ads
ads

عودة إلى هيكل: مقدمات ثورة يناير

عبد الله السناوي
عبد الله السناوي
عبد الله السناوي
ads


كان (٢٠٠٥) عاما حاسما فى قصة تصدع نظام «حسنى مبارك».
فى ذلك العام بدأ «مهرجان الغروب» يخيم على الأفق السياسى والاجتماعى والسياسات والتصرفات تنحر فى شرعيته.
للنظم قوانين، كما البشر والطبيعة، تسرى عليها مهرجانات الغروب.
هناك غروب لنظم يستدعيه اختلاف الأزمان والتحديات.. وغروب آخر يستدعيه غضب الشعوب والمجتمعات.
لم يكن (٢٠٠٥) هو بداية الغروب، لكنه العام الذى تبدى فيه مهرجان.
كان هو «عام الفزع» فى مصر وعالمها العربى بعد «عام الغيبوبة ــ ٢٠٠٤» ـ بنص أوصافه وتشبيهاته.
«مصر تحولت من طرف إلى صديق إلى وسيط مع إسرائيل».
«قلنا مصر أولا ومصر ثانيا ومصر أخيرا، فأصبحت مصر أخيرا فقط».
هكذا تحدث فى اليوم الأول من عام الفزع.
وهو العام الذى «استكملت فيه مجموعات المصالح استيلاءها على الإدارة والحكومة وسلطة الدولة.. واتسع تبديد القوة الناعمة.. حتى أصبحت أخطاء الواقع المصرى لم نعد نستطيع تحملها».
هكذا تحدث فى منتصف ذلك العام.
وهو العام الذى مدد «مبارك» فيه لنفسه ولاية رئاسية جديدة بانتخابات قيل إنها بين أكثر من مرشح.
«لقد خرجنا من التاريخ ولن نعود إليه دون إصلاح حقيقى حتى لا يكتفى المصريون بأدوار المتفرجين».
«مبارك يحكم مصر الآن بسلطة الأمر الواقع».
«نظم الحكم العربية استفحلت وكل رئيس صار امبراطورا».
«الذين نظموا حملة انتخابات مبارك لتمديد ولايته لا علاقة لهم بالتاريخ ولا بالمستقبل».
و«سيناريو التوريث سيؤدى بالبلد إلى مشكلة كبيرة».
هكذا تحدث فى خريف عام «الفزع».
كان على يقين من أننا فى أوضاع قرب النهاية، وأن كل شىء يوشك على الغروب.
«تبدو مصر كسفينة جانحة تبحر بلا خرائط ملاحية وسط أمواج عاصفة. نظام الحكم تتآكل شرعيته بصورة خطيرة ويقف عاجزا عن صياغة تصور يقنع الشوارع الغاضبة، وهو كمن يستهلك وقتا حتى يقضى الله أمرا كان مفعولا.. فى لحظة ما ــ ربما تكون أقرب مما نتصور ــ سوف تكسر المعادلة وتفتح الاحتمالات على آخرها بما هو مبشر وبما هو مقلق.. عند هذه اللحظة الحاسمة لا بد من طرح السؤال الأكثر أهمية: من يحكم هنا؟».
åßÐÇ ßÊÈÊ ÈÇáÍÑÝ ÇáæÇÍÏ فى (٣) إبريل (٢٠٠٥) على صفحات جريدة «العربى».
كانت تلك إجابتى فى حوار مطول بيننا على سؤال «من يحكم هنا؟»، الذى تعود صياغته إلى «أنتونى سيمبسون» أشهر من تولوا رئاسة تحرير «الجارديان» البريطانية، وكان قد رحل توا وشارك الأستاذ «هيكل» بجوار الزعيم الجنوب إفريقى «نيلسون مانديلا» فى وداعه بإحدى كاتدرائيات لندن.
يوما بعد آخر ــ بعد عام الفزع وضيق النظام بأى إصلاح ــ تعالت نبرة انتقاداته.
«الرئيس مبارك جاء للحكم متأخرا فى السن دون أن يكون لديه اهتمام بالسياسة».
«هو المسئول عما يحدث ورئيس الوزراء مجرد موظف ــ ٢٠٠٧».
«قناة السويس أعطتنا ست مرات قيمة المعونة الأمريكية وكامب ديفيد أعطت البترول المصرى لإسرائيل».
«قصد قوى كبرى بمعاونة رجال صغار أن نصبح أمة عاجزة تقف فى طوابير خبز».
«الأزمات كبيرة والرجال صغار»، مستعيدا تعبير وزير الخارجية المصرى الراحل الدكتور «محمود فوزى» ــ (٢٠٠٨).
فى (٢٠٠٩) حلق بعيدا فى انتقاداته.
«قاعدة السلطة أصبحت قوة الأمن وفرض سيناريو التوريث سيكون كارثة».
«مصر لم تعد قائدة أو رائدة وأصاب بذهول وأنا أرى العالم العربى يعتمد على إسرائيل».
«سمعت فى ألمانيا: أنتم تركتم لإسرائيل فى الغاز حجم كل المساعدة الأمريكية التى تحصلون عليها».
«مصر عادت إلى عصور النهب فى القرن التاسع عشر وهى أكثر بلد فى العالم تدفقت إليها أموال لا ترد قيمتها مائة وخمسون مليار دولار».
«إننا أمام عالم عربى لم يعد أمامه إلا أن يستجدى الرحمة».
«فى مصر وكل بلد عربى تجريف وتفريغ فى الحياة السياسية».
«اختفت السياسة ولا بد أن نبدأ تأسيس دولة من جديد».
حين جاء (٢٠١٠) بدا الانهيار محتما بعد تزوير انتخابات المجلس النيابى وتأهب مجموعة «لجنة السياسات» فى الحزب الوطنى للإمساك بالحكم وتمرير مشروع التوريث.
لكل نهاية مقدمات طويلة.
كان انسداد القنوات الاجتماعية أزمة مستحكمة، وانسداد القنوات السياسية أزمة مستحكمة ثانية، وكانت شيخوخة النظام أزمة ثالثة والتلاعب بالدستور أزمة رابعة، وسيناريو «التوريث» فاقم الشعور العام بوطأتها.
كل الأزمات وجدت فى «التوريث المحتمل» البلورة التى تتجمع عندها ونقطة تفجير الوضع كله.
فى نوفمبر (٢٠٠٣) عجز الرئيس «حسنى مبارك» عن أن يكمل خطابه أمام مجلس الشعب بعد تعرضه لإغماءة استدعت قطع الإرسال التلفزيونى، الذى كان ينقل الحدث على الهواء مباشرة.
لوهلة تصور «كمال الشاذلى»، بباعه الطويل فى السيطرة على النواب، أن بوسعه فى خمس دقائق حسم الفراغ المحتمل بالسلطة إذا انقضى أجل الرئيس، وأن يمرر فى لحظة عاطفية ترشيح نجله الأصغر لخلافته وطرح اسمه للاستفتاء الشعبى ــ وفق النص الدستورى الذى كان معمولا به فى ذلك الوقت.
كان ذلك رهانا شبه مستحيل اختبر فيه «مشروع التوريث».
لم يسمح لأحد من أركان الحكم بالدخول على الرئيس، الذى نقل إلى إحدى غرف المجلس، باستثناء وزير الدفاع المشير «محمد حسين طنطاوى»، والدكتور «حمدى السيد» نقيب الأطباء، الذى كان متواجدا بصفته عضوا بالمجلس وبقى المسئولون الكبار على الباب ينتظرون ما تجرى به المقادير.
فى مارس (٢٠١٠) بالقرب من المشاهد الأخيرة لـ«مهرجان الغروب» ــ قبل ثمانية شهور من «يناير» ــ أجرى الرئيس عملية جراحية مؤلمة فى «هايدلبرج» بألمانيا، وصفها هو نفسه بـ«العلقة الساخنة».
أثناء رحلة «هايدلبرج»، التى أحاطتها ظنون بعدم قدرة الرئيس على الاضطلاع بمهامه، أطل من جديد سيناريو «التوريث» على المشهد المضطرب.
راجت تكهنات أن «مبارك» قد لا يجدد ولايته خريف العام التالى (٢٠١١) بدواعى حالته الصحية والتقدم فى العمر مخليا الطريق أمام نجله لوراثة مقعده.
لم يكن سرا أن القوات المسلحة تمانع فى نقل السلطة من الأب إلى الابن بالنظر إلى مواريثها منذ عام (١٩٥٢).
ولم يكن «مبارك» مقتنعا ــ كرجل عسكرى يعرف كيف صعد إلى الرئاسة ــ بأن هناك فرصا لتمرير ذلك المشروع، لكنه لم يمانع فيه ولا اعترض عليه وترك الصراعات فى بنية نظامه تحتدم دون أى حسم.
حسب رواية «هيكل» فإن «مبارك» استشعر بعد انتخابات مجلس الشعب عام (٢٠١٠)، التى زورت على نطاق واسع وأقصيت المعارضة بالكامل، بأنه قد يكون هناك من يخطط لـ«توريث» يفرض عليه عندما يحين موعد اختيار مرشح الأغلبية فى موعد أقصاه يوليو (٢٠١١).
فى (١٩) ديسمبر من نفس العام (٢٠١٠) قال بالحرف، كأنها نبوءة لما سوف يحدث بعد شهر بالضبط:
«التوريث فى النظام الجمهورى لا يصح أن يتكلم فيه أحد، نحن أمام أوضاع قرب النهاية».
فى ذلك الوقت كانت الحركات الاحتجاجية كـ«كفاية» و«الجمعية الوطنية للتغيير» تلخص الغضب العام وأجيال الشباب بدأت تطل على مسرح التاريخ بحيوية غير مسبوقة.
ذات مرة استعاد فى إحدى إطلالته التلفزيونية بيتا لأمير الشعراء «أحمد شوقى»: «تحرك أبا الهول.. هذا زمان تحرك فيه حتى الحجر».
كغيره فوجئ بمشاهد «يناير» الأولى، فقد «خرج الشعب كله، بأجياله، وبطبقاته، وبطوائفه، بل بالصبا فيه والطفولة ـ ملايين بعد ملايين، وكذلك فهى لأول مرة فى التاريخ الحديث خروج كامل، وبالثورة الكاملة، وللشعب المصرى بكامله» ــ كما كتب فى اليوم الأول للثورة.
بعد ثلاثة أيام من الأحداث العاصفة وصف ما يجرى بأنه «ثورة متكاملة الأركان».
غير أن الأحلام الكبرى انكسرت ولم يتبق بعد ثمانى سنوات غير الجراح المفتوحة على قوة «يناير» الكامنة.
بقوة الحقائق لم تكن ثورة «يناير» مؤامرة بقدر ما جرى التآمر عليها.
هذه هى الحقيقة التى لا سبيل إلى إخفائها مهما طال الزمن.

نقلًا عن «الشروق»