكثر تميزاً في القرآن الكريم، فتلك التناسقات السباعية في مسألة تستحق التفكير والتأمل، فقال سبحانه وتعالى: (الله الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير) (سورة الطلاق: الآية 12)، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أهمية هذا الرقم، وقد تكرر الرقم سبعة في القصص القرآنيفهذا يشهد على وحدانية الله سبحانه تعالى. كما أن للرقم سبعة حظ وافر في الأحاديث النبوية الشريفة. ولا يقتصر ذكر الرقم سبعة على الحياة الدنيا فقط بل نجد له حضوراً في الآخرة. 

يقول الدكتور "عبد الجليل عبد الرحيم" في كتاب "لغة القرآن الكريم" إن سبب نزول القرآن على سبعة أحرف، لأن في كل حرف منها تخفيف على الآمة، وتسهيل عليها في قراءة القرآن، وبدونه يلزم بعض الحرج والمشقة عليهم في قراءة القرآن وحفظه، والنظر في هذه الأوجه التي ذكروها يجد أن من بينها مالا يستدعي تكرار الطلب؛ لأنه سهل واضح متعارف عليه في جميع قبائل العرب.
إن الأحاديث توضح لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد طلب من جبريل عليه السلام، حين أمره أن يقرئ أمته القرآن على حرف واحد لتخفيف والتهوين؛ لأنها لا تطيق ذلك فأجابه إلى طلبه وأمره أن يقرئهم القرآن على حرفين، ثم كرر عليه الطلب، وكرر هو الزيادة؛ حتى بلغت سبعة أحرف.

 وأضاف شعبان محمد إسماعيل في كتاب "رسم المصحف وضبطه بين التوقيف والإصلاحات" أن  للعلماء في كتابة المصحف خلاف طويل، هل كانت مشتملة على الأحرف السبعة كلها، أو غير ذلك، وهناك ثلاثة آراء:   

الرأي الأول يقول: أن نسخت على حرف واحد من الأحرف السبعة، بسبب اختلاف الناس في القراءة  كما تقدم؛  فأراد عثمان رضي الله عنه جمع الناس على حرف واحد، وهو حرف قريش بدليل قوله رضي الله عنه، للقرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد ابن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه  بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم أي بلهجتهم وطريقتهم في القراءة، وكان زيد مدنياً من الأنصار؛ ومما أستدل به أصحاب هذا المذهب: ما رواه أبو داود عن سويد أبن غفلة قال: قال على: لا تقولوا في عثمان إلا خيراً.

فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملاء منا قال: ما تقولون في هذه القراءة ؟ فقد بلغني أن بعضهم يقول: أن قراءتي خيراً من قراءتك، وهذا يكاد يكون كفراً قلنا: فما ترى؟، وهذا يكاد يكون كفراً، قلنا فما ترى؟، قال أرى أن يجمع الناس على مصحف واحد، فلا تكون فرقة ولا اختلاف، قلنا فنعم ما رأيت؟ وقال المحقق ابن الجزري: نقلا عن الإمام الطبري وغيره: "إن القراءة على الأحرف السبعة لم تكن واجبة على الأمة، وإنما كان ذلك جائزا لهم، ومرخصاً فيه، وقد جعل لهم الاختيار في أي حرف قرءوا به.

كما في الأحاديث الصحيحة، وقالوا: فلما رأى الصحابة أن الأمة تفترق وتختلف وتتقاتل إذا لم يجتمعوا على حرف واحد، اجتمعوا على ذلك اجتماعا سائغا، وهم معصومون أن يجتمعوا على ضلالة، ولم يكن في ذلك ترك لواجب، ولافعل لمحظور، ويمكن أن يناقش هذا الرأي، فيقال: ليس من المعقول والمقبول أن يجمع "عثمان" رضي الله عنه الناس على حرف واحد من الأحرف السبعة، التي أنزلها الله تعالى لحكم وأسرار كثيرة، منها: التخفيف على الأمة في تلاوة كتاب ربها.

وفي ذلك مخالفة صريحة للأحاديث الصحيحة تدل على نزول القرآن على سبعة أحرف، ومن الثابت أيضاً أن المصاحف التي نسخها "عثمان" كانت موافقة للصحف التي نسخها الخليفة الأول "أبو بكر" رضي الله عنه، ومعلوم أنها لم تكن على حرف واحد، وإنما كانت مشتملة على ما كتب بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ولم تنسخ تلاوته، وثبت في عرضة الأخيرة، فحاشا عثمان أن يمنع الناس من قراءة ما علمت قرآنيته، ونقل تواترا عن رسول الله، وحاشا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلمأن يوافقوه على ذلك، وهم لا يخافون في الله لومة لائم.

يضاف إلى ذلك أن هذا الرأي يخالف الواقع الذي عليه المسلمون اليوم، من قراءة القرآن بالقراءات التي وصلت إلينا بالطرق الصحيحة، والأسانيد المتصلة، وهى مشتملة على أحرف كثيرة، ومن شروط صحتها: موافقتها لأحد المصاحف العثمانية، فما من قراءة من السبعة أو العشرة، إلا وهي موافقة لأحد هذه المصاحف، فكيف يقال: إن "عثمان رضي الله عنه جمع الناس على حرف واحد من الأحرف السبعة، وترك الستة الباقية؟"!.

وأستشهد بالأمثلة الباحث "عبد الدائم الكحيل" ، لنتأمل الآية الكريمة على وجهين من أوجه القراءة قال تعالى: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) [سورة البقرة: الآية 9]،  مع نفس الآية هي: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يُخَادِعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ)، فالقراءة الأولى (يَخْدَعُونَ) والقراءة الثانية (يُخَادِعُونَ)، والمعنى متقارب جداً، ولا يوجد أي خلل في البناء اللغوي، والبياني للآية الكريمة، وهكذا بقية آيات القرآن الكريم.

وأيضاً قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا) [سورة الحجرات: الآية6]، ونفس الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَثَبَّتُوا) فالقراءة الأولى (فَتَبَيَّنُوا) من التبيان، والقراءة الثانية (فَتَثَبَّتُوا)، من التثبت والمعنى متقارب جداً، ولا يوجد أي خلل في البناء اللغوي والبياني للآية الكريمة،  بل هناك إضافة للمعنى اللغوي، ومبالغة في التبيان والتثبت والتأكد من صحة النبأ قبل الحكم عليه. فالمؤمن دقيق في أحكامه، ولا يطلق الاتهامات من دون تبيان حقيقة الأمر. 

ويذكر الكحيل في كتاب "إشراقات الرقم سبعة" أن الإعجاز في رسم كلمات في القرآن الكريم إنه يتميز بطريقة فريدة لكتابة كلماته وحروفه، وهذه الطريقة مناسبة للنظام الرقمي القرآني، وهذا الرسم لكلمات القرآن، فيه معجزة ولا يجوز تغيرها أو المساس بها.

ads