ads
ads

بين الثقافة والسياسة: مراجعات لازمة

عبد الله السناوي
عبد الله السناوي
عبد الله السناوي


عندما تغيب الأسئلة الكبرى يصعب الحديث عن أية مراجعة لازمة لتجديد القوة الناعمة المصرية، التى تعرضت للتآكل والتجريف وأصبح الحديث عنها أقرب إلى بكاء على أطلال.

برمزية أعداد السنين فإن اليوبيل الذهبى لمعرض القاهرة الدولى للكتاب يدعو لمثل هذه المراجعة، كيف.. ولماذا تراجع الدور الذى كانت تلعبه الثقافة المصرية فى عالمها العربى؟

بأى مراجعة على قدر من الجدية والموضوعية لا يمكن عزل ما هو ثقافى عما هو سياسى وإلا فإنه تحليق فى فراغ.
فى مطلع ثورة «يوليو» تصدر المشهد الثقافى ثلاثة أدباء كبار ـ الدكتور «طه حسين» و«عباس محمود العقاد» و«توفيق الحكيم».

بقدر ما ساعدتهم حرية النقد المتاحة تأكدت قيمتهم وريادتهم.
كان «طه حسين» الأكثر حماسا لحركة «الضباط الأحرار» وإطاحة الملك «فاروق»، فيما بدا «العقاد» متحفظا، لا أيد بحماس ولا عارض بوضوح، فيما كان «الحكيم» ملهما لـ«جمال عبدالناصر» بروايته «عودة الروح».

فى الخيارات الرئيسية استندت «يوليو» إلى جوهر مشروع «طه حسين» فى مجانية التعليم، والنظر إلى أوضاع وأزمات الثقافة المصرية، التى نقلتها من حال إلى حال.

لم تكن مصادفة أن أغلب الذين تصدروا النهضة الثقافية المصرية فى خمسينيات وستينيات القرن الماضى هم من تلاميذ عميد الأدب العربى الذى يعد رمزا للاستنارة والروح النقدية، غير أن التوجهات بدت مختلفة بشأن دوائر الحركة؛ حيث تبنت «يوليو» التوجه شرقا إلى العالم العربى، فيما كانت نظرة العميد التوجه غربا عبر المتوسط إلى القارة الأوروبية.

كان «طه حسين» ثوريا فى تفكيره الثقافى والعقلانى، لكن لم يعهد عنه ميلا إلى تعديلات جذرية فى بنية العلاقات الاجتماعية.
وكان «العقاد» محافظا فى تفكيره ونظرته الثقافية، هو مثقف موسوعى علم نفسه بنفسه واكتسب نفوذا استثنائيا بارتباطه بزعيم ثورة (١٩١٩) «سعد زغلول» حتى إنه وصف بـ«قلم الوفد الجبار»، غير أنه اصطدم بخليفته «مصطفى النحاس» وخرج عليه مقتربا من الملك «فاروق».

وكان «الحكيم» وسطيا، وهو يوصف عن حق برائد المسرح العربى.
بدت اجتهاداته الأدبية والفكرية مثيرة وسجالية دون أن تتوافر فيها مقومات مشروع ثقافى كـ«طه حسين» و«العقاد».
عندما قامت الثورة كان العصر لم يعد هو العصر، الذى أبدعوا فيه واستكملوا مشروعاتهم الفكرية، ولا كان مجمل تفكيرهم يتسق مع ما سعت إليه من تغيير اجتماعى واسع هز المعادلات القديمة التى نشأوا فى ظلها.

كان جيل جديد بدأ يطل على المسرح السياسى المصرى فى منتصف أربعينيات القرن الماضى، أفكاره بنت ما بعد الحرب العالمية الثانية وما طرحته من تحديات مختلفة.

كانت أهم القوى الجديدة حركتى «حدتو» اليسارية و«الإخوان المسلمين»، وقد دعمتا «الضباط الأحرار» قبل الثورة وعند بداياتها.

«حدتو» طلبت المشاركة فى القرار، والجماعة طلبت الاستيلاء على القرار نفسه.
من حيث قوة التنظيم واتساع مجال حركته ومدى تمركزه فى الشارع السياسى تصعب المقارنة بين الحركتين التنظيميتين ـ لصالح «الجماعة».

ومن حيث اتساع النظرة السياسية والعمق الثقافى تصعب المقارنة مرة أخرى ـ لصالح «حدتو» هذه المرة.
بقواعد السمع والطاعة افتقدت الجماعة أية قدرة تقريبا على الإنتاج الفكرى والإبداعى وبناء طبقة مثقفة.

لم يجر الصدام بين «يوليو» و«حدتو» فى فراغ سياسى، ولا تلخصت أسبابه فى «أزمة مارس 1954» وسؤالها عن الطريق الذى يجب أن تنتهجه مصر: الديمقراطية أم الثورة؟.. عودة القوى القديمة أم المضى قدما فى تغيير المعادلات الاجتماعية والاستراتيجية؟

كانت هناك أزمات أخرى استدعت الصدام، بينها الموقف من القضية الفلسطينية: هل هى قضية وجود تخص العرب جميعهم ويرتبط بها المصير العربى، أم أنه يمكن حلها بوحدة الطبقة العاملة فى فلسطين المحتلة بين العمال اليهود والعرب؟
وجرى استدعاء الصدام مرات ثانية وثالثة ورابعة على خلفية الموقف من الوحدة السورية ــ المصرية، التى ناهضها الحزب الشيوعى السورى ، والصراع بين القوميين العرب والشيوعيين على السلطة فى العراق، وقد كان دمويا.

مع بدء التحول الاشتراكى اختلفت البيئة العامة، حلت الأحزاب الشيوعية نفسها، واندمج أفضل مفكريها وكوادرها فى بنية «التنظيم الطليعى»، وهو جهاز سرى أنشئ داخل الاتحاد الاشتراكى بهدف تطويره وفرز عضويته.
كأى حزب سلطة، مفتوح أو طليعى، فإنه مطمع لكل أصحاب المصالح.

كان من رأى المفكر اليسارى «محمود أمين العالم»: «إن من الخطأ والخديعة أن يقال إن تجربة عبدالناصر لم تكن إلا تجربة سجون ومعتقلات، فهذا طمس للوعى الصحيح؛ حيث تحقق الاستقلال السياسى والاقتصادى والعسكرى لأول مرة فى تاريخ مصر الحديث» ـ كما قال عام (٢٠٠٢) فى حوار صحفى.

المراجعة من دواعى إنضاج الأفكار والتصورات وإكسابها القدرة على التجديد.
أين كانت الأخطاء فى غمرة صراعات السلطة، أو فى قلب عواصف التحولات الاجتماعية والصراع على مستقبل المنطقة؟
فيما بعد «أزمة مارس» وحسم سؤال السلطة أسندت للأمن مهمة تعقب أية تنظيمات سرية تهدد نظام الحكم.
تلك مهمة طبيعية ومشروعة فى كل الثورات بمعاركها المفتوحة وتحولاتها الحادة.

إذا ما ضعف التأمين، فالانقضاض عليها مؤكد.

غير أن لكل شىء حدودا تتوقف عندها أية إجراءات، وإلا فإنها تفلت عن كل ضرورات سياسية والتزامات قانونية وإنسانية، وتسىء إلى أى نظام حكم، ثورى أو غير ثورى.

كان مصرع المفكر والسياسى اليسارى «شهدى عطية الشافعى»، تحت الضرب المبرح فى معتقل «أبو زعبل» يوم (١٧) يونيو (١٩٦٠) عملا مشينا أزعج البيئة الثقافية المصرية.

من بين شهود الواقعة الروائى الكبير «صنع الله إبراهيم»، كان شابا صغيرا فى الثانية والعشرين من عمره، يدرس القانون فى كلية الحقوق، ويعمل موظفا بمكتب ترجمة حتى يواصل تعليمه.

رغم قسوة التجربة فإنه لا يتوقف عن الدفاع بحماس عن «جمال عبدالناصر»، وحماسه استوقف كثيرين فى مصر والعالم.. سألوه: «لماذا تدافع عمن سجنك لخمس سنوات؟».

إنها مسألة أفكار وتصورات واعتقادات فى الحياة والسياسة وجد تعبيرها فى مشروع رجل مات منذ عقود طويلة.
كان مصرع «شهدى» داعيا إلى غضب «عبدالناصر» بصورة دعته إلى القول لوزير داخليته بالحرف الواحد تقريبا: «إذا كان ذلك يمكن أن يحدث فى عهد الثورة فالأشرف والله أن نفضها ونعود إلى بيوتنا» ـ بنص شهادة الأستاذ «محمد حسنين هيكل» فى كتابه «لمصر لا لعبدالناصر».

فى يونيو (١٩٦٣) قرر «عبدالناصر» الإفراج عن جميع السجناء السياسيين قبل نهاية العام.
كان خبرا مدويا تناقلته وكالات الأنباء العالمية نقلا عن صحيفة «اللوموند»، التى نشرت الحوار الذى أجراه «إريك رولو»، الصحفى اليهودى الفرنسى من أصل مصرى.

المعتقلات فتحت من جديد أثر كشف تنظيم «سيد قطب» (١٩٦٥) وإجهاض محاولته للاستيلاء على الحكم بالتدمير والترويع والقتل.

هناك فارق أساسى بين المعارضة السلمية والمعارضة بالسلاح.

مع ذلك فإن حماية سلامة وإنسانية كل من يحتجز فى عهدة الدولة من مسئوليتها.

من بين ثغرات «يوليو» جرى الانقضاض على إنجازاتها التحررية والاجتماعية ومشروعها الثقافى الذى لا مثيل لحجمه وأثره فى التاريخ الحديث كله.

هنا صلب أية مراجعة وإلا فإنه إهدار لدروس التاريخ.

نقلًا عن «الشروق»

ads